صموئيل بولس


18 سبتمبر 2005

صفحة كُتاب الأقباط متحدون

 Samuel_Boulus@deaconsamuel.net

نهاية أم بداية؟

(2)

1 – عظمة الأبوة الروحية في كنيستنا القبطية

طغت روح الأبوة الحانية على تصرفات أبي الروحي ، فور علمه بقيام أعداء الصليب بمحاصرة بيتي ، وزوجتي بداخله. وبوجود كمين على مدخل الشارع لإلقاء القبض علي وأنا عائداً للبيت. وتضاعفت أحشاء رأفاته نحوي،بعدما عاد إليه الشماس الإكليريكي ، ليخبره بأمر مغادرتي البطريركية متوجهاً إلى بيتي ، دون أن أعلم بما هو مخبؤاً لي هناك .

فأستدعى الدائرة المقربة جداً من أشقائي المكرسين، وأبلغهم ( وهو في غاية التأثر ) بخطورة موقفي ، وأوضح لهم بأن حياتي ، وسلامتي ، أصبحتا في خطر شديد .

فحزنوا كثيراً ، ووضعوا أنفسهم على أهبة الاستعداد لمساعدتي حتى لو اضطروا إلى أفتدائي بأرواحهم!!! وهذه هي الروح القبطية ، الطيبة ، الأصيلة ، الراسخة داخل نفوس العاملين بالكنيسة.وأنا هنا أتكلم عما رأيته بنفسي على مدى خس سنوات كاملة قضيتها داخل البطريركية ، تعاملت خلالها مع آباء وخدام كثيرون ، والواجب الأخلاقي يحتم علي الأعتراف بإحسان هؤلاء معي ، وخصوصاً أبي الروحي ورئيس خدمتي، والذي أنتهز هذه الفرصة لأقول له : شكراً لك يا أبونا ، وربنا يعوض تعب محبتك الكبيرة معي ، وخصوصاً في أيام محنتي التي طالت 540 يوماً.ويعوض تعب محبة بقية الآباء ، والأخوة الشمامسة الإكليريكين المكرسين ، والأخوات المكرسات  وبقية الخدام والخادمات ، لتعبهم الكبير معي طوال هذه الأيام الصعبة .

2 – الوالد الذي لم يلد !!!

ألغى أبونا كل مواعيده وارتباطاته ، ثم أعطى تعليماته لزملائي المكرسين باستبدال ملابسهم الإكليريكية بأخرى مدنية، لسهولة التحرك بدون عوائق ، وطلب منهم أن يكون على أهبة الاستعداد للذهاب إلى بيتي لتقديم المساعدة لي ، ولزوجتي ، المحاصرة داخل بيتها .

ورغم كل ما يقوله الناس عن قوة شخصية أبونا (المهيبة) ، وعن حزمه الشديد جداً ،إلا إن الرب قد شاء أن يريني الجانب الآخر من شخصيته ، وهي في غاية العذوبة والرقة ، لدرجة أنه لا يحتمل رؤية طفل يبكي ، أو شخص يتألم سواء من مرض ، أو من ظلم ، أو من اضطهاد ، أو من عوز..

بل كان لا يحتمل رؤية دموع الخطاة وهم يعترفون بخطاياهم ، فكان يواسيهم بكل حنو، ويشجعهم على التوبة ويحافظ على مشاعرهم ، وكانت علاقته بأولاده الخدام علاقة والد بأولاده، ولو حدث وتعرض أحدهم للخطر لأي سبب ، كنت تراه في غاية الحزن ، وكأن سكين اخترق قلبه الأبوي الحاني الكبير.

