الأقباط متحدون - رفاع الصوم الكبير
  • ١٢:٤٢
  • الأحد , ١١ فبراير ٢٠١٨
English version

رفاع الصوم الكبير

نسيم عبيد عوض

مساحة رأي

٣٧: ٠٨ ص +00:00 UTC

الأحد ١١ فبراير ٢٠١٨

 الصوم الكبير
الصوم الكبير
بقلم نسيم عبيد عوض
 
يعيش المسيحيين جميعا – ماعدا بعض الطوائف- هذه الأيام فى حياة الإستعداد للصوم الكبيرالمقدس ‘ وأعتبر مقدسا لأن السيد نفسه قد صامه " فبعدما صام اربعين نهارا واربعين ليلة جاع أخيرا."مت 4: 2‘ ويصوم الأقباط 7ايام قبل الأربعين يوما (بدلا من 7 سبوت لم نصوم فيها) وبعده أيضا 7 أيام وهو أسبوع الآلام(البصخة) ‘ثم الإحتفال بعيد القيامة ‘ والكنيسة لها طقوس وترتيبات بالقراءات والألحان خلال فترة الصوم تلهب المشاعر روحانية عالية حتى يسميه الآباء قدس أقداس السنة كلها ‘ لتميزه بالنسك والتخشع والتوبة وتبدأ القراءات فى التسلسل إعتبارا من الأحد الثانى من شهر أمشير كما يلى:

 
أسبوع اشباع الجموع بالخمس خبزات والسمكتين والمسمى باسبوع البركة(يو6: 5-14).
 
وهذا الفصل من انجيل معلمنا يوحنا البشير يرجعنا فيه الى عناية الله بشعبه فى البرية أربعين عاما ويعولهم بخبز سماوى‘ وبالتأمل فى عرض يوحنا لهذه المعجزة بالوحى الإلهى تغوص فى أعماقنا دروسا روحانية 1- الشكر:  حياة المؤمن المسيحى هى حياة شكر لله خالقه ليل نهار ‘ كما فعل يسوع وقبل أن تخرج من يده البركة يقول الكتاب " وأخذ يسوع الارغفة وشكر .."يو6: 11 ‘ لكى يعلمنا أن نقدم لإلهنا ذبيحة شكر فى صلواتنا ‘ وأيضا يذكرنا بسر الشكر (الأفخارستيا) الذى نتناول فيه جسد الرب ودمه (يعطى لمغفرة الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه )‘ لأن الرب يسوع هوالخبز الحى النازل من السماء‘ حتى ان الرب يقول" فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم ان لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم." يو6: 53 ‘والجموع التى عادت ثانية للبحث عن الخبز عرفت أنه بالشكر تتحقق المعجزات ‘ فيقول الوحى الإلهى" غير أنه جاءت سفن من طبرية الى قرب الموضع الذى أكلوا فيه الخبز إذ شكر الرب .""يو6: 23‘ ولعل بولس الرسول قد تعلم ذلك من معلمه ‘ فبعدما  صاموا فى السفينة المشارفة على الغرق ‘ وطالبهم الرسول بالأكل لتحمل المشاق المحتمله ‘ يقول الكتاب " ولما قال هذا أخذ خبزا وشكر الله أمام الجمع وكسر وإبتدأ يأكل."أع27: 35 ‘ والملاحظ فى رسائل القديس العظيم بدء كل رسائله بالشكر ويكتب أولا أشكر إلهى ‘ كما يطالبنا" نشكر الله بلا إنقطاع."2تس2: 13‘ وأيضا" اشكروا فى كل شيئ."2تس 5: 18‘ فالشكر ذبيحة نقدمها للرب على كل ما أعطانيه كقول المرتل" اللهم على نذورك أوفى ذبائح شكر لله." مز56: 13. وحقا صدق من قال " ليست عطية بلا زيادة إلا التى بلا شكر."
 
البركة
وهذا الفصل من الإنجيل يسمى انجيل البركة ‘ فإذا جاء شهر قبطى بخمس آحاد نصلى فى الخامس - لأنه بركه- وبفعل البركة‘ على إعتبار ان هذه المعجزة هى حصاد بركة الله لطعامنا ولحياتنا كلها ‘ والله يحب أن يعطينا بركة‘ وأول من باركة الرب هو آدم حسب قول الكتاب " وباركه ودعا اسمه آدم يوم خلقه." تك5: 2‘ وبركة الرب لأبونا إبراهيم فى العهد القديم  تتمثل فى حب الله لإبراهيم وإختياره فيقول له " فاجعلك امة عظيمة واباركك واعظم اسمك . وتكون بركة. وابارك مباركيك ولاعنك العنه.وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض."تك12: 2-3. والبركة لمن يسمع وصايا الرب ويسير بها فى مخافة وخشوع ‘ وعلى أرض كنعان قال موسى لشعبه يذكرهم بوعد الرب" البركة إذا سمعتم لوصايا الرب الهكم التى أنا أوصيكم بها اليوم."تث11: 27 ‘ وحياتنا كلها بطولها وعرضها المرضية أمام الله هى حصاد بركة الرب لنا ‘ ونأكل ونشبع ويفيض ‘ ولذلك يعلمنا أن لا نهتم بطعام أجسادنا ويقول " ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله." 
 
