أ. صموئيل بولس


  24 مارس 2005

صفحة كُتاب الأقباط متحدون

 Samuel_Boulus@deaconsamuel.net

اجابه يسوع ان كنت قد تكلمت رديّا فاشهد على الردي وان حسنا فلماذا تضربني " ( يو 18 : 23 )

لماذا تلطمني؟؟؟

يظن البعض إن المسيحية تدعو إلى الذل والخنوع والاستسلام بحجج الغفران والتسامح ومحبة الأعداء .. الخ

ومن هذا المنطلق ، فهم دائماً ما يعاتبونني قائلين : أنت عنيفاً جداً أمام الأعداء!!!  بل ووصل الأمر ببعضهم إلى حد اتهامي بتأثري الشديد بالدين الذي كنت أتبعه في الماضي !!!

يقولون ذلك رغم إنني لم أشهر سلاح في وجه إنسان منذ إيماني بالمسيح من 18 سنة وحتى اليوم . كل ما فعلته هو اعتراضي السلمي وقولي للظالم : لماذا تضربني .

فهم يظنون إن الوداعة تعني الجبن ، وإن محبة الأعداء تعني عدم الاعتراض على ظلمهم !!! ولا أعرف ماذا سيكون موقف هؤلاء لو هاجمهم لصوص يبغون الاستيلاء  على أموالهم وشقاء عمرهم ؟ أو ماذا سيفعلون لو شاهدوا أحدهم وهو يحاول اختطاف طفل من أطفالهم ؟أغلب الظن أنهم سوف يدافعون عن أموالهم وأطفالهم ، لكن عندما يتعرض الأمر بالدفاع عن اسم الرب وعن كنيسته وشعبه ، تتغير المسألة فوراً ، وةسمع  سيل من المواعظ  عن محبة الاعداء والغفران ... الخ

لقد بدأت حياتي مع المسيح وأنا في غاية الانكسار والوداعة ، دموعي لا تفارقني ندماً عما أضعته من عمري بعيداً عن الحق ، وأمضيت سنة كاملة داخل أحد الأديرة في البرية ، وأنا أهيل التراب على رأسي آسفاً لتجديفي في حق الرب . وبعد مضي 18 شهراً من إيماني ، حدث أن دعاني الرب لأكون رجلاً ، فتم تكريسي لخدمة الحالات الخاصة ، وما أدراك ما هي الحالات الخاصة ؟!

إنها ببساطة شديدة جداً تشمل الفئات الصعبة التالية :

1 - رعاية المتألمين من أجل الإيمان .

2 –  رعاية آسر المرتدين وحمايتهم من الارتداد .

3 - تقديم الإرشاد الروحي لحالات الارتداد ، والشروع فيه .

4 – استقبال و تثبيت حالات العودة للإيمان والعمل على إعادة تأهيلها ومعالجة مشاكلها المترتبة على ارتدادها .

4 – استقبال الراغبين في اعتناق المسيحية لفرزهم وتعليمهم وتهيئتهم لقبول المعمودية .

5 – تقديم الرعاية الروحية والاجتماعية ، للمسجلين خطر جنائياً ، والجانحين ، بهدف قيادتهم إلى التوبة.

 

وهي نوع من الخدمات الشائكة التي لا يصلح ا لقيام بها إلا الرجال الذين هم بالحقيقة رجال.

وبكل اتضاع ومحبة أقول : إنني أول شخص يتم تكريسه ( تكريس كامل ) لهذه النوعية من الخدمات عام 1988 ، وأول شخص يدخل مفهوم ( الخدمة بإيمان ورجولة ) لهذه الخدمة .

وقد ساعدني على ذلك استعدادي التام للموت أو للاعتقال في سبيل الدفاع عن الكنيسة ورعاياها ، وفعلت ذلك رغم إنني لست قسا ولا حتى مجرد شماس صغير ، رغم ذلك دربت الكثيرين على القيام بهذه الخدمة ، ولي عظيم الشرف إن يكون الأب القمص المسئول الآن على إدراتها ، هو من تلاميذي وكان يخدم معي منذ كان طالباً في الإكليريكية !!!

