لبنى حسن 


19 أكتوبر 2005

صفحة كُتاب الأقباط متحدون

[email protected]

المصري سريع الاشتعال!

بقلم: لبنى حسن
 

المتابع للأحداث الأخيرة في مصر يكاد يجزم أن الشارع المصري على صفيح ساخن و أننا نسير في اتجاه فوهة البركان, فقد أصبح الجو ملبد بالغيوم و صار المواطن المصري سريع الاشتعال, فغابت عنا صورة المصري المسالم و تراجعت ملامح الطيبة و السماحة التي اشتهر بها المصريون, فماذا حدث؟ و لماذا تبدلت أحوالنا بشكل درامي و تغيرت سلوكياتنا وبات حال الشارع المصري مأساوي و أصبحت الأوضاع ملتهبة و المشاعر محتقنة و الناس في حالة تحفز مستمر.

 

لقد أصبحنا نرى و نسمع عن أشياء لم تكن تحدث في الماضي, فمثلا الشريط المصور الذي بثته قناة أوربيت منذ أيام قليلة صور جزء من بشاعة ما نمر به من أحداث, فقد ظهرت فيلا رئيس نادى الزمالك المستشار مرتضى منصور و كأنها كانت ساحة لمعركة حربية دامية, فالأثاث مبعثر و زجاج الأبواب و النوافذ محطم و متناثر و الدم يكسو الأرض, و قد حدث هذا بعد مباراة الأهلي و الزمالك الأخيرة مباشرة و التي انتهت لصالح النادي الأهلي, فقد قام حوالي عشرة ألاف شخص بمحاصرة فيلا رئيس نادي الزمالك و التي لم يكن بها سوى زوجته و ابنته التي كانت قد وضعت مولدها منذ شهر واحد و لم يكن لها صله بالرياضة من قريب أو من بعيد و لكنها فجأة و دون سابق إنذار و جدت قذائف الطوب ترتطم بالجدران وتحطم الزجاج لتجد جحافل من الغاضبين قد اخترقوا المنزل و وصلوا إلى غرفتها بعد أن تأخرت الشرطة ساعة و نصف الساعة, و بعدها نقلت الابنة و دمها يسيل إلى المستشفى حيث أصيبت بارتجاج في المخ و أجريت لها جراحتين, ويظهر في الشريط المستشار مرتضى منصور و هو يتفقد المكان ثائرا متأثرا بتدمير مسكنه و أصابه ابنته, فكان يصرخ و يوزع أفظع الشتائم و يقذف الاتهامات على كل ما هو "أهلي" و ظل يهدد و يتوعد بالانتقام من أعضاء مجلس إدارة النادي الأهلي الذين ذكرهم بالاسم بل طالب كل زملكاوي يرى أهلاوى أن يضربه "بالجزمه" و كأننا بصدد فتنه كروية!!

 

و بغض النظر عن التحقيقات حول ملابسات الحادث و دوافعه أو تحليل سلوك و ردة فعل رئيس نادى الزمالك الذي فقد أعصابه تماما و لم يراع انه كعضو مجلس شعب و رئيس لنادى الزمالك يعد شخص مسئول و قدوة لمشجعي الزمالك و للشباب بشكل عام, فما يلفت النظر و يستحق الاهتمام بل و يثير علامات التعجب هي فكرة التجمهر و حصار عشرة ألاف شخص لمكان ما, ليتصرفوا بهمجية و وحشية و التي لا أراها مختلفة عن واقعة حصار كنيسة مارجرجس في الإسكندرية, فالقضية ليست الأهلي و الزمالك أو مسيحي و مسلم بل المواطن المصري المطحون الذي تغير سلوكه ليصبح غوغائي عنيف و عشوائي التصرفات.

