الأقباط متحدون - بيريسترويكا كنسية (10) - المال والكنيسة: مال الله أم الشيطان؟
  • ١١:١٥
  • الثلاثاء , ٤ ديسمبر ٢٠١٨
English version

بيريسترويكا كنسية (10) - المال والكنيسة: مال الله أم الشيطان؟

ماهر عزيز بدروس

مساحة رأي

١١: ٠٩ م +02:00 EET

الثلاثاء ٤ ديسمبر ٢٠١٨

المال والكنيسة
المال والكنيسة
ماهر عزيز بدروس 
يعتور المسألة المالية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فوضى ضاربة وفساد بالغ يتمكن حتى النخاع منها فيصيب الجسد كله بالتسمم!!! 
 
ومنذ عهد بعيد مُوُغِل فى القِدَم صارت المسألة المالية هي الصخرة التي تتكسر عليها روحانية الكنيسة القبطية على نحو فاجع.. " لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ"(1 تى 6 ك 10).
 
فلقد أعثرت هذه الصخرة الكؤود مسيرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على طول تاريخها الحافل بالآلام فزادتها آلاماً وهى تلقى بثقلها على الإكليروس والكنائس والأديرة والأراخنة والشعب والرهبنة وكل دقائق المنظومة.. 
 
فإذا ما غَشَّى الحزن أحداً وهو يسأل: لماذا؟.. 
تأتى الإجابة صافعة حسيرة: ذلك أن المال ضالع في كل شئون الكنيسة بما يحمل إغراءً قائماً دائماً بالانحراف والفساد!!!
... ...
واقعتان استقطبتا فكرى وانزعاجى منذ نحو بعيد للمسألة المالية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية: 
 
أولاهما: عندما كنت سائراً في شارع شبرا وقت أن كان الترام يتوسطه بطوله والناس يحتشدون على أبواب العربات وبينهم كاهن أرثوذكسى بزيه المميز، وإذا بعمامته تسقط منه وهو وسط المندفعين على باب إحدى عربات الترام.. فيترك الترام ليجرى وراء عمامته ويلتقطها من الأرض ويفوته الترام!!!
 
تابعت المشهد من بعيد وأنا أتساءل بحسرة: أليس من نظام مالى في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يكفل الاحترام و"عدم المرمطة" للإكليروس بتخصيص سيارة لكل منهم؟
 
ثانيتهما: عندما كنت ببيت أبى صبياً يافعاً، وكان يهبط علينا في موعد محدد من السنة.. كل سنة.. بعض كهنة الصعيد الذين يخدمون في كنائس النجوع والكفور والقرى –حيث لا يملك الفلاحون نقوداً ويمنحون عطاياهم للكنائس الريفية من حصاد الحقل أو إنتاج البهائم والطيور- أقول كانوا يهبطون علينا في حالهم الرثة وفقرهم المدقع ليجمعواً من بعض الأسر بالمدينة الكبيرة ما يعينهم على حوائجهم من المال طوال السنة.. بينما يرفل كهنة المدينة في كنائسها الغنية بالأموال –التي تتدفق عليهم طوال العام- في بحبوحة وسعة.. 
 
فيظل السؤال الحزين يلح على خاطرى في كل مرة: "أليس من نظام مالى بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية ليوزع المال بالعدل بين الكنائس، فلا يكون بعضها غنياً غنى فاحشاً، وبعضها الآخر غارقاً في العوز والفاقة؟ 
 
أليس في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من يأتي بجرأة وجسارة، ليطبق نظاماً مالياً يحقق العزة والكرامة لأولئك المساكين المعدمين من كهنة البقاع الفقيرة، ويجنبهم ذُل السؤال في المدينة الكبيرة؟ 
 
ظلت تلك الأسئلة تعصف بى طول الأيام وحتى يومنا هذا وأنا أُسَطِّر هذا المقال!!! 
لكننا نستطيع أن نجد لكل الأسئلة جواباً شافياً إذا أمكننا أن نتبع التداعيات من بدايتها.. 
 
تقع الكنيسة في الزمان، 
وأخطر ما يحيق بها وضعها المؤسسى.. 
 
هنا يبرز المال كجذع رئيسى للمؤسسية الكنسية بوصفها تعيش العالم وتعمل في الزمان.. 
 