وكبار الخادمات المتخصصات لخدمة الفتيات هن من تلميذاتي وكن يخدمن معي منذ 17 سنة مضت ولا يزلن في الخدمة .

+ بدأت هذه الخدمة بوداعة ودموع وانسكاب في الصلاة ، إلا إن الاعتداءات التي كان يتعرض لها  بعض شعبنا ، دفعني دفعاً لكي أحتج على المعتدي ، طارحاً عليه هذا السؤال الاعتراضي  القديم المتجدد : لماذا تلطمني؟

والحقه بأسئلة أخرى :

لماذا تهين كنيستي ؟

لماذا تذل شعبي؟

لماذا تستعبده في أرضه ؟

وأظل أطرح عليه هذه الاسئلة الاستنكارية ، حتى اختتم قائلاً له:

لا يحق لك أن ترتكب كل هذا الظلم ضد شعبي ، وأسوف أتكلم ، ولن اسكت ما دمت حياً ، لأننا أما أن نعيش أحراراًُ ، أما أن نموت في سبيل سعينا لنيل حريتنا.

وأنا هنا أتحدث معكم عن عالم آخر لا تعرفونه ، وشاء الرب أن أعرفه ، وأغوص فيه حتى أعماقه ، فرأيت مدى المظالم التي تتعرض لها الكنيسة والعاملين فيها والرعية .

ورأيت بعيني كل ما هو غير متاح رؤيته للكثيرين ، بما فيهم رجالات الكنيسة أنفسهم ، لاستحالة تمكنهم من الوقوف على أبواب مديريات الأمن ، و لجنة الفتوى بالأزهر ، و الشهر العقاري ، والسجلات المدنية ، وأقسام البوليس ، و الخمارات ، والمقاهي ، ودور السينما ، وأوكار الجماعات الإسلامية الإرهابية ، وسائر الأماكن التي قد يتواجد فيها:

1 – المرتدون.

2 - الشارعون في الارتداد.

3 -  الفتيات المختطفات عنوة .

4 – الفتيات المغرر بهن .

5-  الفتيات والسيدات المرتدات فعلياً لكنهن ندمن ويرغبن في التوبة ولكن لا يستطعن الهرب .

6- الأطفال القصر ( الذين يتم اختطافهم لضمهم للإسلام بحجة اعتناق أحد والديهم للإسلام ).

وقد لا يخطر على بالكم  إمكانية تواجد بعض هؤلاء  داخل مناطق خطرة مثل " مدافن الشافعي " و " باب النصر " الخ ذهبت إلى كل هذه الأماكن ، وأماكن أخرى لا تخطر على بال أحد ، كتلك المنطقة الجبلية المخيفة (....) لإعادة عائلة  شاردة عن الحظيرة مقابل الحصول على منزل متواضع ، وكانت مكونة من 11 فرداً ( منهم ثلاثة أطفال ).

أو السفر إلى " القرية السادسة " ، بمركز العدوه ، محافظة المنيا ، حيث كان هناك صبياً  مختطفاً عمره لا يزيد عن 15 سنة ، ويحيط به 37 رجلاً مسلحاً بالبنادق والسيوف والسواطير .

بل وذهبت إلى العديد من أوكار الجماعات الإسلامية الإرهابية ..كل هذا بحثاً عن فتاة مختطفة لتحريرها من خاطفيها ، أو مرتدٍ لإعادته إلى الحظيرة ، أو مرتدة مغرر بها لانقاذها .

أو أطفال صغار تم انتزاعهم من بين أحضان امهاتهم .