 

ماذا حدث للسلوك المصري بشكل عام؟ لماذا أصبح الشعب يتصرف بعصبية و غل و عنف سواء على مستوى العامة أو الصفوة, فمازالت أسرة مرشحة مجلس الشعب سعاد تعيلب التي دهستها سيارة منذ بضعة أيام تعيش في حالة ذهول حيث صرح شقيق المرشحة الراحلة في اتصال تليفوني على الهواء مع برنامج "القاهرة اليوم" انه أجبر في قسم الشرطة على الإقرار بأنه لا شبهة جنائية في مقتلها حتى تقيد الحادثة ضد مجهول و إلا فلن يستلم جثة شقيقته!! فتلك المرشحة كانت تتمتع بشعبية في دائرة مركز أبو حماد بمحافظة الشرقية و لكن الحزب الوطني رفض ترشيحها على قوائمه فأصرت على الترشح كمستقلة لتدخل في تنافس و مواجهه مع حيتان الحزب الوطني في تلك الدائرة و تدفع حياتها ثمنا لسيادة قانون الغاب, الذي صار القانون الرسمي بعدما انتهجه "الكبار" في تحقيق أهدافهم و اعتمدته الشرطة نفسها و التي سبق و احترفت الاستعانة بالبلطجية و المسجلين خطر لمساندتها في قمع المتظاهرين و ضرب و سحل المعارضين و عرقلة المراسلين و التشويش على الهتافات المعارضة و تعمد إهانة الصحفيات وضرب المصورين و تحطيم كاميراتهم.

 

ماذا حدث لمصر؟ و لماذا تغير المصريون؟ لعل تغير سلوك المواطن المصري نابع من الظلم والقهر الذي يعانيه و الذي يعد انعكاس للفساد والقمع السياسي الذي شكل ضغط أدى للانفجار و جعل الكراهية و الحقد و الغل وسائل للتعبير و التنفيس عن الكبت, قد تظهر في صورة عنف أو تعصب كروي أو ديني أو مجرد تصرفات عشوائية, فبعد أن صار الشعب يعيش في ذل و فقر و مهانة و خسر آدميته و أهدرت كرامته, هل نتصور أن تتسم تصرفاته بالرقي ؟!  حالة الاحتقان في الشارع المصري و التربص بالأخر ما هي إلا نوع من أنواع تفريغ الكبت, فإذا كان النظام نفسه افسد و بلطج و نهب و قمع و تسلط و كرس الفقر و الجهل و البطالة و تهميش المواطن فماذا ننتظر من أفراد الشعب؟

 

و السؤال الذي يطرح نفسه الآن ما الحل؟ كيف نتخلص من هذا الكابوس؟ و أصلا هل هناك أمل في أن تنقشع تلك الغمة؟ لا أود أن اطرح رؤية متشائمة بل لنفكر بواقعية و ننظر للتدهور في سلوك المواطن و نسأل ألا يتحسن هذا السلوك بتغيير الظروف المحيطة بالشعب و التي نتج عنها هذا الكبت و من ثم الاحتقان, و أعنى الإشارة لأهميته احترام آدميته المصري و اعتماد الشفافية منهجا و سيادة القانون و تحقيق المساواة بين المواطنين و العدالة في توزيع الثروة و ضمان تكافؤ الفرص و تقليص الفساد والتخلص من ثقافة دفن الرؤوس في الرمال و تشجيع المشاركة الشعبية بإطلاق حرية تكوين الأحزاب و استقلالية النقابات و القضاء والجمعيات الأهلية و إطلاق الحريات.

 

ألا نخلص من هذا إلى أن التغيرات السلوكية و المشكلات المجتمعية في حياة المواطن المصري و حتى الصغيرة منها جذورها كبيرة و متشابكة و أن الحل طويل الأمد –مش المسكنات - يكمن في الإصرار على إصلاح حقيقي و شامل و هو الأمر الذي لا يتحقق سوى بالتخلص من قمة الهرم مادام الحكم مستبد و بالتالي نتخلص من كل ألوان فساد النظام الحالي و تداعياته و كل رموزه و أنصاره و المنتفعين منه و المرتبطين به و المطبلين له حتى يستطيع المواطن المصري أن يتخلص من الضغوط و يتمتع بحياة طبيعية.

 

لبنى حسن



E-Mail: [email protected]

Copts United

لأقباط متحدون