التريع والترويع.. مسلسل فظيع

بقلم: شفيق بطرس
اسمي مرقس، جدودي فراعنة أقباط ولسة بنتكلم لغتنا القبطية أنا وزوجتي الجميلة مريم وبناتي وابني الوحيد بولس، العزبة بتاعتي كبيرة والحمد لله الخير وفير وكتير، بولس بيرعى مصالح المواشي ورعاية الفلاحين وأنا باشوف شئون الغيط والزراعة وتصريف المحاصيل وتخزين البذور للسنة الجديدة، بيقولوا الوالي الجديد شديد خالص وبيقطع لسان أي واحد بيسمع عنه إنه بيتكلم قبطي، حتى قلت لزوجتي وبناتي وهم في البيت ما يتكلموش قبطي أحسن بنسمع إن فيه بصيصة وجواسيس من عند الوالي من أتباعه من العرب اللي جم واحتلوا البلد وبيتجسسوا على البيوت، ولو سمعوا أي لغة مش عربي بييجي السياف ويقطع لسان اللي بيتكلم في الحال، ودي أوامر الخليفة والوالي ولا رجعة فيها، الربيع حل علينا والنسمة حلوة وجميلة على المصاطب قدام البيت وشكل الغيطان يفرح القلب، قعدت مع زوجتي نتكلم عن عروسة لبولس وعرسان للبنات جايين من الفسطاط اللي بناها العرب في بابليون، مر علينا تاجر الغلال القبطي وقال لي ادخل بيتك واقفل بابك لأن الفرسان العرب جايين للتريع في البلد وخدوا بيوت كتيرة، وانت معاك زوجتك جميلة وبناتك صبايا مش هايسيبوهم لو شافوهم، قلت لا أنا مش جبان وأنا جاي من طيبة من الجنوب واتعلمت من أجدادي إزاي أحارب وأدافع عن أرضي وزوجتي وبناتي، قال لي مش زي فرسان العرب دي شغلتهم ومعاهم أمر الوالي بأن يتريعوا في البلد ولهم سلطان على كل شيء الأرض والعرض والمواشي، ولو محظوظ إنت هايشغلك عبد عنده وتنام في الزريبة لو عنده رحمة وما قطعش رقبتك علشان فكرت مجرد تفكير تقاومه، قلت الكتاب قال ولو لهم سلطان أن يميتوا الجسد فليس لهم سلطان على الروح، وفجأة جرى رئيس التجار مزعور وقال لي شايف الغبار اللي في آخر الجسر ده؟ دول الفرسان جايين.. أدخل بيتك.
ولم تمر دقائق حتى كان قائدهم على راسي ونزل من على حصانه وقال لي بأي لغة تتكلم؟ قلت العربي بأمر مولانا الخليفة وسيدنا الوالي، قال لي أحسنت. يلا قيد حصان سيدك الجديد، أنت من اليوم صرت عبدي. وخرجت على الصياح العالي زوجتي وشافها الفارس وقال يا جمالك يا دلالك وهجم عليها وقال لي يلا يا عبد قيد الحصان وقدم له أكل ومياه نظيفة لأن ده حصان سيدك الفارس ولازم ياكل ويشرب أحسن منكم كلكم، وبدأ يلعب في شعر زوجتي، خرج بولس إبني على التو على صياح زوجتي وقال هاكسر إيدك لو لمست أمي، فلم يرد الفارس ولكنه رفع سيفه وطير رقبة بولس في الحال وأمرني أن أجمع رقبته وجسده وأرميهم في النهر القريب، وقال من الآن لازم تعرفوا إن هذا البيت أملكه وهذه العزبة أصبحت لي بكل ما فيها من خيرات، وأنت مطالب بالزراعة وتقديم الخير لسيدك العربي المسلم، وما فعلته مع ابنكم هو لغتي الوحيدة مع كل من يتطاول علينا ويرفع صوته برفض أي أمر، أنتم فاهمين؟ خرجت بنتي الكبيرة وقالت باللغة القبطية ماذا يجري؟ "يا رب.. يا يسوع ارحمنا"، قال الفارس خسارة الجمال ده يبقى من غير لسان بس دي أوامر الخليفة والوالي، وأمر أحد أتباعه بحضور السياف في الحال المخصص بقطع ألسنة الأقباط لكل اللي بيتكلموا قبطي، وحضر السياف الذي كان في مهمة للجيران الأقباط بعد أن قطع ألسنة أربعة أطفال صعب عليهم تعليم لغة جديدة حتى بعد أن توسل لهم أباهم بأنه سيعلمهم، ولكن الأوامر لا تُرد، كان السيف لسة بينزل دم. وبسرعة البرق قطع لسان إبنتي الكبيرة ودخلت سريعة ودخل خلفها الفارس وأغلق الباب بعد أن ترك زوجتي وسمعناها تصرخ تصرخ ولا تستطيع الكلام وبعد مدة خرج وقال إبنتكم دي ما تنفعنيش أنا ضميتها لحريمي بس عايز أسمع صوت يبهجني ويمتعني وأنا معاها، هي الآن خرساء لا تنفعني وطلب من السياف أن يتقدم لها ليطير رقبتها ولكني طلبت منه الانتظار وأن لها أختين أجمل منها في الغيط وكلها ساعة ويحضروا من هناك بعد الشغل ما يتم، ضربني بالسوط وقال دول حريمي يا عبد مش عبيد زيك، لازم يحضروا ويستحموا ويتنظفوا لليلة العُرس، وكفايه أنا اتنكدت من هذه الخرساء وسوف أعفو عنها لتساعد العبدة زوجتك في شئون البيت بتاعي الجديد، وتم توزيع الحراسة من أتباع السيد الجديد وأمرنى أن أقدم له كشف بأوراق الملكيه لكل شىء ليتم تقييدها باسم المالك الجديد. وأعطاني صك العبد والذي يثبت بأني عبده الخاص ولا أحد غيره من الفرسان يستطيع أن يمتلكني، ولا أحد غيره يستطيه أن يبيعني في سوق العبيد.
قال لي الفارس -وسيدي الجديد- أنا تعبان وأريد الراحة، وأمر حراسه وأتباعه أن يتبعوني علشان أعرفهم مكان الأبواب وكيفية إطفاء المشاعل الخاصة بالإنارة في المساء، وأخذ السيد الجديد زوجتي الذليلة الحزينه وابنتي الخرساء والدم ما زال ينزف من فمها بعد أن حضرت بناتي التانيين من الغيط وأخذتهم أمهم لتنظفهم وتعطرهم ليكونو في تمام الزينة للعريس الجديد الليلة، ولم أحتمل كل هذا الكابوس الصعب، وبعد أن نام الحراس أخذت حصان واحد منهم وهربت بأسرع ما يمكنني لأني لم أتعود ركوب حصان -لأنه ممنوع على القبطي أن يركب حصان- ووصلت إلى أقرب دير في أول طريق الجبل ودخلت أول مغارة أتعبد وأكون وحيداً أصلي وأشكي همومي لرب المجد، ونادى عليّ أحد الرهبان وقال مالك بتزوم وتتوجع وإيه الكتاب إللي في إيدك ده؟ قلت له سامحني يا أبي أنا.. وهنا تيقظت ووجدتها زوجتي تحاول إيقاظي من كابوس صعب وقد جاءت من الحجرة المجاورة بعد سماع أناتي وصراخي، وقالت لي زوجتى إيه مالك؟ وإنت بتقول لي سامحني يا أبي إزاي؟؟ أنا مراتك مش أبونا. وأخذت كتاب تاريخ الكنيسة القبطية الذي كنت أحتضنه أثناء نومي ووجدت الصفحة التي فتحتها وخططتها بالهايليت هي عن قصص التريع في بداية الفتح الإسلامي وقرأت هذه الكلمات للمؤرخ كاتب الكتاب وهي:
كان لانتقال العرب من كل عام من معسكراتهم إلى الريف المصري وإلى بيوت الأقباط فيما سمي بالارتياع، أثره على تدمير الهوية المصرية وفنائها، فكان أي عربي يستطيع أن يختار أي منزل مصري ليدخله ويمتلكه ويحيا في هذا المنزل ويحول صاحبه إلى عبد ويسبي زوجته وبناته ليصبحن له سبايا وجواري، ومن عطف الفارس على صاحب البيت القبطي أن يعطيه فرصة الحياة والنجاة من السيف بأن يعمل عبداً لديه طوال حياته –هذا ليس خيالاً بل تاريخاً- لذا تجرأ الأقباط وقاموا بثورتهم. فقضى على معظمهم المدعو الخليفة المأمون، وحشد لهذه الثورة القبطية مائة ألف جندي من المسلمين للقضاء على ثورة الأقباط، ومن التريع في الماضي للترويع في الحاضر، نقول: إنه مسلسل فظيع.. يا رب ارحم.. يارب ارحم.. يارب ارحم.. آمين.
شفيق بطرس



عنوان المقالة «التريع والترويع.. مسلسل فظيع»
«شفيق بطرس»

«الأقباط متحدون»