+ وعلى الجانب الآخر من حالات الارتداد وتوابعها ، وأعني جانب المتألمين من أجل الإيمان ، فلقد رأيت دموع المظلومين  وسمعت صراخ المعذبين ، وألتقيت بالعديد من الاقباط الذين اعتقلوا ظلماً من أجل هويتهم المسيحية ، ورفضهم انكار المسيح ، منهم بائع الفراخ الشهير بحي إمبابة ، والذي طلبت منه الجماعة الإسلامية بإنزال صورة المسيح من على جدران الحائط الداخلي لدكانه ، فلما رفض ، قاموا بمهاجمته بعد صلاة الجمعة ، وأنزلوا صورة المسيح وداسوا عليها بأقدامهم ، فجن جنون الشاب القبطي وأشتبك معهم ، وكانوا نحو خمسين متطرفاً إرهابياً ، فضربوه ، وأحرقوا دكانه ، وهاجموا بيته وألقوا الأثاث في الشارع ، ثم أحرقوه ، وعاثوا في المنطقة فساداً ، واعتدوا على الأقباط  فيما عرف بأحداث اعتداءات امبابة .

وأما بائع الفراخ المسكين ، فلقد قامت الدولة الظالمة باعتقاله بدون ذنب لمدة سنة كاملة !!!

وعندما أخرجوه من المعتقل جعلوه يوقع على تعهد بعدم الاقتراب ليس من بيته ، ولا من منطقة امبابة فحسب ، بل من محافظة الجيزه نفسها !!!

ورأيت هذا البطل القبطي بعد خروجه من المعتقل بثلاثة أيام ، رأيته وهو يفترش الأرض مع زوجته واطفاله ، وسط أكوام الزباله ، بمنطقة الزبالين بالمقطم !!!

كما التقيت بالمطرودين من أعمالهم ، لا لجرم ارتكبوه ، بل لرفضهم خيانة المسيح واتباع دين الدولة .

والتقيت بالذين لفقت ضدهم الاتهامات الباطلة ، من عينة ( تبشير المسلمين وتعكير السلام الاجتماعي واثارة الفتنة الطائفية وازدراء دين الدولة ) إلى آخر هذه الاتهامات الباطلة السخيفة التي يفصلها ضباط مباحث أمن الدولة ، سواء في لاظوغلي ، أو في فرع ابن حيان بالدقي .كما التقيت بالهاربات من جماعات العنف والتطرف ، وملاحقات الشرطة ..

كل هذا جعلني أصرح متسائلاً :

أي بلد هذا هذا الذي نعيش فيه ؟

رأيت السعوديين والأفغان والصومالين والشيشانيين أكثر رحمة واعتدالاً من قسم كبير من هذا الشعب الحقود المتطرف ، الذي صار متحفزاً ضدنا بشكل كريه .

هل ذكرت الشعب ؟

نعم ، وأكررها بضمير مرتاح ، فموجة الكراهية الموجهة للاقباط لم تعد مقتصرة على الحكومة والإخوان والجماعات ، بل وشملت الغالبية العظمى من مسلمي الوطن ، فالشارع المصري بات محتقناً ضدنا ، حتى بائع البطاطا ، لو التقى بطبيب أو مهندس قبطي يقول له :  ربنا يهديك للإسلام !؟

ما كل هذا السخف الذي حل بالمصريين المسلمين حكومة وصحافة وشعب ؟

أنه السخف عينه الذي خرب مصر وجعلها تعود إلى العصور الوسطى . ونظرة عابرة إلى ما تكتبه الصحف المصرية ، وما تبثه وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ، وما يقال في خطب الجمعة  وما تسمعه من رجل الشارع ، يؤكدون مدى التدهور الذي أصاب الوطن بعدما اختطفه دعاة الإسلام السياسي ، وعصابات اللصوص .

فأطلقتُ صرخة احتجاج شقت جدارن الصمت . لم أكن أملك أي شيء سوى إيماني برب العدل .

+ استلمت هذه الخدمة الجبارة وأنا في الثامنة والعشرين من عمري ، وكنت مفعماً بالحيوية والنشاط ، أخرج من بيتي في التاسعة صباحاً ، ولا أعود إليه إلا بعد منتصف الليل ، وكثيراً ما كنت أقضي الليل كله خارج البيت .

نصحني البعض بالصمت تحت اسماء براقة ، مثل ( الحكمة) و ( المسالمة ) و ( محبة الأعداء )

كان جوابي عليهم : وهل من الحكمة والمسالمة والمحبة أن أترك أمي وأختي وطفلي وطفلتي وأبي واخي ، بين  انياب الذئاب ؟ كان واجبي أمام الله ، والكنيسة ، وأمام ضميري المسيحي ، وأمام الرعية المسكينة ، يحتم علي الذهاب إلى أوكار الذئاب لتحرير الحملان من بين أنيابها  ، فخضت – بمفردي - معارك الصليب ضد السيف .