ومثلما تَعَيَّن في الكهنوت اللاوى عُشْرُ كل الأشياء: من الدخل نظير العمل.. إلى سائر الممتلكات الأخرى.. يؤديها الأفراد لسبط واحد وحيد يعمل فقط بالكهنوت .. جاء العهد الجديد بقاعدة جوهرية: "مَنْ تَجَنَّدَ 
 
قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ 
لاَ يَأْكُلُ؟"(1كو 9: 7)، "هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ" (1كو 9: 14)، فإذا وضعت هذه القاعدة إلى جوار مبدأ جوهرى سابق: " هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ"(مل 3: 10) ، يتضح لنا أن جزءاً من العشور لابد وأن يذهب للإكليروس كخدام للإنجيل، لأن هنالك دائماً "إخوة يسوع" المنتظرين نصيبهم العادل أيضاً من العشور: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ"(مت 25: 40)... فليس العشور كله لخدام الإنجيل ولا للمؤسسة الكنسية.. بل هنالك "إخوة يسوع".. وخدمات أخرى عديدة وكثيرة تنتظر دعماً متواصلاً لتحيا وتؤتى عوائدها السماوية لمجد المسيح. 
 
على أن العشور ليس سوى الحد الأدنى الذى يؤديه المؤمنون لأجل الله.. لأن آية العهد الجديد فتحت الباب واسعاً لعطايا الاقتدار طالما أمكن للاقتدار أن يسخو لأجل اللـه.
 
الكنيسة والإكليروس بحاجة للوجستيات البشرية والزمانية لأداء الرسالة المدعوين إليها في العالم والزمان، وهذه الحاجة يلزم لها المال لزوماً حرجاً، لذلك جاءت تلك المبادئ التي أسسها الكتاب المقدس لأداء تلك الحاجات. 
 
إلى هنا والأمر يبدو طبيعياً يسيراً قننته المبادئ المقدسة في اشتراع العطايا المالية والعينية التي يقدمها الشعب للكنيسة المؤسسة وللبشر الإكليروس.. لكن شيطان الطمع والشَرَه والخديعة والكذب والالتواء يقبع متربصاً خلف طبائع البشر وخلف المبادئ، وقد يحوم ويهوم في صحن الكنيسة ذاتها!!!
 
ولذا كان المال هو جلمود الصخر الذى طالما انكسرت عليه الرسالة المقدسة، وقَدَّمَ على مذبحه إكليروس كثيرون ضمائرهم وأطماعهم ذبيحة إثم للشيطان.. بينما صوت المسيح العظيم يدوى عبر الدهور: 
 
"يَا بَنِيَّ، مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ"(مر 10: 24).. "انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ"(لو 12: 15). 
 
إن المسألة المالية في الكنيسة تكاد تكون هي أكثر المسائل دقة وخطورة.. التي ينبغي على الكنيسة معالجتها بمنتهى الشفافية والعَلَن. 
 
إن قضية "المال والكنيسة" لتطرح من المشكلات أعقدها.. لا في جوهرها وحسب، بل أيضاً في الجوانب الشائكة التي تتضمنها مختلف الحلول المطروحة ضمن الإطار الثقافي الذى يحيط بالكنيسة على مسار التاريخ الحى لديمومتها في الزمان. 
 
ويبدو التعقيد الأكبر في كون الكنيسة جسداً روحياً في العالم والزمان.. فهى قائمة في التاريخ الروحى والاجتماعى والسياسى للقبط على مر العصور.. ومتجذرة مؤسسياً ولوجستياً لتحمل مسئولية رعوية واجتماعية فتحيا في إطارها التاريخى لتشهد لله.. وهى من ذلك بحاجة للوسائل البشرية كافة: المال والمبنى والتنظيم والإدارة والوظائف والعلاقات وهيكل الاتصالات.. فهى "الجسد المنظور" و"الإيمان والرجاء والمحبة" في الوقت ذاته.
 
هنا تتبدى المشكلة بضخامتها المرعبة وتعقدها المُهْلِك!!! 
 
ذلك أن سريان الأموال في الكنيسة يجرى على غير هدى، ويتدفق على نحو عشوائى باهظ الفساد.. 
 
