كتب : د.ماجد عزت إسرائيل

  
 كلمة "مَوْلِد" جمعها "مَـــــوالِدُ" وهي اسم اسم زمان من ولَدَ، والمَوالِدُ أحـد أشــكال الاحتفــالات في الأدبيات الشــعبیة،وهــي مناســبات لتحقیــق نــوع مــن المــزج الفرید بین العادات والمعتقدات الشعبیة وبین الشعائر والممارسات الدینیة. والمولد ظاهرة فلكلوریة تسهم- إلى حدا ما- للمحافظة على التراث المحلى(الشعبي)،وإذا جاز لنا التعبير فالمولد ظاهرة اجتماعیة ذات ثقافیة دينية، حوت بداخلها جوانب على العديد من الجوانب الاقتصادية نذكر منها نشاة الأسواق الدينية وعقد الصفقاتالاقتصادية والتجارية وإذدهار حركة البيع والشراء، وأيضًا جـــــوانب اجتماعية منها العماد والخـــــطوبة والـــزواج والختان،ورشم الصلبان على الأيادي، وكذلك جوانب ثقافية نذكر على سبيل المثال الموال والأغنية الشعبية والترانيم الشعبية الروحية وسير القديسين. 
 
  على أية حال،تشير النصوص المصرية القديمة إلى العديد من الاحتفالات الشعبية التى التي تكاد تشبه الموالد،أو بالتحديد الأعياد الفرعونية التى كانوا المصریون القدماء یقدسون آلهتها العلیا نذكر منها على سبيل المثال الشمس وأوزوریس، بینما كانوا یقدسون آلهة أخرى محلیة وإقلیمیة، فكل منطقة لها معبودها الخاص وإلهها المحلي الذي یتقربون إلیه،ویقدمون له القرابين ویسألونه الحمایة والمعونة، ویعتقدون أن له دوراً رئیسیا في سعادتهم أو شقائهم ولذا كانوا یحتفلون به – أو به- طلبا لرحمته أو اتقاًء لغضبه.
 
 ومع بداية نشر المسيحية بمصر أى منذ القرون الأولي الميلادية،تعرض الآف المسيحيين للعديد للاضطهادات فسقط العديد من الشهداء وخاصة شيوخ وآباء الكنيسة وكانوا هؤلاء رموز دينية احتذى بها ملايين المسيحيين بمصر،ومن هنا بدأت فكرة الاحتفالات بسيرتهم العطرة وذكراهم كما وردت إشارات بالكتاب المقدس حيث ذكر قائلاً:" "انظروا إلى نهاية سيرتهم؛ فتمثلوا بإيمانهم" (عب7:13). وهذه الأعياد وسير أو ميامر القديسين حفظها لنا ما يعرف بــ "أعياد القديسين"أو موالد القديسين نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر مولد السيدة العذراء والقديس مارجرجس ومولد الأنبا شنودة والقديس مارمينا العجايبى، ويتم الاحتفال بمولد القديسين في ذكرى نياحتهم (وفاتهم).وفي أثناء تلك الموالد تقام القداسات والنهضات الروحية والصلوات ويذكر خلال تلك الفترة سيرته ومعجزاته،ويقدم العديد من الزائرين النذور والشموع والذبائح.وكذلك يتم تقديم التبرعات المالية بجانب النذور التى تعتبر المصدر الرئيسى لتمويل الدير أو الكنيسة لأن الدولة المصرية لاتمنح الكنيسة أى مصادر مالية.وربما هذه المصادر يتم انفاقها على مرتبات الآباء الكهنة والعاملين بالمؤسسة الدينية وأيضًا ترميمها وصيانتها. 
 
     ومن الجدير بالذكر أن هذه الموالد القبطية في شتى ربوع تعرضت للتهديدات بإلغاء وخاصة خلال الفترة ما بين(2011-2013م) بسبب الأوضاع الأمنية التى كانت تمر بها البلاد، وفي الوقت الحالي تقوم الدولة بتوفير حماية أمنية لحميتها وتنظيمها والعمل على فتح أبوابها أمام للزائرين. وعلى الرغم من ذلك تشهد العديد من هذه الموالد تهديدات وتعرض بعضها للحرائق من جانب المتشدين والمتعصبين دينياً ووصلت في الآونة الأخيرة للتحرش الجنسى والاعتداءات بالأيدى والسنج وخاصة التى يقام منها خارج أسوار الدير أو الكنيسة..
 
   على أية حال، طالب العديد من شعب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قداسة البابا "تواضروس الثانى" البطريرك رقم (118) – منذ عام 2012م وحتى كتابة هذه السطور- بإلغاء الموالد القبطية حيث كتب بعضهم على شبكة التواصل الاجتماعى قائلاً:" نناشد الأنبا تواضروس الثانى باصدار قرار مجمعى بإيقاف ومنع ظاهرة الموالد الخاصة بالقديسين المسيئة إلى قداسة الكنيسة". بالحق من يطالبون بإلغائها لديهم الحق لما يشاهدون ما يحدث بهذه الموالد..ربما يكون بعدها لايوافق تعاليم وقيم المسيحية وتعاليمها الدينية المعروفة بها. ولكن لنا سؤال لهؤلاء المحبين لكنيستنا القبطية هل يمكن أن نحذف الماضى من حياتنا؟ أو بمعنى أخر هل نلغى التاريخ؟ أو نلغى الذاكرة الشعبية الدينية؟ أو بمعنى أدق نحذف تراثنا الشعبى؟ ربما اعتقد تكون الأجابة بـ "لا" – كاتب هذه السطور – شاهد مثل هذه الموالد في العديد من الدول الأوربية ولكنها بالحق أكثر تنظيماً حيث أن مواعيد القداسات أو الصلوات أو العظات لايتعارض تماماً مع ممارسة الأمور الفلكورية أو الشعبية حيث لايمكن أن يكون هناك لعبة أو المرجيحة أو ألعاب نارية حتى  الأكل والمشروبات أو  أى شىء في أثناء الصلوات.كما أن البائعين لهم أكشاك خشبية عليها أرقام بما تقدمه..كما أن هناك مكان خاص بالمدخنين...يا لها من روعه فلكورية!!.
 
     هنا نؤكد للمعارضين لفكرة الموالد الدينية القبطية أن تكون مطالبتهم لقداسة البابا "تواضروس الثانى" بتنظيمها وتقيمها ووضع ضوابط وأسس على أساس الغرض منها يكون الاحتفال بالقديس أو القديسة وليس إلغائها.. وأيضًا مطالبة قداسته بوضع لائحة لهذه الموالد وأسندها للجنة مجمعية من أجل الإشراف عليها وكتابة تقارير عنها. وبعدها يمكن تحديد المشكلة ووضع الحلول المناسبة أما بقائها أو إلغائها ....... وربما هذا ما نتمناه.