كانوا مسلحين بكافة الأسلحة السوداء والبيضاء ، وأما أنا فلم يكن معي أي سلاح مادي على الإطلاق ، لم يكن معي سوى إيماني العميق  بذاك القائل:

1  ( اما انت فنطّق حقويك وقم وكلمهم بكل ما آمرك به. لا ترتع من وجوههم لئلا اريعك امامهم؟؟؟) [ ار  1 : 17 ].

2- (  تشجعوا . أنا هو . لا تخافوا ) [  مت 14 : 27 ].

3- (كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق.  ولكن ثقو. انا قد غلبت العالم) [ يو 16 : 33 ].

 

ولإيماني بعدالة القضية التي أقاتل من أجل نصرتها .

وكانت المعضلة المستعصية هي إنني أنا نفسي كنت  مطارداً من الدولة والجماعات ، لأسباب قديمة لا داع لذكرها ههنا لعدم مؤامة المكان ، ولأن أغلبكم يعرفها  .

وجاءت خدمتي في هذا المجال الشائك الحساس ، لتضيف أسباباً آخرى تضاعف من شدة هذه المطاردات ، وتعطيعها زخماً مثيراً ، لأنها تمثل قمة التحدي لسلاطين الظلمة .

وبدأت الناس ترى ذلك فتتعجب وتتسائل : هل هناك أقباط لديهم مثل هذه الشجاعة !؟

مساكبن لأنهم لا يعرفون شيئاً عن تاريخنا وكفاحنا ضد الظلم ، وكيف واجه آباؤنا – بالإيمان - أعظم قوة عسكرية ظهرت في التاريخ ، لا يعرفون أننا أحفاد الشهداء .

لم يروا منا إلا هذا الجانب السلبي الذي ظغي علينا في السنوات الماضية بسبب الخوف وضعف الإيمان ، لم يعتادوا على رؤية خادم قبطي يقف أمام شيخ إرهابي متطرف ليقول له : لن أسمح لك باختطاف أختي ، أو اختطاف طفلي ، بحجة إن أباه انضم إليكم .

+ بذلت كل جهدي في ضبط أعصابي ،  ومضت علي حوالي سنة دون أن أشتبك بالأيدي مع أي مقاوم ، أو اشتم أي مفتري ، حتى هاجمني شاب من الجماعات الإسلامية المتطرفة أثناء سيري في الشارع بالقرب من البطركخانة القديمة ، فتصديت له ، وجرى من أمامي ، فجريت خلفه وأنا أقول له :  لو انت راجل أقف يا ابن ......؟

ماذا قلت ؟!

لقد شتمتَ يا خادم الكنيسة !؟

لقد تشاجرت يا رجل الله !؟

يا ويلك من محاسبة أبيك الروحي !!!

ذهبت إليه منكسراً ، قلت له بخجل : غصباً عني يا أبونا ...

أبونا : أنت أعصابك تعبت من كثرة مشاكل الخدمة ، ويلزمك خلوة روحية  15 يوم في الدير !!!

+ رجعت من الدير أكثر هدوءاً ، لكن لم يمض سوى ثلاث شهور ، حتى أعترض طريقي ولدان من الجماعات اياها ، وكانت معي فتاة شرعت في الارتداد وأمكن الوصول إليها لإرشادها ، فقبلت الإرشاد وأبدت ندمها وأعلنت عن رغبتها في التوبة والرجوع للمسيح ، لكن الولدين حاولا أن يأخذانها مني بالقوة ، فأعطيت حقيبة أوراقي للفتاة ، وطلبت منها أن تستقل تاكسياً و تسبقني إلى مكتبي بالكنيسة ، وتشاجرت معهما مشاجرة شوارع !!!

 ماذا قلت ؟ مشاجرة شوارع ؟! نعم مشاجرة شوارع .