فهنالك كهنة فقراء وآخرون مترفون.. وهنالك أساقفة يتجمع لديهم مال وفير لكنهم لا يُقَدِّرُوُنَ أن المال مال اللـه.. بل يملكونه وينفقونه ويكنزونه بإرادة بشرية على نحو لا دينى ولا روحى البتَّة.. كأنهم قد استحالوا من أساقفة ليسوع إلى أساقفة للبعل.. وإكليروس كثيرون خوفاً من الفاقة تحولوا إلى رجال أعمال.. لا هَمّ لهم سوى أن يعظموا ما يجمعونه من مال على حساب الرسالة السامية.. 
 
وأموال وفيرة تحت أيدى كثيرين من الأساقفة والكهنة.. بينما جموع مسيحية غفيرة تعصف بها الفاقة، وترنو بلهفة وعجز وانسحاق لمعجزة السماء!!! 
 
أما كنائس المهجر فَحَدِّث - ولا حَرَجْ - كيف السعي للمال يُقَوِّض في حالات ليست قليلة أركان الروح.. 
 
بينما وحى الله القدوس في الكتاب المقدس يصيح فيهم عبر الدهور: " لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ لأَنَّهُ قَالَ لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ. حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟"(عب 13: 5 و 6). 
 
يطالبون الناس بالعطاء والبذل الدائم الدائب الذى لا ينقطع.. 
 
ويجورون عليهم بمناسبة وغير مناسبة.. يطالبون الكافة بالعطايا، ويسوغونها بكل سبيل روحى وغير روحى.. ثم يفرضون عليهم الانبطاح والعدمية والتخاذل بدعوى انتظار السماويات، والزهد فى الأرضيات.. بينما يرتعون هم في الثراء والدَّعَة والأرضيات كلها حتى الثمالة، بمقتضى ما تكفله لهم هذه العطايا المتدفقة ذاتها من يُسر ورخاء وبحبوحة واستعلاء.. ضد كل القيم الإنجيلية التي يرهبون الناس بها فَيُغَيِّبُون من ثَمَّ عقولهم ووعيهم وفكرهم وانتباهتهم.. 
 
ويُعْدَمُ الناس بعد ذلك القدرة على الفعل الإيجابى لأجل حياة كريمة منتصرة.. فينتشر في حياتهم الاستعباد والخنوع والسلب المطلق بوهم النَّظَر إلى الأبدية!!! 
 
والحالات المعهودة لتدفق المال الكنسى كثيرة التنوع: 
 
فعلى الدَّرَج الأول من سلم "العشوائية العطائية" المتهالك يقف الإكليروس الصغار – وأحياناً كثيرة الكبار- بإيصالات التبرع الزائفة.. فيجمعون التبرعات لهدف معلن كبناء جديد، أو صيانة لبناء قائم، أو عناية بالمعوزين، أو حتى معونة الشتاء، لكنهم يبتلعون غالباً نصفها لأنفسهم إن لم تكن بكاملها.. 
 
وعلى نفس الدَّرَج غالباً ما تُجْمَعُ العطايا في نهاية القداسات بالكنائس، سواء مباشرة أو في الصناديق.. وتلك هي التي تفى بالمرتبات الشهرية للإكليروس غالباً..
 
وعلى دَرَج أعلى من السُلَّم يقف رجال ونساء الأعمال الذين يلجأ إليهم الإكليروس في المُلِمَّات لتمويل الحاجات الطارئة والعاجلة والبرامج الممتدة.. 
 
على أن أولئك الرجال والنساء قد اعتادوا مع كل وفر في مكاسبهم أن ينفحوا الإكليروس، خاصة الأساقفة والمطارنة في الإيبارشيات والأديرة، نفحاتهم الكبرى –وأحياناً كأراضى أو عقارات أو وقف أو خلافه- التي غالباً ما تستقر في أيدى الإكليروس ليتصرفوا فيها بأهوائهم الخاصة.. حيث لا تُحْتَسَب للكنائس والأديرة القائمين عليها، بل تُحْتَسَب هكذا ملكية خاصة خالصة لهم خارجة عن الأُطُر الشفَافة لأية محاسبة.. 
 
والشعب الغارق في الظلمة حين يبحث عن كَفَّارة لنجاساته وآثامه وخطاياه يظن أنه يتبرأ لو اغترف من هباته وعطاياه للأديرة والكنائس والإيبارشيات.. فيتدفق "المال التكفيرى" كروافد مستديمة على هذه المظان الكنسية، ليتجمع في أيدى حفنة ضئيلة من الإكليروس القائمين عليها.. لتتعاظم سلطاتهم على الناس، ويكتسبون قوة زمنية لانهائية مخادعة وغشيمة على الغارقين في ظلمة الآثام.. 
 
