الأقباط متحدون - سنغافورة وسويسرا.. البَلَدان الأكثرَ رتابةً في العالم!
  • ١٠:١٨
  • الاثنين , ١٩ فبراير ٢٠١٨
English version

"سنغافورة وسويسرا.. البَلَدان الأكثرَ رتابةً في العالم!"

٢٤: ١٢ م +02:00 EET

الاثنين ١٩ فبراير ٢٠١٨

سنغافورة: يعتبر باراغ خانا أن المدن الكبرى مثل الدويلة التي يعيش بها مع عائلته هي من أهم العوامل المحفزة للديمقراطية.
سنغافورة: يعتبر باراغ خانا أن المدن الكبرى مثل الدويلة التي يعيش بها مع عائلته هي من أهم العوامل المحفزة للديمقراطية.

أدت نظريات الخبير السياسي الأمريكي ـ الهندي باراغ خانا وكتبه المثيرة للجدل إلى تواجده في جميع وسائل الإعلام. سواء كان ذلك في المحطة الإخبارية الأمريكية سي ان ان أو في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس أو حتى على الفيس بوك: إذ يُعتبر خانا نجماً ثقافياً على مستوى العالم. فيما يلي مقابلة مع الرحالة الذي يجوب العالم بلا كلل أو ملل والذي يعشق الرتابة الديمقراطية.

نهاية الإطار التوضيحي
مزيد من المباشرة والرقمية والمحلية: يسعى الخبير السياسي الأمريكي الهندي والمؤلف ذو الأربعين عاماً باراغ خانا إلى تقوية الديمقراطية على مستوى العالم.

 وهو يرى أن مراكز كبرى مثل سنغافورة تعتبر محركات لهذا التطور. صحيح أن هذا البلد تتولى الحكم فيه أسرة حاكمة إلا أنه يتم استطلاع رأي المواطنين هناك بصورة يومية.

لذلك فإن خانا يهوى سويسرا وديمقراطيتها المباشرة بشدة.وهو يصهر كلا النظامين فيما يسميه بـ "الدولة الرقمية المباشرة". حيث تستند الحكومة والمؤسسات الحكومية القوية في قراراتها إلى مشاركة المواطنين المستمرة بالرأي. وهذا ما تأسس عليه الاستقرار والاستمرارية في نظامي سنغافورة وسويسرا بحسب رأي خانا.

 تناقض ظاهري
 تُظهر المقابلة مع رب الأسرة جانباً آخرا من شخصية خانا: إنه المؤيد المتحمس لـ "الديمقراطية الرتيبة". أما ما يقصده بذلك فسوف نعود إليه لاحقاً. على أية حال فإن الحياة التي يعيشها ذلك المواطن العالمي تعتبر نقيض الرتابة تماماً.

لقد بدا مكان اللقاء في البداية اعتيادياً، وشبه ممل: وهو بهو استقبال أحد الفنادق في وسط المدينة.

إلا أن المكان كان أولاً مختلفاً، وثانياً كان مختلفاً عما يمكن أن تتخيله: ذلك أن بهو الإستقبال في فندق "أوازيا" الذي افتتح قبل عام يقع في الطابق الثاني عشر ويبدو وكأنه نظرة على عالم المستقبل.

لقد كان مبنى الفندق الشاهق الذي يحيطه سور من النباتات في قلب تلك الدويلة ينفتح هنا في الأعلى ليصبح بهواً حضارياً ينهمر فيه الضوء وتكسوه مساحات من الحشائش وتتناثر فيه النوافير وشلالات المياه.. ومقاعدُ للجلوس بطبيعة الحال.


ليس ثمة تناقض: يرتحل باراغ خانا عبر الكرة الأرضية من نقطة هامة إلى أخرى. إلا أن أحب الأماكن لديه تظل سنغافورة وسويسرا، "أكثر بلدان العالم رتابةً".

"إنه مكان رائع، لأول مرة آتي إلى هنا"، يقول باراغ خانا بسعادة. لقد عاد ابن الأربعين للتو من إقامة استمرت أربعة أشهر في ألمانيا بغرض البحث العلمي. حيث كان قد حصل على منحة "ريتشارد فون فايتسزيكر" في مؤسسة روبرت بوش ببرلين.

 المدن كنقاط ملتهبة
 "المدن الكبرى تعتبر بمثابة محرك العولمة"، هكذا بدأ خانا الحديث. "ففي مسائل هامة مثل التعليم والمرور وحماية المناخ أصبح لمواطني مدن مثل سنغافورة الكلمة العليا".