وكلنا ( حوالي خمسة كهنة ، وثلاثون مكرس ومكرسة ، و 500 خادم وخادمة) قد رأينا كم الحزن الذي أصابه عندما أصيب أحد أولاده الاكليريكين المكرسين بجلطة على المخ ،نتج عنها شللاً نصفياً ، وكيف أسرع بإدخاله مستشقى السلام الدولي، متحملاً كافة نفقات علاجه الباهظة ، حتى أمكن انقاذه ، وإعادة تأهيله حركياً ، وهو بنعمة الرب يواصل خدمته الآن ، وقد تزوج وأنجب أولاد وبنات ! وكان طوال فترة محط رعاية وعناية أبونا ، والذي كان يحرص على زيارته يومياً ، بالرغم من مشاغله الكثيرة والتي تبدأ منذ الصباح الباكر وتمتد حتى الساعات الأولى من فجر اليوم التالي ! فلم يكن مجرد أب راهب، بل كان شيء آخر لم أرى له مثيل ، ولا أعرف كيف أصفه لكم، وأقرب تشبيه لمحبته لاولاده الروحيين ،هو محبة السيد المسيح لتلاميذه ! لذلك أعتبر أبونا بأن هذه الضربة لم تكن موجهة لي أنا ، بقدر ما كانت موجهة له شخصياً ، لأنه أبي ، ومن يؤذي الابن فإنما يؤذي أبوه ، وأبونا هو والدي الذي لم يلدني ، هو أبي الحقيقي الذي عرفته ، والذي تمتعت بأبويته ، لأن أبي الذي أنجبني قد توفي وعمري خمسة أعوام ، ولا أذكر أي شيء عنه،بعكس أبي الروحي الذي امتزجت محبته الابوية لي ، بخلاص نفسي ، وقيادتي لحياة التوبة والبر ،والذي أتمنى أن أموت بين يديه واضعاً رأسي على صدره ، ثم يصلي على جثماني بنفسه . وكنت أتعجب كيف لراهب ناسك مثله ، شديد الزهد والنسك ، ولم ينجب حتى يختبر أبوة اللحم والدم ، رغم ذلك فيملك مثل هذا القلب الأبوي الحاني الكبير ، الذي يفوق أبوة اللحم والدم مئات المرات ؟ تخيلوا أنه كان يهتم بكل كبيرة وصغيرة، ليس في خدمتنا ، وحياتنا الروحية فقط ، بل وفي سائر أمورنا الحياتية حتى تلكم المتعلقة بأدق خصوصياتنا ، فأن مرض أحد أقاربنا بالجسد ، نراه يهتم بالأمر، ويسرع بتقديم العون لنا ، أو لو أراد أحدنا أن يتزوج ، فيلتق بالعروس ، وبأهلها ، كأي أب حقيقي، ثم يسرع بتقديم المساهمة في تكاليف الزواج ، من مسكن ، وأثاث ( لمن تطلب ظروفهم ذلك) فكان أباً حقيقياً  بكل ما تحمله الكلمة من معان ، علماً بأنه الذي أحضر لي هذه الشقة (المحاصرة الآن) ودفع المطلوب فيها ، وهو الذي أصر على تحمل تكاليف تشطيبها ، وتأثيثها ، ومن المواقف الطريفة إنني رغبت في دهانها بالبلاستيك لخفض النفقات ، لكنه أصر على دهانها بالزيت ! وعندما علم بأني أقوم بواجبي تجاه والدتي ، بثلث راتبي، عاتبني بشدة لإخفائي هذا الأمر عنه، وقرر زيادة راتبي ، وقال لي : أنا يا أبني أقدر الأم ، وأمك هي أمي . علماً بأن محبة هذا الأب الجليل لي،هي من إحدى العوامل المؤثرة وراء ثباتي في المسيح ،ومحبتي الجارفة لكنيستي ، وآباؤها وخدامها. وكنت قد التقيت بقدسه لأول مرة في عام 1988 ، ومن يومها ، وحتى الآن ، وإلى آخر يوم من عمري ، سيبقى أبي ، وولي نعمتي ، ومرشدي الروحي، وأمين ورئيس خدمتي .

4– قوة الصلاة وفاعليتها في كنيستنا القبطية

دخل أبونا الحبيب قلايته ، وأغلق الباب على نفسه ، ثم سكب ذاته في الصلاة ، متوسلاً للرب في لجاجة أن يتدخل بسرعة لإنقاذي مما هو مزمع أن يحدث لي من إيذاء خطير ، سواء من المباحث ، أو من الجماعات الإسلامية، أو من أهل زوجتي ، أو من الجيران ، أو من رعاع المنطقة.

وكان قد أعلم بالروح ، بخطورة وبشاعة ما سوف أتعرض له ( في حالة سقوطي في قبضتهم) لثلاثة اسباب:

1 - خلفياتي الماضية . 

2 - طبيعة خدمتي الحالية.

3 - جبروت أعدائي.

الأمر الذي يفسر قلقه الكبير علي في هذه اللحظات العصيبة .ولولا صلوات هذا الأب القديس من أجل سلامتي ، لكانت مزقتني الذئاب ، ونهشتني كلاب الشوارع.

ولا زلت أعيش حتى الآن بفضل الرب ، وبفضل صلوات هذا الأب الجليل من أجلي .