وهنالك كذلك الهِبَات الأخرى من الأجهزة والهيئات التي تتوسم في الكنيسة والإكليروس إدارة المال لأجل الذين أوصى بهم يسوع أنهم إخوته، لأجل نفع حياتهم. 
 
المال وفير جداً.. وهو في جوهره عطية مباركة.. لكن سوء الإدارة تشيطنه: فيتكوم في أيدى حفنة من الإكليروس دون آخرين، وفى كنيسة دون أخرى، وفى أديرة دون سواها، ويبقى بعيداً بعيداً عن أيدى الأصاغر المعوزين.. يُسْتَخْدَم للخير أو للشر باختلاف النوايا والضمائر والمآرب والأغراض. 
 
المال وفير جداً.. وهو في جوهره عطية مباركة.. 
لكنه في الأيدى الآثمة،
وبين الضمائر الملتوية،
آلة طيعة للفساد..
هكذا كان المال الكنسى دائماً ولايزال.. 
 
فهل من مخرج؟ 
وهل من وسيلة منهجية سديدة لجمع المال وتوزيعه ليكون خيراً خالصاً للجميع؟ 
ومن هو ذاك الذى يمسك بأول مِعْوَل للإصلاح، ويطبق نظرية جديدة لجمع المال وتوزيعه على النحو الذى تتحقق به مقاصد الله؟ 
ونسأل: أية نظرية جديدة لجمع المال؟ 
فنجيب: نظرية تتأسس على دعائم الحوكمة. 
ونسأل: أية حوكمة؟ 
 
فنجيب: الحوكمة الراشدة التي تكرس الشفافية والمحاسبة على نحو عادل ونزيه:
 
تتيح صرف مرتبات شهرية مجزية للإكليروس، تجنبهم الفاقة والسؤال إلى الأبد، وتضمن تعليم أولادهم تعليماً راقياً متقدماً يحرزون فيه أعلى مراتب ما يحققه القادرون من العلمانيين لأولادهم.. 
 
تتيح للأساقفة والمطارنة إدارة حاذقة، مكفول لها كل مقومات المطالب المالية مهما كان مقدارها، فيجدونها طَيِّعَة بين أكفهم وقَيْد أناملهم.. 
 
تتيح لرؤساء الأديرة أن يوفُّوا جميع متطلباتهم في أديرتهم مهما كانت بمجرد أن يفكروا فيها.. 
 
تتيح للبابا أن تكون كل المطالب المالية لإدارة البطريركية وكل شئونها متدفقة بين يديه فور حضورها لديه..
 
تتيح لكنائس جديدة أن تقام كلما دعت الحاجة الماسَّة لذلك في أي تَجَمُّع للمؤمنين يتزايد عددهم إلى الحدّ الذى لا يمكن تجاهل احتياجهم المُلِّح لكنيسة تضمهم وتخدمهم.. 
 
تتيح لأديرة جديدة أن تنشأ إذا ألحت الحاجة لذلك..
 
بل وتتيح لخدمات عديدة متنوعة أن تُشَيَّد أو تُقَدَّم لأولئك الذين يطرقون باب الكنيسة بثقة وارتقاب ورجاء.. يرونها هي هي أبواب السماء التي تُفْتَحُ أمامهم لتقدم لهم أعوازهم البائسة الضنينة!!! 
 
ونسأل: أليس من سبيل يُعَوَّل عليه لتنظيم المال المتدفق على الكنيسة على النحو الذى يفى بهذه المطالب كلها؟.. بالعدل الذى لا يضيع.. والأمانة التي لا تنطفئ شعلتها.. والحكمة التي تتصدى للظلم والمنع والشُّح والتقطير؟
 
بادئ ذي بدء نُذَكِّر بالمبدأ الفاعل للكنيسة الخالدة: 
 
فإذا كانت الكنيسة هي جسد المسيح وهو الرأس: "وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ"(أف 1 : 22 و 23)، فشعب الكنيسة والإكليروس معاً هم أعضاء الجسد الواحد.. 
 