ويا ويلك يا صموئيل ؟

ثلاثة أسابيع تأديب في الدير !!!

رجعت من الدير الصحرواي وأنا أكثر هدوءاً !!!

سألت أبي الروحي : ما هو موقف المسيحية من شرعية الدفاع عن النفس ؟!

نظر إليّ نظرة متفحصة ، لكنه لم يعطيني جواباً !!!

كيف يمكن للحمل أن يعيش وسط الذئاب ؟ وماذا يملك الحمل من أدوات يدافع بها عن نفسه ؟

يا رب أنا عاوز أعرف كيف أدافع عن طفلي أمام عدو مسلح يريد اختطافه مني ؟

أمضيت عدة شهور وأنا أقبل الأحذية وأدفع الأتاوات وأطأطي رأسي حتى أصل إلى الخروف الشريد ..

فوجدت إن هذا الأسلوب يطمع فيّ أعدائي ، فلم أجد مناصاً من التصرف بحسب الوضع ، وأبعد الكنيسة تماماً عن هذا الأمر ! حتى وقعت الواقعة ، وما أدارك ما الواقعة ! إنها مشاجرة داخل البطريركية نفسها !!!

إذ فوجئت بأحدهم وهو يغازل خادمة داخل الكاتدرائية !!! ، فوبخته ، لكنه تمادى في قبحه ، فضربته قلمين !!

فجن جنونه ، وراح يهددني بالحكومة ، وأمن الدولة ، ويقول لي أنت فاكر نفسك مين ؟ طايح في الناس ولا حد يهمك ولا حد قادر يلمك ! أمن الدولة هي اللي هتلمك !!! وما أن سمعت أمن الدولة حتى تذكرت مآسي الأمهات والأطفال وسائر الأبرياء ( فجاءتني الحالة!) فهجمت عليه رغم أنه كان كالفحل ، وتدخل الخدام وأبعدوني عنه ، ولكني كنت قد فقدت زمام أعصابي ، ووقعت في المحظور و شتمت حكومته كلها ، من الغفير ، إلى ....؟!

* يا ويلك يا سواد ليلك يا صموئيل !!

* ضعت يا صموئيل واللي كان كان !!

هكذا كنت أسمع التعليقات .

الرجل أخذ " الأربع صفعات " ومعاهم " الشلوط " و " البوكسيين " وجرى من أمامي وهو يتوعدني بأنه ذاهب للتبليغ عني ، وبعد عشر دقائق وجدته عائداً ومعه ضابط شرطة للقبض علي من داخل الكاتدرائية !!!

+ اقترب مني الضابط والشرر يتطاير من عينيه، ثم هم بإلقاء القبض علي ، لكني دفعته للوراء ، فتجنن أكثر ، وعاود المحاولة ، فأمسكت في خناقه !!!  وكدت أن ألكمه في وجهه لولا إسراع زملائي الشمامسة الإكلريكيين بإبعادي عنه . وكادت أن تحدث كارثة كبيرة ، لولا تدخل المسيح ، إذ جعل صوت المشاجرة يصل إلى مسامع أبي الروحي وهو داخل قلايته ، فففتح الباب مستفسراً عن الضجيج ، فقيل له هناك ضابط شرطة يريد القاء القبض على صموئيل ! فأسرع أبونا إلى مكان المشاجرة ، وأمرني بدخول غرفتي ، وعدم الخروج منها لأي سبب .

ثم قال للضابط : هي حصلت حتى تتجرأ وتدخل الكاتدرائية لتقبض على خادم مكرس من أولادي ؟!

وارتبك الضابط لمخالفته التعليمات التي تحظر اقتحام الأمن لحرم البطريركية لإلقاء القبض على رجل دين ، وأمره أبونا بمغادرة المكان بعدما طلب منه إرسال رئيسه ، فخرج الضابط ولم يعد .

أما أنا فأخذت "حبس" داخل غرفة استراحة الخدام ، ولم أخرج من محبسي إلا بناء على  استدعاء من أحد الآباء الأساقفة الموقرين من سكرتارية سيدنا قداسة البابا !!!

يا ويلك يا صموئيل !!!