 إذن فليس الأمر من قبيل المصادفة أن يصطفي خانا هذه الدويلة لتصبح موطنه الإختياري، حيث يعيش هنا مع زوجته وطفليه.

 ولد باراغ خانا عام 1977 في المدينة المليونية كانبور بشمال الهند، ورغم أنه ليس عمدة المدينة إلا أنه يُعدّ من الشخصيات صاحبة الكلمة العليا في الوقت الحاضر. وهذا منذ عدة سنوات.

 صعود سريع
نشأ خانا بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا، وحصل على درجة الدكتوراه من كلية الإقتصاد الدولية الرائدة بلندن.

ثم تلا ذلك تعيينات في منظمات مثل المنتدى الإقتصادي العالمي (مقره جنيف) وفي مؤسسة بروكينغز الفكرية الأمريكية. وفي عام 2008، قامت مجلة Esquire’s الأمريكية الشهيرة بوضع خانا الذي كان يبلغ آنذاك الثلاثين من عمره فقط ضمن قائمة "أكثر 75 شخصية تأثيراً في القرن الحادي والعشرين".

قبلها، قام المرشح الأمريكي آنذاك باراك أوباما باختيار ذلك الشاب الذكي ضمن فريقه الإستشاري للسياسة الخارجية. ومنذ ذلك الحين، اعتُبر خانا واحداً من الخبراء الرائدين في مجال العولمة. كما أنه يعلق بصفته "مشارك عالمي" على الأحداث الدولية في محطة التفزيون الأمريكية الإخبارية سي ان ان.

"مرحباً بكم في باراغيستان"
بنفس هذه الثقة بالنفس كان ظهور ذلك المثقف النجم على الفيس بوك، حيث يحظى بحوالي 650 ألف متابع على شبكة التواصل الإجتماعي تلك. وهذا العدد في تزايد يومياً.

هنا يحيي خانا الزائرين بدون أن يدلف إلى "باراغيستان"، أي بلد أحلامه أو ما يعرف بـ "دولة باراغ". فمقاطع الفيديو التي يبثها باستمرار قد تعطي انطباعاً بأن ذلك الرجل قد تلقاه في كل مكان على وجه الأرض، وأن لديه إجابات جاهزة على كل الأسئلة الملحة.

لا يخلط الأمور ولا يُجمّلها
في الواقع، يُعزى ذلك - بخلاف اطلاعه العلمي الواسع - إلى عشقه اللانهائي للسفر إلى كل ركن في العالم وتبادل الحديث هناك مع الناس.

"لقد زرت في الخمسة عشرة سنة الأخيرة أكثر من 100 بلد في كل مناطق العالم وكنت أحاول فهم الحلول التي انتُهجت في ذلك المكان"، يقول خانا.

لخص خانا معارفه في عدة كتب، حيث عرض فيها تصوراته لمستقبل أفضل.

ففي كتابه "Connectography"رابط خارجي (أي: "علم الترابط"، الذي صدر عام 2016 عن دار نشر Weidenfeld&Nicolson)، يبين خانا كيف أن الجيوسياسية والعولمة ليس مكانهما فقط في هياكل الدول القومية القديمة، وإنما كذلك في الكيفية التي تشابك بها العالم اقتصادياً وسياسياً وفكرياً.

هنا، يؤيّد خانا تقوية الديمقراطية المحلية على مستوى العالم. وهو يبعث بتلك الرسالة إلى كل مكان وطئته قدماه. وقد تأثر خانا في موقفه هذا بالمُنظر الأمريكي الديمقراطي بينجامين باربر، الذي كان مشرفاً على خانا في جامعة بركلي بكاليفورنيا، كما تبادل معه أحاديثاً ملهمة.

نحو "تكنوقراطيات مباشرة"..
إذا نظرنا إلى الأمر بسطحية تبدو هذه النظرة متناقضة إلى حدٍ كبير مع آخر مؤلفاته "Technocracy in America" (أي: التكنوقراطية في أمريكا أو بحسب الترجمة الألمانية: "Jenseits von Demokratieرابط خارجي" أي: بعيداً عن الديمقراطية). حيث ينتصر خانا في هذا الكتاب لنظام "التكنوقراطية المباشرة". ويذكر نماذجاً للأنظمة الحكومية المستقبلية، ومنها ـ بخلاف موطنه الإختياري سنغافورة ـ سويسرا في المقام الأول. ذلك أن "كلا البلدين يختلفان بقوة عن أنظمة الحكم التمثيلي، كما نعرفها مثلاً في بريطانيا أو في الولايات المتحدة الأمريكية"، بحسب قول خانا.