ليسقط إذن الزعم السائد بأن الكنيسة هي الإكليروس .. لأن الإكليروس لا تقوم لهم قائمة أبداً دون المؤمنين بيسوع.. أي دون الشعب.. وربما في المقابل معكوس ذلك هو الذى يتقدم.. فالشعب هم المؤمنون جميعاً بيسوع المسيح إلهاً ومخلصاً، واتحادهم قائم بيسوع سواء وُجِدَ الإكليروس أم لم يوجدوا.. وسواء وُجِدَ المبنى أم لم يوجد.. وسواء وجدت المؤسسة أم لم تكن هنالك مؤسسة البتة.. 
 
فكيف والشعب هو الأصل والأساس لا يكون هو المنوط به إدارة المال الذى يقدمه هو كله لأجل بقاء الكنيسة وجلال رسالتها؟ 
 
شعب الكنيسة هو الحَدَّ الفاعل في المعادلة.. وكنيسة بلا شعب لن تقوم لها قائمة أبداً!!! 
 
يترتب على ذلك أن يكون الشعب شريكاً رئيسياً في إدارة المال الكنسى، وعلى الإكليروس أن يعترفوا بهذه البديهية البسيطة اعترافاً مطلقاً.. 
 
من هنا يمكننا النظر بجدية في الخروج من "المهزلة المالية".. ورد المال من إرادة الشيطان إلى إرادة الله.. 
 
فعلى أي نحو يمكن أن يتحقق ذلك؟ 
لا مناص من تطبيق النظم الاقتصادية التي نجحت على مستوى الكيانات الكبرى كالدول.. لا مناص من تطبيقها في الكنيسة.. 
 
فعلى سبيل مثال الدولة، التي تترامى قطاعاتها الاقتصادية وأجهزتها الإدارية لكنها تبقى مركزية في إدارتها المالية، من خلال وزارة المالية والبنك المركزى، يمكن للكنيسة التي تترامى هياكلها المؤسسية وتنتشر أن تحاكى الإدارة المالية للدولة. 
 
وكما لا يدير الرئيس أموال الدولة، ولا يقبض عليها بين يديه باسمه، يتعين ألا يدير البابا أموال الكنيسة، ولا يقبض عليها بين يديه باسمه البتَّة. 
 
وكما لا يدير الوزراء أموال وزاراتهم ولا يحتازونها، يتعين ألا يدير الأساقفة والمطارنة أموال أبرشياتهم أو أسقفياتهم أو مطرانياتهم أو أديرتهم أو أجهزتهم ولا يحتازونها. 
 
وكما لا يدير رؤساء الإدارات أموال إداراتهم الحكومية ولا يملكوها..
هكذا الكهنة في الكنائس كلها يتعين ألا يديروا أموال كنائسهم ولا يملكوها.. 
 
فإذا اقتفينا أثر الدولة في إدارة أموالها، ربما يعيننا هذا المثال على تنظيم إدارة أموال الكنيسة.. 
 
صحيح أن رئيس الدولة يصادق على الموازنة والميزانية.. ويبدى رأيه فيها.. بل ويطلب تعديلها، أو توفيق أوضاعها، أو إعادة ترتيب أولويات الصرف فيها.. 
 
هكذا البابا والأساقفة والمطارنة والكهنة يكون لهم هذا السلطان أيضاً: سلطان التعديل أو التوفيق أو إعادة الترتيب للأولويات كلها.. 
 
لكن يبقى للمال كله في الكيانات الكبرى بحجم الدولة وزارة يناط بها إدارته: 
1- فهل يتولى إدارة المال الكنسى مجلس أمناء يُخْتَار بعناية من أشراف الأراخنة وأمنائهم، بمستوى الأهلية والمهارة والحكمة والتجرد والنزاهة
الأعلى في الكنيسة كلها.. ويكون له مجلس أمناء فرعياً بذات المستوى الأعلى للأهلية، وفق معايير قياسية يُتَّفَق عليها، في كل دولة من دول المهجر.. 
 
2- ويُخَوَّل هذا المجلس سلطة اختيار الجهاز الإدارى اللازم المتفرغ ووظائفه وواجباته.. تماماً على مثال وزارات المالية في الدول قاطبة. 
 