وقفت أمام سيدنا الأسقف وأنا في غاية الخجل والعرق كان يتصبب مني من شدة الخوف لأنها المرة الأولى التي أدخل فيها المقر البابوي وأقف وجهاً لوجه أمام أحد أحبار الكنيسة :

أنت إيه اللي بتعمله دا يا أستاذ !؟ هكذا قال سيدنا 

- فقلت مرتبكاً : أصل الحكاية يا سيدنا أن ...

سيدنا : لا حكاية ولا رواية ، أنت لازم تعرف أن خادم المسيح لا يشتم ولا يتشاجر ..

-          أصل يا سيدنا ..

-          لا أصل ولا فصل ! أتفضل ارجع الى مكتبك ، ولا تكرر هذا الأمر ثانياً !

حاضر يا سيدنا .

وغادرت المقر مذعوراً !!!!

والناس تعجبت ، كيف لصموئيل الجسور يتحول إلى طفل وديع أمام آباء الكنيسة ؟

أنهم لا يعرفون المعادلة :

قل لمن يدعي عظيما          إن  رب القبط اعظمُ

 كل قبطي وديع                 انما في الحق ضيغمُ

لم تمضي على هذه الحادثة سوى أسبوعين فقط ، حتى وجدت نفسي واقفاً للمرة الثانية امام نفس الأب نيافة الأسقف!!!

فلقد جاءتني سيدة تدعي الفقر أمامي ، وقالت لي إنها كادت أن تنحرف بسبب احتياجها للخبز !، فرق قلبي ، وصرفت لها  مساعدة فورية حتى أدرس حالتها ميدانياً لمعرفة مدى احتياجاتها ، ولكنها ضللتني كثيراًَ باعطائي بيانات غير صحيحة ، مما أطال فترة اعداد التقرير ، فخشيت عليها لتنحرف فسمحت لها بالحصول على شهرية مؤقتة ، لحين جمع بقية المعلومات ، وبعد كثير من التحري اكتشفت امتلاكها مصنعا للخمور !! ومنزلاً ! وكميات كبيرة من المصوغات الذهبية ! فعاتبتها برفق وقلت لها إن أموال المسيح مخصصة للناس الغلابة ، ونصحتها بالكف عن النصب .

لكنها تجاسرت علي وهددتني بإبلاغ مباحث أمن الدولة لو شطبت أسمها من كشوف المساعدات !!!

وتعجبت من حكاية أمن الدولة دي ؟ فكل من هب ودب يهددني بها ، وكأني تاجر مخدرات أو رئيس عصابة ، ولبيس مجرد خادم مسيحي جل ذنبه أنه يخدم في الحالات الخاصة ، وأنه كان ذات يومٍ شيخاً في الجامع !!!

فقلت لها : عيب يا أختي لما تهدديني بأعداء الصليب ..

فقالت لي : بلا أعداء بلا بتاع ! أنت هاتديني فلوس ولا أروح وأبلغ عنك ؟

( فجاءتني الحالة إياها ! ) لكنها واحدة ست ؟ فأكتفيت بطردها من مكتبي .

فذهبت لقوة شرطة البوابة الخارجية ، وهمت بالإبلاغ عني ، ولكن لمحها أحد الخدام فأخذها وطيب خاطرها وأدخلها المقر البابوي ، والتقت بسيدنا الأسقف وقالت له الاستاذ صموئيل شطبني من كشوف الشهريات وضربني وشتمني وطردني من بيت ربنا ، وأنا  غلبانة وصاحبة عيال ومش عارفة أروح فين ، يعني عاوزيني أروح الجامع ؟

وتأثر سيدنا الأسقف بدموعها وأمر باستدعائي على الفور .

جالك الموت يا تارك الصلاة .. هكذا علق أحد الزملاء !

سيدنا : هو أنت تاني !؟ أنت إزاي يا أستاذ يا محترم تمنع  الشهرية على واحدة ست غلبانة ؟ وإزاي تتجرأ وتضربها وتشتمها وتطردها من داخل البطريركية ؟ أنت محدش مالي عينيك ولا إيه ؟ أنت إيه حكايتك بالضبط ؟!