ويستطرد الكاتب موضّحاً لي أن عناوين الكتب التي تختارها دور النشر تتسبب في سوء الفهم إلى حدٍ ما. "إنني لا أؤيد أبداً إلغاء الديمقراطية، وإنما أسعى على العكس إلى تقويتها".

تناقض ظاهري فقط
إن ما يقلقه في سنغافورة هو أن هذه الدويلة التي يُجِلّها تحتل موقعاً متردياً في التصنيف العالمي الخاص بالديمقراطية والحريات.

لكنه يقول مُهوّنا من هذه النتائج: "حسب رأيي، تستخدم هذه التصنيفات وسائل عفا عليها الزمن وتسترشد بالديمقراطيات الإنتخابية التقليدية".

وبحسب رأي خانا، يرجع نجاح واستقرار دولة سنغافورة ذات الحزب الواحد في الواقع إلى القيادة السياسية التي تنسق عملها بصورة دائمة ويومية مع أولويات المواطنين، وتراهن في ذلك على أحدث وسائل التواصل الرقمي.

قبل التغييرات الجذرية
بصفتها دويلة مستقلة تأسست عام 1965 وسط اضطرابات سياسية واقتصادية متعددة في جنوب شرق آسيا، استطاعت سنغافورة خلال نصف القرن الماضي بالفعل أن تطور نموذجاً اجتماعياً ناجحاً ذا تأثير عالمي قوي.

ولكن إلى أي مدى يُعتبر هذا النموذج مستديماً؟ هذا أمر يرى باراغ خانا أنه غير محسوم بتاتاً! ففي الأعوام القادمة، يتوقع حدوث تفكك كامل ونهائي للأسرة الحاكمة لمؤسس الدولة لي كوان يو (1923 ـ 2015). ولا يزال ابنه لي هسين لونغ يقود البلاد كرئيس للحكومة حتى الإنتخابات القادمة عام 2020.

ويزيد على ذلك بأن "المشاركة في اتخاذ القرار" لا يُمكن الحديث عنها في سنغافورة دون قيد أو شرط. فصحيح أنه يُوجد ما يطلق عليه مشاركة المواطنين إلا أنها تتخذ حتى الآن طابعاً استشارياً وهي بذلك رهن النوايا الحسنة للأسرة الحاكمة.

 الديمقراطية المباشرة الجادة
لذلك، فإلى جانب ترسيخ الديمقراطية محلياً بقوة وتحولها الرقمي، يُطالب باراغ خانا كذلك بمزيد من الحقوق المباشرة للشعب على غرار ما يحدث في سويسرا.

"الديمقراطية التمثيلية بدون إمكانية مشاركة المواطنين في القرار السياسي بين كل انتخاب وآخر، تجعل من النظام السياسي أقرب للحكم التمثيلي كما نراه في الكثير من الأنظمة الرئاسية"، بحسب قوله.

من الطريف أن يستخلص خانا عوامل مشتركة واضحة بين سنغافورة وسويسرا. إذ يشير إلى أن "سويسرا بسبب نموذجها التوافقي الذي يُدمج جميع القوى السياسية الهامة تعتبر نظاماً تكنوقراطياً بدرجة أكبر مما تريد هي نفسها أن تعترف به". وهذه نظرة من الخارج مثيرة للإهتمام، وقد تصطدم في سويسرا باعتراض البعض.

"الرتابة": الإستمرارية بدلاً من الضجيج الدائم
إن مطالبته بديمقراطيات تحظى بمزيد من المباشرة والرقمية وتترسخ محلياً بقوة تجعل من باراغ خانا نصيراً متحمساً للديمقراطية. وهو يعبّر عن نفسه بصفته مؤيّداً كبيراً لـ "الرتابة السياسية". وقد يرى البعض أن هذه عبارة غريبة، لذلك طلبتُ منه التوضيح.

"الدراما والتراجيديا في الديمقراطيات، كما يمثلها انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سبيل المثال، لا تجلب للناس سوى التوتر. والأفضل هو ما يحدث في سنغافورة وسويسرا بأن تتولى نفس القوى السياسية المسؤولية لفترة زمنية طويلة وأن تحافظ في ذات الوقت على تبادل الآراء والحوار مع المواطنين بصورة يومية".

الكلمات المتعلقة
تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة أو مصدقية أي خبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.