3- ويضع هذا المجلس لوائح التنظيم المالى بكل إنصاف وشفافية للكيانات المؤسسية الفرعية بالكنيسة كلها، بدءاً من مؤسسة البطريرك وحتى الكنائس الصغيرة. 
 
4- ويؤسس هذا المجلس قواعد متسعة حكيمة لجمع المال كله، بما يُهَيكِل آلية تنفيذية محكمة لإيداع المال، مهما كانت قيمته، في وعاءات مصرفية جامعة شاملة تضمن سريانه كاملاً إلى الخزانة المركزية والخزانات الفرعية في دول المهجر.. فلا يوضع المال أبداً ولا يودع في أيدى أىٍّ من الإكليروس، مهما كانت وضعيته، ومهما كانت رتبته. 
 
5- ويشيد هذا المجلس مبادئ عريضة عادلة، وإدارات تنظيمية كفء، لصرف المال المطلوب للاحتياجات كافة على كل الأصعدة، وفق مبدأ أعلى أخلاقى وروحى وإنسانى عميق، يستشعر الاحتياجات جميعها في كل القطاعات والمؤسسات الفرعية قبل حلولها ودون طلبها.. على أن يضع لها من القواعد التشريعية المرنة ما يفى بها على مستوى قياسى من العدل والسخاء.. ويتطور بها طالما تطورت الظروف والأحوال.. 
 
وفى هذا الصدد أتصور أن الآلية المقترحة لإيداع 50% فقط من عشور كل شخص مسيحى قادر على العمل –ومن ثم العطاء- يمكنها أن تأتى شهرياً للصندوق المالى للكنيسة، بمتوسط دخل شهرى 3000 جنيه للفرد لحوالي 5 ملايين عائل قبطى (داخل مصر وحدها)، يمكنها أن تأتى بمحصول مالى شهرى يصل إلى مبلغ 750 مليون جنيه شهرياً.. 
 
فإذا قلنا بأن هذا التقدير مبالغ فيه، وأن متوسط هذا الدخل الشهرى لا يحرزه إلا 2.5 مليون قبطى فقط.. يصل المحصول المالى إذن إلى مبلغ 375 مليون جنيه شهرياً، تكفى احتياجات مؤسسة البطريركية والإيبارشيات والأسقفيات والكهنة جميعاً على مستوى رفيع، إذا عرفنا أن عدد الإكليروس بالقطر المصرى كله لا يتجاوز بضعة آلاف (وذلك باعتبار 50% فقط من العشور للكنيسة، واضعين في الاعتبار أنه يتعين لكل شخص مسيحى أن تكون له الحرية الشخصية في إيداع نصف عشوره الآخر مباشرة للمعوزين، أو أوجه العطاء الأخرى، بحسب الحرية المعطاة للجميع من الله). 
... ...
أما في المهجر فيمكن أن يُكْتَفَى من الأقباط بربع عشورهم فقط، لتنساب الأرباع الثلاثة الباقية إلى صندوق آخر صار ملحاً جداً تكوينه ليكون تحت إدارة كيان مدنى نزيه، ينذر نفسه لخدمة الأقباط وقضاياهم "كمنظمة التضامن القبطى الدولى" – على سبيل المثال – ليدعم بهذا المال تقدم الطلائع القبطية في كل دوائر المشاركة السياسية والاجتماعية نحو تبوؤ مناصب مؤثرة في الجهاز الإدارى للحكومات المحلية، والتمثيل الحزبى والسياسى على مستوى الدولة ككل، مما يتطلب أموالاً وفيرة تساند الحملات الانتخابية لهؤلاء جميعاً، والجهود الأخرى كافة التي توصلهم بأمان للمناصب الفاعلة.. ولقد صار ذلك ضرورياً جداً الآن – كقضية حياة أو موت – بعدما نجح أربعة وخمسون من المهاجرين الجدد في غزو الكونجرس بدعم ضخم جداً من مؤسساتهم التي تسعى للإمساك بزمام الأمور في المهجر، والتحكم في الآخرين كلهم بأجندة معاكسة. 
 