5– شفاعة القديسين في كنيستنا القبطية

مسألة شفاعة القديسين ، ليست مجرد مسألة نظريات وآراء ، بل هي أحداث ووقائع مدعمة بالأدلة والبراهين يشهد على صحتها المسلمين قبل المسيحيين ،رغم ذلك تنكرها بعض الطوائف المسيحية المستحدثة ،  وأنا هنا لا أتحدث عن اللاهوت المقارن ، ولا أتجادل أمام الذين يتنكرون لشفاعة القديسين ، إنما أتحدث عن وقائع محددة ، فلقد طلب أبونا شفاعات القديسة العذراء مريم أم النور،و شفاعات القديس الأنبا ابرام ( شفيع الخدمة).وبفضل الرب ، وبفضل شفاعة القديسين ، وصلاوات أبي الروحي ، تمكنا من الخروج ، زوجتي وأنا، من وسط النار سالمين ، في واحدة من الأعاجيب التي اربكت أعدائي ، وشلت تفكيرهم ، وتركتهم يأكلون أنفسهم من شدة الغيظ والحيرة ، لإفلاتي من بين أياديهم، بمثل هذه المعجزة الباهرة ، وبدون أن يصيبني أدنى إيذاء.

صحيح قد خسرت بيتي بكل محتوياته ، ولم أخرج منه إلا بملابسي التي أرتديها فقط ، لكني ربحت نفس زوجتي ، ونفسي ، إذ أخرجنا الرب من أتون النار سالمين.

6– ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد

حدث قبل مغادرتي البطريركية بدقائق ، أن جاءني شخص مقرب من قلبي ، وما أن رآني حتى قال :الحمد لله إنني وجدتك حتى أحذرك من خطر محدق بك ، فكن محترساً لنفسك !!!

فقلت له: أشكرك على محبتك ، لكن أنت تعلم بأنني منذ سلكت طريق المسيح ، وأنا أصبحت مستهدفاً،ويندر أن يمر يوم أن أتلق تهديدات،ولكنك تعلم أيضاً أنني ( بنعمة الرب) لا ألتفت لمثل هذه التهديدات.

قلت هذا ، ثم أخرجت الأنجيل من جيبي ، وقرأت أمامه من ( مت 10 : 16- 40 ) وكنت أعيد تكرار آيات معينة مثل :

+ها انا ارسلكم كغنم في وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيّات وبسطاء كالحمام..

+  ولكن احذروا من الناس..

+ وسيسلم الاخ اخاه الى الموت ...

+ ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون ان يقتلوها..

+ فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف انا ايضا به قدام ابي الذي في السموات ولكن من ينكرني قدام الناس انكره انا ايضا قدام ابي الذي في السموات ..

+ واعداء الانسان اهل بيته.

+ ومن لا ياخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني. من وجد حياته يضيعها.

ومن اضاع حياته من اجلي يجدها )..

فقال : نعم ، نعم ، أنا أعرف كل ذلك (!) ، ولكن الأمر مختلف تماماً في هذه المرة ، لأن الموضوع أصبح كبيراً، لتدخل اطراف عديدة فيه ، وكلهم يصرون على القضاء عليك ، والأخطر إن هناك خيانة من الداخل؟

7– الجرح العميق .

لا أخفي عليكم اضطرابي الشديد بمجرد سماعي لهذه الجملة الأخيرة ، لأن المسيحي مهما أختلف مع أخوه في بعض المسائل الجانبية ، إلا أنه لا يمكن أن يغدر به ، ويسلمه إلى ايدي أعداء المسيح،وإلا عد مرتداً عن المسيحية ، ومحُارباً للرب وكنيسته ، لذلك كنت استبعد تورط أي مسيحي في التأمر ضدي مع أعداء المسيح .

+ كان واضح من كلام هذا الأخ ، معرفته التامة بهذه المؤامرة، لكنه لم يخبرني بتفاصيلها حتى أخذ حذري!!!

بل وتركني أغادر الكاتدرائية متجهاً إلى بيتي بدون إبلاغي بأن بيتي محاصراً من أعداء الصليب !!!

والأعجيب من كل ذلك ، أنه أصر على مرافقتي! ، وفيما يبدوا إنه كان في صراع حاد مع ضميره ، ولربما كان يريد ان يبوح لي بما يعرفه في الطريق، لكنه لم يفعل، أما بسبب الخوف ، أما بسبب تورطه في المسألة !