-          حكايتي يا سيدنا إني بحافظ على مال الكنيسة !!!

-          مش فاهم ؟.

-          الست دي مش فقيرة ومش محتاجة ولا صاحبة عيال ولا حاجة ، دي عندها مصنع للخمور المغشوشه ومنزلاً وذهب يزيد ثمنه عن خمسة آلاف جنيه ، فكيف أعطيها شهرية ، فضلاً على إنني لم أضربها ولم أشتمها ، بل طردتها بعدما رفضت هي توسلي لها بالكف عن النصب على الكنيسة ، وبدلاً من أن تخجل من نفسها فوجئت بها تحاول ابتزازي وتهددتني بمباحث أمن الدولة.

-          أنت أسمك إيه قلت لي ؟!

-          اسمي صموئيل بولس عبد المسيح !؟

-          طيب أسمع يا صموئيل ، أنت فعلاً بتحب المسيح والكنيسة وبتدافع عن الحق من كل قلبك ، وكل دا حلو ومطلوب وإحنا نشكرك عليه ، لكن يا أبني الدفاع عن الحق لازم يكون بهدوء ، حاول ان تكون هادىء .

-          حاضر يا سيدنا .

لم يمضى سوى شهر واحد على محادثة سيدنا ، حتى علمت بأن هناك فتاة فقيرة معدمة عمرها 18 سنة ، تنوي مغادرة منزلها والهرب مع شاب مسلم وعدها بالمال الوفير  ، فأسرعتُ بالذهاب إليها ، ووصلت منزلها وهي تهم بمغادرته بعدما جمعت ملابسها ، وكانت ممسكة في يدها بطلب إشهار إسلام مقدم لمدير الأمن !!!

وكان صديقها المسلم ينتظرها على ناصية الشارع ، فجلست معها لإرشادها ، فاستجابت للإرشاد ، بكت ، لطمت خديها ، أعلنت أسفها لشروعها في ترك المسيح ..

قالت لي : لكن ماذا أفعل مع الرجل الذي  ينتظرني على الناصية ؟

فقلت لها : ولا يهمك ، ربنا معانا ، بس المهم تثبتي وترفضي الذهاب معه .

وظل الرجل منتظراً على الناصية ، فلما طال تأخيرها ، جاء لمعرفة السبب ، فقلت له :

خلاص ، الفتاة لا تريد الهرب معك !!!

فجن جنونه ، وقال لها : معناه إيه الكلاد دا ؟

فأجابته الفتاة قائلة : معناه إنني لن أترك المسيح وأسير معك ؟

فقال : نعم يا روح يا أمك !؟ هو أنا لعبة في أيديك ؟ أنتي هاتيجي معايا ورجليك فوق رقبتك ، ولا أنت فاكرة إن الأفندي بتاع الكنيسة دا ها يقدر يحميك مني ؟؟؟

 

فلما سمعت ما قاله ، خلعت النظارة ، والساعة ، وشمرت عن ساعدي ، وقلت في نفسي :

( مبدهاش !) ومفيش فايدة! وسامحني يا سيدنا !!! وسامحني يا أبونا !!!

ثم قلت له : أنت بتقول إيه يا .........؟!

ونسيت نفسي ، ونسيت أني خادم ، نسيت كل شيء أمام صراخ الفتاة وهي تستغيث بي : الحقني يا استاذ صموئيل ، أنا مش عاوزه أسيب المسيح ؟

ولا أعرف ماذا حدث ، ولا كيف أتتني كل هذه القوة الجبارة ، وكل هذه الجسارة ، وأنا داخل منطقته ، ووسط أهله ومعارفه ، وقلت في نفسي : هذه هي نهايتك يا صموئيل ، تموت في خناقة داخل منطقة شعبية! ، لكن تصرف كرجل ، أنت عشت وخدمت كرجل ، ولابد أن تموت كرجل .. وعينيك ما تشوف إلا النور ، وجدت نفسي انهال عليه لكماً وركلاً  وأنا أصرخ بهستيريا : يا أولاد .........؟