فإذا سأل سائل: أليس ربع العشور قليل جداً للكنيسة بينما توجَّه الأرباع الثلاثة الأخرى للدعم السياسى؟ 
فنجيب: تعالوا بنا إذن إلى تقديم افتراض يُقَرِّب المسألة: هَب أن في أمريكا فقط مليون قبطى يتكسبون من عملهم لأسرهم في المتوسط 2000 دولار شهرياً، فيكون العشور 200 دولار شهرياً، وربع هذا العشور 50 دولاراً شهرياً، فيصل الإجمالى المتحصَّل من مليون قبطى 50 مليون دولار شهرياً للكنيسة.. فكم عدد الإكليروس الذين سيفيدون بهذا المبلغ الهائل شهرياً؟ وكم عدد الكنائس التي تحتاج مشروعات أو توسعات أو خدمات لتنال نصيبها من هذا المبلغ الضخم؟ 
 
ذلك سيكون يُسْراً ورفاهية باذخة لجميعهم ومشروعاتهم كافة. 
 
أمَّا الثلاثة الأرباع الأخرى من العشور فيحتاجها على نحو ماسَّ وحَرِج كل الدعم السياسى، والحملات الانتخابية الباهظة، التي يتعين أن تدعم طلائع الأقباط اللائقين للخدمة العامة وقيادة المجتمع، في حملاتهم الانتخابية، خلال مسيرة صعودهم حتى إلى الكونجرس. 
6- وفى هذا الصدد أتصور أن يَمْنَح التشريع الذى يضعه المجلس للكاهن في أي كنيسة الحقوق التالية: 
 
مرتب مساو لمرتب الوزير في الدولة التي يقيم فيها.. كى لا يخطر بباله أبداً – ويمتنع تماماً – أن يمد يده ليقبل المال من أي مصدر وأى كيان.. 
منزل بمستوى الإسكان الراقى يُسَلَّم له فور رسامته.. 
كفالة تعليم أولاده بمستوى رفيع حتى التخرج فى الجامعة.. 
كفالة النهوض بأية أعباء أخرى تلزم للأبناء حتى الحصول على عمل والزواج.. 
الرعاية الصحية للكاهن وأسرته.. 
معاش كريم لزوجته وأولاده حال انتقاله.. أو زوجته فقط حال وجودها بمفردها طوال عمرها على الأرض.. للأبناء حتى يحصلون على عمل ويتزوجون.. 
 
7- ويستن هذا المجلس القواعد كافة التي تتوفر على تخصيص المال اللازم لجهاز البطريركية، وأجهزة الإدارة في الإيبارشيات والأسقفيات والأديرة والكنائس. 
 
8- ويخطط هذا المجلس للوفاء بالاحتياجات المالية السنوية للأنشطة المتعددة بكافة قطاعات الكنيسة، المتعلقة بالأبنية الجديدة أو التجديدات أو المشروعات أو خلافه، في أي مكان وكل مكان.. 
 
9- ويسعى هذا المجلس إلى توظيف المال المتبقى في الصندوق المركزى للكنيسة، وصناديق الكنائس بدول المهجر، للاستثمار في الآليات المصرفية بالبنوك العاملة، لتعظيم العائد، وفتح مجالات التدفق المالى وتدفق الوظائف والمنافع للشعب القبطى في الكنيسة كلها. 
 
10- ويناط بهذا المجلس اعتماد التبادلية بين الصناديق الفرعية والصندوق المركزى لنفع الأقباط والكنيسة كلها.. فالصندوق الذى يحرز الوفرة تنساب الوفرة منه للصندوق الذى يعانى العجز.. وهكذا.. 
 
وعلى نفس النهج.. توضع القواعد التي تسمح في كل الأحوال بأن تنساب الوفرة نحو العجز بما يجعل الجميع يحصلون على حاجاتهم بيسر وسخاء واكتفاء. 
 
إن نهوض مجلس الأمناء بوظائفه الخطيرة في إدارة المال الكنسى يقتضيه أن يؤسس -على الأقل- مجموعة التشريعات أو القواعد التالية: 
 
تعيين المجلس السيادى والمجالس الفرعية. 
الهيكل التنظيمى للمجلس ووظائفه الأساسية. 
تنظيم العشور والتبرعات والهبات والأوقاف وإدارتها. 
حظر نوال الإكليروس أي أموال أو هبات عينية مهما كانت. 
حظر اشتغال الإكليروس بغير الخدمة، وتقنين جوانب الخدمات المطلوبة للشعب والكنيسة كافة. 
تخصيص الحصص الشهرية للإكليروس على نحو منصف وسخى، وإقرار قواعد سخية لرعايتهم. 
تنظيم أجر العلمانيين الذين يبذلون عملهم في كل مستويات المنظومة على الصعيد الإدارى والتقنى. 
إدارة الأموال الزمنية للكنيسة.. أي تلك الضرورية للحياة في الزمان.. لتعظيم العائد للصناديق المالية. 
إدارة المساندات المُلِحَّة للمعوزين والفقراء والمحتاجين من شعب الكنيسة.. 
 
