مصر بين العقل والعقال

قراءة: إسحق إبراهيم
يناقش كتاب "مصر بين العقل والعقال" للكاتب إبراهيم الزيني في موضوعية شديدة أسباب التخلف ويكشفها، كما يطرح العديد من التساؤلات المهمة من أبرزها: هل يمكن لشعب أن يصنع حضارة وهو يعيش في كنف حضارة أخرى؟ وما هي الحضارة الأخرى التي جعلت مصر تتقهقر إلى الخلف بدلاً من التقدم إلى الأمام؟ هل نحن عرب؟ وإذا لم نكن، ما معنى أن يسيطر المخزون الثقافي العربي على هويتنا المصرية؟ أليس من النازية أن يسيطر المخزون الثقافي لعشرة مليون عربي على 300 مليون يعيشون في المنطقة بدعوى أنها ثقافة إسلامية؟! هل يمكن صنع خطاب جديد مصري نحو إعادة اكتشاف الذات؟! أسئلة طرحها المؤلف كتابة بموضوعية وصراحة شديدة، وحاول الإجابة عنها وهو يدرك أن دعاة التطرف والإرهاب والكتفير جاهزين لشن حملة شواء عليه، لذلك أكد في مقدمة مؤلفه أنه "أديت الحج ثلاثة مرات وقمت بالعمرة أكثر من ثلاثين مرة والناس تشهد على إيماني وترددي على المسجد، لذلك فإن كل من يحاول أن يكفرني أو أن يقول أني ماسوني فأنا أحمله وزر ذلك أمام رب العزة والجلالة".
أكد الكاتب أن أسباب تخلف مصر واضحة للعيان، لكن العلاج يحتاج إلى مواجهة حاسمة مع كل الأجهزة العلمية والثقافية والمؤسسية لاسيما أن هدم الهوية المصرية استمر أكثر من ألفين سنة وما نحتاجه هو عملية البناء، ويذكر التاريخ صحوات مصرية وسط عصور الانحدار والانهيار مثل التي حدثت في عصر صلاح الدين الأيوبي وأحمد بن طولون، لكنها ما لبثت أن انهارت وانطفأت لأن المصريون كانوا بلا هوية، ينطلق الكاتب من نقطة مفادها أن الجغرافيا ثابتة لم تتغير والمصري ما زال قابعاً في أرضه لكن الأحداث قد تغيرت، كان المصري يملك هوية مصرية نقية خالصة، قيم وعادات وتقاليد وموروثات ثقافية تعبر عن خصوصيته، حتى الدين اكتشفه بنفسه. هذه العوامل كانت السبب الرئيسي لتحقيق الذات المصرية عالية الطموح.
والثقافة هنا معناها منهج الحياة الكامل لمجتمع معين، وتشمل طريقة تناول الطعام، استقبال الضيف، العادات والتقاليد والقيم والأخلاق والآداب، والملبس والمسكن والأفراح والأحزان وآداء العمل والأعياد والاحتفالات، وعندما حدث الفتح العربي كان عشر السكان مسيحيون –كما يذكر الكاتب في مؤلفه، وهذه نقطة محل خلاف ولا توجد لها أسانيد تاريخية– أما البقية وثنيين وتحولوا إلى الإسلام إلا أنه جاء بدين قريب إلى ديانتهم الأولى فالمصري ارتبط بالدين وأصبح جزءاً من حياته اليومية وأدخله إلى ثقافته الخاصة وسلوكه اليومي وأصبح الدين عنده منهج حياة كامل.
ويوضح الكاتب أن مصر تأثرت بقشور الثقافة القادمة مع الغزاة المحتلين لأنهم ظنوا خطأ أنها ثقافة إسلامية، لذلك هيمن الفكر الديني على جميع نواحي الحياة الثقافية المصرية في كل المجالات، وقامت علوم إسلامية للشرح والتفصيل مثل الفقه وأصول الدين، لكن لا يمكن تسميتها بالثقافة الإسلامية، فالجزيرة العربية ثقافتها قائمة على الشعر والمديح والنفاق والبكاء والغزل، ولم يتغير نمط حياتهم حتى، ولذلك يجب الفصل بين الدين وبين الثقافة، هناك أطر للثقافة الإسلامية التي دخلت مثل الأعياد، تفاعلت معها الشعوب حسب ثقافتها. دخل الإسلام مصر وهو يحمل صفات وثقافة العرب، وهم كانوا من البدو وليس لهم صنعة إلا الرعي. لكل مجتمع هوية ثقافية خاصة به، ومهما تغيرت الدنيا يحتفظ بها، مثل الاتحاد السوفييتي عندما تفكك رجعت الدول إلى هوياتها الأصلية، وكما حدث في يوغوسلافيا بمجرد الانفصال عادت الهوية الثقافية لكل دولة.
انتقل الكاتب إلى قضية أخرى بالغة الحساسية لكنها تشكل جزئياً من المعاناة التي تعيش مصر، وهي الخلط بين العلم والدين ومحاولة إصباغ العلم بمسحة دينية، ويرى الزيني أنه حدث تحريف للعلم حتى أصبح العالم الإسلامي في العصر الحالي هو أكثر الشعوب تخلفاً وأمية، ذلك يرجع إلى أن المجتمع البدوي حاجته إلى العقل محدودة، هو مجتمع سهل بسيط لا حرفة إلا الرعي، ولا سكن إلا الخيام، ولا طعام إلا اللبن والتمرة، وهو ليس في حاجة ملحة إلى العقل بقدر حاجته إلى النواحي العاطفية، ووقت الفراغ عند البدوي كبير جداً، فلا عمل لديه. أما المجتمع الزراعي هو مختلف يوجد احتياج للعقل للتفكير في كيفية الإنتاج وتكوين مؤسسات لإدارة القوانين وتنظيم الحياة والمحافظة على الملكية. إن العودة إلى الإسلام لن تأتي إلا بتأسيس العقل من جديد والذي يتم اختطافه ليصبح على هوى رجال الدين والفقهاء.
في سياق الآراء الصادمة للثقافة والفكر السائد أكد الكاتب أن العرب حاولوا وضع مخزونهم الثقافي في قالب وإطار دينى واجب الاحترام، فلجأوا إلى الأحاديث النبوية لينشروا أفكارهم وثقافتهم وعاداتهم وتقالديهم، انتصر المخزون الثقافي البدوي على القوانين الإسلامية التي تعطلت واستبدلت بقوانين القبيلة، قانون السيف والتمرة، وصار الخليفة يحكم على غرار شيخ القبيلة وما زال علماء المسلمين يطبقون قانون القبيلة الذي يعتمد على الهوى. ويضرب مثالاً بما حدث أثناء حرب الكويت وقيام السعوديين بالإغارة على اللاجئيين الكويتيين والاستيلاء على بقايا ممتلكات، وما قاله بعض الكويتيين أنفسهم عندما كانوا يظنون أن على الصباح سيبحثون لهم عن وطن جديد.
يسأل الكاتب سؤالاً لماذا كذب الفقهاء والمفسرين، وأرجع ذلك أيضاً إلى ما يعرف بثقافة حزام الرعي وأن كتب التراث كتبت لأناس عاشوا في الجزيرة ولديهم موروثات خاصة بهم، هي لا تمثل الإسلام، ولا يعقل أن تفرض على شعوب أخرى بحجة أنها إسلامية، فليس مطلوب من مجتمع زراعي أن يرتدي الغطرة والعقال أو يأكل باليد ويضع الخيام أمام بيوتنا.
هل نحن عرب؟ سؤال أيضاً يطرحه المؤلف ويجيب عليه بأنه ليس كل مسلم عربي، وليس كل من يتحدث بالعربية هو عربي لأن اللغة ليست الجنس، كما أن هناك من العرب من يؤمنون بديانات أخرى، وأضاف عندما تأثرت مصر بالثقافة البدوية فقدت كثيراً من مقومات الشخصية المصرية نتيجة الازدواج، إن دخول العرب هو السبب الرئيسي في إضعاف الشخصية المصرية وتأخرها، هذا الازدواج يأخذ صور عديدة من أبرزها ازدواجية العلم، حيث تجد أساتذة الجامعات يتحدثون في قاعات العلم بمنهج علمي لكنهم بمجرد عودتهم إلى منازلهم نجدهم أكثر شعبوية من البسطاء، بل يمارسون الخرافة والشعوذة، وبالرغم من وجود أكثر من ثلاثين ألفاً من حملة الدكتوراه، لكن ليس فيهم مبدع إلا القليل، هم يعتمدون على النقل بينما العلم يعتمد على التجريب، ذلك بسسب الموروث الثقافي العربي.
وأيضاً نذكر الفراعنة بالكفر إرضاءً لثقافة الغزاة.
إن الحياة الثقافية في مصر تسير إلى الخلف لا إلى الأمام، وإن كانت الحياة خالية من الابتكار والإبداع، فحال المؤسسات الثقافية لا يختلف كثيراً، إنها تسير بلا هدف ولا أولويات للنهوض بالعقل المصري، لم يرث المصريون من الفتح الروماني وحتى الآن إلا التخلف، هم الغزاة ورثوا أرض خصبة فيها الخير والنماء وشعب متحضر مسالم، وسلبوا خيراته وأرادوا أن يستفيدوا من كل ما يملك، وهو ما فعله عمرو بن العاص في عام الرمادة عندما نقل خيرات مصر إلى الجزيرة على حساب المصريين، ويرى الكاتب أن النازية صفة تنطبق على العرب إلى حد كبير فإنهم عشرة بالمائة، لكنهم سيطروا على العالم منذ الفتوحات الإسلامية وفعلوا أسوأ مما فعله هتلر، ومحوا حضارات بكاملها وأماتوا لغات حية. إن محو الحضرة المصرية هو عار بكل المقايس بداية من حرق مكتبة الأسكندرية نهاية دعوة القوميين العرب إلى قيام الوحدة العربية.
وطالب الكاتب في النهاية بإعادة تعريف الذات وإيقاف عملية تعريب مصر والعقل المصري الصحافة والإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة.



عنوان المقالة «مصر بين العقل والعقال»
«قرأنا لك- إسحق إبراهيم»

«الأقباط متحدون»