+ وبمجرد أن اقتربنا من الشارع من جهة الخلف ، حتى فوجئت به وهو يعتذر لي عن مواصلة سيره معي حتى البيت (كالمعتاد) ، ثم ودعني وهو يردد قائلاً : خلي بالك من نفسك !!!

+ شكراً لك يا أخي المحبوب ! ، لكن لماذا لم تقل لي مِن َمن أخلي بالي من نفسي ؟؟؟

8– الرب يستخدم كيلو سكر لانقاذي

عجيب هو أمر ربنا معنا، حينما يتدخل لحمايتنا من المخاطر الرهيبة مستخدماً طرق بسيطة لا تخطر على قلب بشر ، فلولا نفاذ السكر من البيت لكنت سلكت طريقي اليومي المعتاد الذي يعرفه أعدائي ويكمنون لي فيه ، وما كنت أضطررت الى سلوك طريق آخر للذهاب إلى البقال ، فلقد دخلت الشارع من مؤخرته عبر طريق ضيق جداً ، وما أن دخلت الشارع ، حتى شعرت بقلبي وهو ينقبض ، فلا صوت ولا حركة ! وكأن الشارع تحول إلى مقبرة ! ووزاد من حيرتي عندما وصلت للبيت فوجدت البلكون مغلقة ، وكذلك النافذة ، وهذا أمر لا يحدث بسبب شدة الحر ، صعدت دركات المنزل وأنا متوجساً ، وضغطت على جرس البالب ،فجاء صوت زوجتي من الداخل خافتاً مرتعباً :أنت مين ؟

فقلت لها : افتحي يا مريم أنا صموئيل !

ففتحت ، وعانقتني ، وهي تبكي ، ثم قالت لي وهي في غاية الهلع والارتباك :

يالا نمشي من هنا بسرعة ، أبونا مستنيك ، ومفيش وقت ، وفي الطريق سوف أحكي لك كل شيء !!!

فقلت لها : اهدئي وقولي لي إيه الحكاية ؟

فقالت بعصبية: أرجوك ، مفيش وقت ، البوليس ، والجماعات، وأهلي ، محاصرين البيت من الجهة الأمامية !!!

9 – الثبات في الازمات

العجيب أنه بالرغم من سماعي هذه المفاجأة القنبلة ، إلا أنني لم اهتز، ولم أضطرب ، بل قلت لها بثبات:

أنا مش منقول من هنا !

وإن عشت فللرب أعيش ، وإن مت فاللرب أموت !!

فقالت لي : أبوس رجليك أسمع الكلام ، وبلاش عناد ، أنا عارفة إنك راجل ومبتخافش من حد ، ونفسك تموت شهيد ، لكن بلاش تخالف أوامر أبونا ، فأنا اتصلت به وهو طلب مني أبلاغك بالرجوع إليه فوراً .

قالت هذا ، ثم  سحبتني من يدي الى الشقة الملاصقة لشقتنا ، وتطل على الشارع  من الجهة الأمامية ، وتعلو موضع الكمين مباشرة ، فرأيت كل شيء بعيني ، وبدأت أدرك أبعاد المؤامرة .. ولكني عدت الى شقتي وطلبت من زوجتي أن تذهب إلى البطريركية ، وتتركني لمواجهة الاستشهاد ، لكنها رفضت وقالت : سوف أبقى ، ولكن لو تعرضت (للبهدلة) منهم ، فستكون أنت السبب ، ولو أنت مت ، فسوف تموت كاسراً وصية طاعة الكنيسة ، وأنت عارف مصير كل واحد بيخالف طاعة أبونا !!!

10– الطاعة أفضل من تقديم ذبيحة

فقلت لها هل أنت متأكدة إن أبونا طلب منك إخباري بأن أرجع إليه ؟

فقالت : صدقني هو دا اللي حصل ، وانا مش بقول كده علشان خايفة عليك ، ومستعدة لأقسم لك على الإنجيل ! فلانت صلابتي ، وعاد إلي صوابي وحكمتي ، وتذكرت أحاديثي الطويلة معها ، ومع كل الناس ، عن وجوب طاعة الآباء الروحيين تنفيذاً لوصية الكتاب : ( اطيعوا مرشديكم واخضعوا لانهم يسهرون لاجل نفوسكم كانهم سوف يعطون حسابا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا آنين لان هذا غير نافع لكم ) [ عب 13 : 17 ].

ودار بي شريط الذكريات ، فتذكرت أول أب روحي التصقت به بعد إيماني بالمسيح مباشرة ، وهو أ بي الروحي المتنيح القديس القس ( بولس شاكر) راعي كنيسة العذراء بالدقي، وكيف منعني من الذهاب إلى ساحة الاستشهاد التي أقامها رؤسائي المشايخ في منطقة المقطم ، فور علمهم بارتدادي عن الإسلام ، في شهر يونيو 1987، وكان اليوم المحدد لقتلي هو يوم أربعاء أيضاً ! ( أنظر كتاب : كان ميتاً فعاش ) فقلت لزوجتي : أنا موافق على مغادرة البيت ، لكن لابد أن أفتح درج المكتب وأخذ منه جميع الاوراق الكنسية ..

فقالت لي : ليس هناك وقت ، ولربما يأتون بعد لحظات لاقتحام الشقة ؟

والعجيب إن هذا هو ما حدث بالتمام !!!

11– لعبة ساذجة

فيما يبدوا إن (العيون الخائنة البصاصة) كانت قد أبلغت " الكمين" بأنني قد عرفت بأمره ، وإن الكنيسة صار لها علماً بالموضوع ، وإن الأمر يحتاج لخدعة حتى يمكن اصطيادي ، فأصدر الأشرار أوامرهم للكمين بالتظاهر بالتراجع والانسحاب من الموقع لمدة عشر دقائق ، ثم العودة مرة أخرى والاتجاه إلى بيتي مباشرة لاقتحامه بالقوة.

وهي الفترة التي استخدمها الرب لمغادرتنا المنطقة بأسرها ، والتوجه مسرعين إلى البطريركية !!! وما هي إلا دقائق معدودات حتى انقضوا على بيتي..

ويقول أحد الآباء الكهنة، وكان يشاهد ما يحدث من مكان قريب جداً :

( اقتحموا البيت بعد خروجكم منه بعدة دقائق ، وفقدوا صوابهم لعدم عثورهم عليكم بداخله ، وظلوا لمدة 15 يوم يأتون إلى البيت ثلاث مرات يومياً ، وعرف الكثيرين من أهل المنطقة بحقيقة أمركم )!!! وهكذا انتشر الخبر في المنطقة ، وسط غيظ السكان المسلمين ، الذين قالوا :

بقى القسيس اللي كان عايش بيننا ، كان في الحقيقة شيخ مسلم مرتد عن الإسلام ، وإحنا مكناش عارفين ؟!

12– من العباءة والطاقية والمسبحة

إلى الروب الاكليريكي والصلبيب والإنجيل !!!!

وصلنا إلى البطريركية في حوالي العاشرة مساءاً ، وكان أبونا واقفاً وحوله اشقائي المكرسين ، ومعه اب كاهن آخر من أولاده الروحيين، وهو كان زميل لنا في الخدمة قبل سيامته للكهنوت ، وكنيسته تقع بإحدي المحافظات البعيدة ، وأتفق أنه كان في زيارة لأبونا في هذا اليوم ، فرى أبونا بحكمته الكبيرة ، أن يستبقيه لديه لربما يحتاج إلى مساعدته في أمر انقاذي ..فلما رآني أبونا ، ترك كل من حوله وأسرع نحوي ، معانقاً إياي بكل محبة أبوية ، وهو يقول لي بفرح: حمد لله على سلامتك يا ابني ، أنت خرجت من وسط النار بمعجزة كبيرة ، العذراء والانبا ابرام عملوا معاك معجزة .

وبالرغم من محبتي الجارفة لأبونا ، إلا إن هذا الموقف الأبوي المؤثر، قد ضاعف من مكانته في قلبي ، وخصوصاً بعدما رأيت المسيح فيه.

وقد أبكاني أكثر عندما أخذني من يدي وألبسني الثوب الإكليريكي المقدس ، وعلق صليب كبير على صدري ، واعطاني كتاب مقدس . وقال لي :

سوف تهرب خارج القاهرة ، وستبقي هناك حتى استدعيك بعد أن تهدأ الأمور وأعرف بنفسي تفاصيل ما حدث وسوف تذهب مع أبونا (....) وهتكون هناك في أمان .

13 – فرحتي بالصليب أنستني آلامه !!!!