هذا المجلس المنوط به إدارة الشئون الزمنية للكنيسة، وعلى رأسها المال، هو مجلس من الشعب وبالشعب.. 
 
فالشعب هو الجوهر في الكنيسة..
والشعب هو جماعة المؤمنين التي تشكل الجسد الواحد الذى رأسه المسيح الرب..
 
ولا كنيسة بلا شعب.. 
ولا جسد للمسيح دون جماعة المؤمنين.. 
الشعب هو الجوهر في الكنيسة.. 
 
والله قادر أن يقيم من الحجارة إكليروس أمناء بديلاً عن أولئك الذين امتلأوا شراً وانتهازية وتعلقاً بالمال.. 
 
فهل يسوغ أن تكون الكنيسة هي شعب المسيح، ولا يشارك الشعب في إدارة الكنيسة؟ 
على أن الأمر يتطلب أن يتبوأ الشعب دوره الرئيسى الحتمى بالكنيسة من خلال "مجلس الأراخنة"، أو "المجلس الاستشاري القبطى"، أو "المجلس القبطى الكنسى"، أو ما يَدُل على أنه "مجلس جماعة المؤمنين"، الذى يعبر عن الجسم الحى للكنيسة، "التي رأسها المسيح" ليقوم بالمهمة الغائبة في الإدارة، ويتولى اختيار "مجلس الأمناء الاقتصادى"، أو "مجلس الأمناء المالى" للكنيسة من رجال أعمال ورجال فكر أقباط، منزهين عن الطمع والغش وانعدام الضمير، وكل الضعفات التي تسوق القائمين على المال غالباً إلى السرقة والتدليس والمجاملات الهابطة والتربُّح على حساب عطايا البسطاء.. 
 
فلينته إلى غير رجعة هذا التباطؤ المخجل في اختيار مجلس شريف ونزيه يمثل الكتلة الكنسية في إدارة الكنيسة.. 
وليتبدل سريعاً هذا الموقف الهزلى الذى يعرقل مشاركة نبلاء الأقباط في إدارة كنيستهم.. وعلى الأخص المسألة المالية.. 
ولتسقط نهائياً هذه العداوة اللامرئية بين الإكليروس والنخبة الكنسية.. 
وليعلم الجميع أَنْ لا كنيسة روحية بالحقيقة دون إدارة يبذلها نبلاء الشعب للمال الكنسى، ودون توجيه يقدمونه للعلاقة الحتمية بالعالم.. 
.. ... 
لن يعود المال هَمَّا يحمله الإكليروس، ويفسدون شخوصهم لأجله، فتفسد رسالتهم السامية.. 
لن يعود هنالك بعد كاهن موسر وكاهن بائس.. 
ولن يكون هنالك بعد أسقفاً منتفخ الأوداج بالمال وأسقفاً لا حول له ولا قوة.. 
ولن يعود أحد يضحك على المغفلين البسطاء بشعوذات المال.. 
... ... 
خراب الخدمة الكنسية في أي عصر وأى مكان حدث – عندما حدث – بسبب المال.. 
وفساد الإكليروس -إذا تفشى- كان المال هو آلة هذا الفساد الجهنمية.. 
المال دائماً كان معولاً رِجْسَاً لتخريب الخدمة وفساد الإكليروس..
وكان السعي للمال والقبض عليه دائماً مُضَيِّعاً لرسالة المسيح ومبدداً لها..
فلنرفع هذا النير فوراً عن كاهل الكنيسة.. 
وليبرأ الإكليروس عاجلاً من لعنة المال وإفساده.. 
 
ولتصر الكنيسة مرة أخرى عروساً نقية صالحة للمسيح.. 
لترتفع الكنيسة من عثرتها التي أسقطها فيها المال، 
وتعود مستحقة النعمة، 
فتنتقل من زمان اللعنة إلى زمان الحب.

 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع