|
لحظات الغروب
بقلم: شفيق بطرس
جلست على الشاطئ الفضي المعروف بأنه من أنظف وأنعم شواطئ الساحل الأمريكي المطلة على خليج المكسيك، كان الوقت يقترب من أجمل لحظات أعيشها كل يوم أو كلما أستطعت لا أفوتها، وهي لحظة الغروب. فما أجملها من لحظة! وخصوصاً لو كان الغروب على شاطئ بحر أو محيط أو خليج مثل خليج المكسيك، نسمات العصرية من أرق نسمات اليوم بأكمله وكأن الطبيعة تهمس في أذن البحر وتنفخ فيه بنسمة عاشقة كما ينفخ العاشق في أذن عشيقته مداعباً إياها بكلمات الغزل الرقيقة والحب الساخن، كأن الطبيعة تداعب البحر وتطبع قبلة وداع على جبين كل موجة تتهادى وتتراقص في سيمفونية ساحرة لا مثيل لها ولا يتجرأ أكبر رسام أو أقوى مخرج أوركيسترالي أن يجسدها، هذه اللحظات التي ولِدَت للعشاق لكي يعيشوها ويستقوا من جمالها الخلاب هذه اللحظات قد ولِدَت للشعراء لكي يستقوا منها المعاني والإبداع الشعري الرقيق، ولِدَت للرسامين لكي يغمسوا فيها فرشاتهم ويتعلمون من الخالق العظيم ومن الطبيعة الساحرة كيف يتناغم اللون الأحمر مع اللون الأزرق ويتدرج اللون البرتقالي مع اللون البنفسجي وينعكس كل وميض اللحظة الشاعرية على كل نقطة من مياه الخليج، وكأنها تحزم كل موجة بحزام بنفسجي رقيق ساحر يفعل مفعوله في كيان الموجة الرقيقة فتتجاوب وتتمايل بعذوبة ما بعدها عذوبه وتصنع مع باقي الأمواج أبدع لوحة لأبدع حفلة وداع لهذا المارد المشتعل الشمس وكأن البحر يريد أن يغسلها من كل تعب النهار ويكافئها بهذه الحفلة الساحرة نظير ما أعطت للبشر والحيوانات والطيور والنباتات وجميع المخلوقات وكل ما في المسكونة من طاقة ودفء وحرارة ونضج وحياة لجميع الكائنات وتطهير ونقاء من كل ما هو ضار، بعد كل هذا العناء، من حقك أيها المارد البرتقالي المبدع أن تغتسل من أوجاع وتعب وهموم كل النهار وتغسل معك أتعاب البشر وتغطس بها في عمق الأفق الرمادي وكأنك تقبل توبتهم وتغسل وجعهم وتجدد لهم مشاعرهم لتتولد بداخل شعراء وفنانين الكون طاقات الإبداع، وتنفتح في لحظات الوداع اليومية كل قنوات الاتصال بين أدباء ورسامين وموسيقيين وبين شيطان الوحي وسلطان الجمال والرقة والخلق والإبداع، تدمع عيون المرضى مع لحظات الوداع وكأنهم يريدون أن يودعون الألم ويغتسلون مع بنفسجية الأفق الساحرة وينقون أنفسهم العليلة والتي ترنوا إلى لحظات الشفاء، تدمع عيون هذه العجوز والتي تجلس بمفردها تنتظر هذه اللحيظات وتتذكر معها وداع حبيب قد سبق ورحل عنها، تتذكر كل ما فاتها من أيام وذكرياتها مع زوج أو عشيق أو أولاد وهي الآن جلست وحيدة مع ذكرياتها تجترها وتتابعها في عقلها وكأنها تريد لحظة لها تنتهي فيها من هذه الآلام وتودع أوجاع الذكريات ونيران الوحدة كما ودع العملاق البرتقالي يومه وأنهى رحلة سفره وغطس في أكفان رمادية تتماوج مع أمواج البحر الذي غلب عليه لون الحزن والعتمه، يمسك العاشق المحطم الفؤاد وردته التي مزقت أنامله بأشواكها ولم يجد رفيقة عمره وعشيقته وحبيبة قلبه وهي بعيدة كل البُعد عنه، وقد جلس يتابع لحيظات الغروب الساحرة ويشكو وحدته وقسوة الزمان على قلبه المحطم الوحيد، يرمي العاشق وردته القرمزية والتي فقدت بريقها وفقدت زهوتها بفقدان شمس النهار، يقذف بها لتحتضنا أمواج البحر الرمادية وتسكب لها كل مشاعر العاشق الكسير وتحكي لها قصته ومرار وحدته وحكم زمانه بالبعد عن عشيقته، تختلف الأحاسيس ويختلف رد فعل كل هؤلاء تجاه هذا الحدث الساحر والذي يتكرر كل غروب، ويقبض الحبيب على أيدي حبيبته ويهما بالرحيل إلى ليلة دافئة يتبادلا فيها الحب والحنان ليغلبهما النُعاس وتشرق عليهما الشمس من جديد لتصنع لهما أياماً وعمراً وأحداثاً تتكرر وتكون ذكريات تتفجر في مستقبلهما مع لحظات الغروب.
|