تجمعت الناس من حولنا ... كادوا أن يفتكوا بي ، وبالفتاة ، لكن الرب أرسل لي عوناً ( شاب صايع ابوه صاحب قهوة ) ومعه الشلة بتاعته : إيه ؟ هو مفيش كبير في الحتة ولا إيه !؟

جاء أبوه ، المعلم الكبير ، وعرف الموضوع فقال : صلوا بينا على النبي ! أنا هاحكم حكم واللي مش عاجبه ها ضربه بالجزمه! :

لوالبنت قالت مش هامشي معاه ، وعاوزه تمشي مع الأفندي بتاع الكنيسة ، يبقى خلاص ؟

وتطلعت العيون على البنت ، وأما هي فنظرت نحوي وعيناها تنطقان بالندم ، فقالت : سوف أمشى مع أستاذ الكنيسة .

فنظر لي صديقها وقال لي : سوف أجعلك تندم .

وأخذت البنت إلى البطريركية ، ومزقت طلب الإسلام ، وقررت متابعتها ، وأثبتت هذه البنت أهمية الإرشاد والافتقاد . فلقد أعلنت ثباتها في المسيح بطريقة مذهلة ، وقمت بعرضها على أبي الروحي ، وقررت صرف مساعدة شهرية لها لأنها كانت فقيرة جداً . أما صديقها ، فحاول معها مرات ومرات ، فلما فشل ، تركها ، وقرر الانتقام مني ، واستطاع بمعونة بعض الخونة معرفة الكثير عن خلفياتي الماضية ، فذهب لمديرية الأمن وأبلغ عني .

وانتهى الامر بمحاصرة بيتي ، ونجوت من الموت بإعجوبة ، وبعد 18 شهراً خرجت من الوطن خروج الأبطال .

ولست نادماً ، لأني أنقذت أخت لي من الضياع ، بقى أن تعلموا إن هذه الأخت صار عمرها الآن 30 سنة ، تزوجت من مسيحي وانجبت منه أولاد وبنات ، وشديدة التمسك بمسيحها ، ولا تزال تتذكر ما حدث ، فتدعو لي الدعوات الطيبة لأني انقذتها من الضياع . وليست وحدها التي تفعل ذلك ، بل ومعها الكثيرات ، والكثيرون ، ممن استخدمني الرب لإنقاذهم ، ومعهم حوالي خمسة وأربعين طفل وطفلة ، كان محكوم عليهم بنفس المصير .

 

وهذه الخدمة علمتني إن المسيحي لابد أن يكون رجلاً يعرف كيف يحمي نساؤه واطفاله ويكون قلبه من حديد ولا يرتعب من أمامهم ، حتى لا يريعه الله أمامهم !!!

صوبت نحوي فوهات البنادق والمسدسات ، وشهرت في وجهي المطاوي والسكاكين ، وشعرة من رأسي لم تسقط وجرحاً طفيفاً لم يصبني !

ولم أحمل أي سلاح البتة ، ولم أتشاجر مع أحد إلا دفاعاً ليس عن نفسي ، بل عن  نفوس الفتيات والنساء والأطفال ، وقال عني أبونا حزقيال وهبه : لا يفل الحديد إلا الحديد .

وكان يقول دوماً : صموئيل يخدم برجولة وإيمان وإيمان ورجولة . صحيح إن إيماني العميق بالمسيح الإله ، وخلفياتي ، وخبراتي السابقة ، كلها أمور ساعدتني في كيفية ( الرقص مع الأفاعي)  

لكن الصحيح أيضاً إن كل مسيحي المفروض فيه أن يكون رجلاً  كقول الكتاب:(اذكروا هذا وكونوا رجالاً ) [ اش 8 : 46]

وقوله أيضاً : ( اثبتوا في الايمان. كونوا رجالا.  تقووا )[ 1 كو 16 : 13 ].

وقد حان الوقت للاقباط أن لا يفرطوا في حقوقهم ويدافعوا عن أنفسهم ، أو على الأقل يقولون لمن يلطمهم :

لماذا تلطمني ؟



E-Mail: info@copts-united.com

Copts United

لأقباط متحدون