نسيت نفسي ، ونسيت أنني فقدت بيتي ، وصرت مطارداً ، وتجمدت خدمتي ، ونسيت كل شيء تقريباً ، أمام فرحتي الكبيرة بهيئتي الكنسية الرسمية ،علماً بأنها المرة الثانية التي أرتدي فيها الزي الاكليريكي،فلقد حدث أن ألبسني إياه أبونا عندما قرر اختياري ضمن وفد الشمامسة الاكليريكين الذين عهد إليهم باستقبال سيدنا قداسة البابا في الكاتدرائية ، بعد عودته من إحدي رحلاته الرعوية الطويلة بالخارج ، وكان ذلك تكريماً كبيراً من الكنيسة لضعفي ، ومن الطريف أن أب اعترافي القمص (م.ص) كان قد جاء للمقر البابوي ضمن الاباء الوافدون من ايبارشية الجيزه لتهنئة سيدنا على سلامة الوصول ، فلما رآني وأنا بهذا الزي ، عانقني بفرح كبير ثم داعبني قائلاً :  إيه يا واد الحلاوة دي ؟

دا الروب لايق عليك خالص !!! ، هي الكنيسة خلاص نويت تعملك قسيس ، ولا إيه الحكاية بالضبط  ؟!!!

فبكيت ، وقلت لقدسه : العفو يا أبونا ، دا أنا هنا مجرد خدام وزبال !!!!

وعندما قامت وسائل الإعلام بتصوير وفد الكلية الاكليريكية ، اسرعت باخفاء وجهي ، حتى لا اظهر في الصورة ، واتسبب في مشاكل للكنيسة.  و ظلت مرتدياً الروب حوالي ثماني ساعات فقط ، وبعدها خلعته .

14 – بما إن الله هو أبي ، فالكنيسة هي أمي !!!

لكن هذه المرة ، فلها مذاقها الخاص ، لأنها كانت بمثابة اعتراف كنسي رسمي بأنني من أحد رجالها ، فضلاً على إنني سوف ارتديه شهر كامل! ، وسوف اتنقل به في الشوارع والطرقات بشكل علني ، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ الكنيسة الحديث.

ويقال إن كل ما فعلته معي الكنيسة من محبة ومراحم وتشجيع وتكريم ، كان استثناءاً فريداً جداً من نوعه ، وكان كل ذلك بإيعاز من السيد الرب الكريم الذي شاء – من فرط تواضعه – أن يجعل كنيسته تكرمني في إشارة واضحة المعالم للآخرين مفادها ، أنه قد أحبني ، وقبلني ، ومحا عاري ، ورد اعتباري .

وقد فعل ذلك كأب حنون ، لأنه آبانا السماوي ، وبما أن الله هو أبي ، فالكنيسة هي أمي . نعم أمي التي ولدتني في جرن المعمودية ، وارضعتني حليب الإيمان ، وحمتني من بطش الطغاة.أمي التي عشت في أحضانها الأمينة منذ عودتي من مكة في 1987، حتى مغادرتي مصر عام 1993 .

كل شبر فيكِ يا كنيستي بيشهد إنك أم حنون ، أم تبذل نفسها من أجل حماية أولادها ، لولا حمايتك لي يا أمي لكانت أكلتني كلاب الشوارع .

15 – باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته .

نظرت إلى هيئتي وأنا بالزي المقدس ، والصليب يتدلى الى صدري ،فهتفت في أعماقي:

عجيبة جداً هي أعمالك يا رب ، عجيب أنت في محبتك وعطفك بالخطاة والمنبوذين ، أنت وحدك يا رب الذي تستطيع أن تقيم المسكين من التراب ، وترفع البائس من المزبله ، لتجلسه مع روؤساء شعبك ..أنت وحدك يا رب الذي تستطيع أن تجمع :اللصوص ، والزناة ، والمجدفين ، والمقاومين ..من الطرقات ، والشوارع ، والجوامع ، وأزقات الموت.. لتصنع بهم  عجائبك .المجد لك يا رب ، يا من جعلت من الشيخ محمد ، المكرس صموئيل .. ويا من استبدلت عباءته الشيطانية ، بزي الكهنوت المقدس!!! شيء عجيب جداً يا اخوة ، ويجعلنا نهتف من أعماق قلوبنا ، قائلين : ما أحن قلبك يا رب ؟ أنني أبكي الآن بشدة ، وأنا أستعيد هذه الذكريات المباركة ، وأقول لنفسي :باركي الرب يا نفسي ولا تنسي كل احساناته. وأقول للرب : سامحني يا رب على كل ضعف وعلى كل خطية وعلى كل هفوة .

وادعو الجميع ليتأملوا في مراحم إلهنا القدوس مع النفوس الجريحة والمتألمة .

16 - رحلة الهروب

+ بقينا عدة ساعات حتى رتب أبونا كل شيء في سرية تامة ، وأهتم بأن تك