الشبع 
 الشبع الروحى هو مايهم ربنا أولا ‘ وإشباعنا بالطعام فهو يتولاه كما يهتم بطيور السماء التى لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن ‘ هو يقوتها ‘ ومبدأ الله فى ذلك يشبعنا ويفيض عنا ‘ وهذا ماقاله إليشع النبى لتلميذه جيحذى عندما اعترض على طلب النبى بان يقدم عشرين رغيفا لمائة رجل فى ضيافته " فقال اعط الشعب فيأكلوا لانه هكذا قال الرب ياكلون ويفضل عنهم . فجعل امامهم فاكلوا وفضل عنهم حسب قول الرب." 2ملو 4: 43و44. أما الشبع الروحى الذى يطوبه الله " طوبى للجياع والعطاش الى البر لأنهم يشبعون ."مت5: 6‘ وقول السيدة العذراء مريم " أشبع الجياع خيرات .."لو1: 53‘ وأيضا فسر الرب يسوع هذا الشبع " فقال لهم يسوع انا هو خبز الحياة .من يقبل الي فلا يجوع ومن يؤمن بى فلا يعطش ابدا. " يو6: 35 ‘ وهو الذى قال "اطلبوا ملكوت السموات وبره وهذه كلها تزاد لكم."  والشبع الروحى ببر المسيح هو غفران الخطايا وقداسة أرواحنا .
 
أركان العبادة المسيحية:
الصدقة والصلاة والصوم ‘ أو وسائل الشحن الروحى لحياتنا الإيمانية وجهادنا الروحى على الأرض‘ويتم قراءة هذا الفصل فى أحد رفاع الصوم الكبيرمت 6: 1-18‘ والتأمل لذكر هذه الأركان الثلاثة قبل الصوم له أسبابه:
  1- الصدقه يطوبها الله " طوبى للرحماء على المساكين فان الرحمه تحل عليهم والمسيح يرحمهم فى يوم الدين ويحل بروح قدسه فيهم

. ويعتبرها الله له المجد       " الحق أقول لكم بما انكم فعلتموه باحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم."   مت25: 40. والصدقة نحيا بها الى الأبد وبها نخلد ونرحم.
 
2 - بالصلاة نفتح باب السموات ونرتقى فى النعمة الى القداسة.
 
   3- وبالصوم نقفل باب الشهوات ونعطى فرصة للروح ان تنتصر على أغواء الجسد.
 
تعريف الصوم:
كما ورد فى المجوع الصفوى" الصوم هو إمتناع الإنسان عن الغذاء وقتا معينا فى الشريعة ‘ وطاعة لمن شرعه ‘ لتمحيص الذنوب ‘وتعظيم الثواب ‘والقصد أن تضعف القوة الشهوانية فتنصاع للنفس الناطقة‘ كما ان قصدها بالصلاة طاعة القوة الغضبية للعقل والروح. ومثلنا فى ذلك أبونا آدم خلق على غير فساد وأعطى العشب وثمار الأرض ليأكل ولم يسمح له بأكل اللحوم ولا المنتجات الحيوانية ولهذا كانت حياته :
 
  أ- نور وافر ينبهه بما يجب عمله .
 
ب- معرفة كاملة بجميع الأمور الطبيعية.
 
 ج- اتحاد بين النفس والجسد. 
 
 د- سلطان كامل على جميع الوحوش وطير السماء وسمك البحر .
 
وعندما عصى آدم فقد نعمة البر الأصلى ومواهبها وأهمها وحدة النفس والجسد‘ وحدث إختلال بين الجسد والروح كما يفسرها معلمنا بولس الرسول" لأن الجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد وهذا يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون. وهكذا غلب الشيطان آدم بالأكل وغلبه المخلص بالصوم.
 
الصوم المرفوض:
يسأل بنى إسرائيل الله " لماذا صمنا ولم تنظر. ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ. فيجيبهم قائلا: ها انكم فى يوم صومكم توجدون مسرة. وبكل أشغالكم تسخرون .ها انكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشر.لستم تصومون كما اليوم لتسمع صوتكم فى العلاء"اش58: 3و4 .           والصوم الذى لا تتكامل فيه النفس بالصلاة والصدقة صوم مرفوض‘ والصوم الذى يهتم فيه الإنسان بما يأكل ويشرب صوم مرفوض‘ وإذا لم يقترن الصوم بالتوبة عن الخطايا وبصلاة مواظبة وبصدقة مقبولة لا يحسبه الرب صوما. 
 
الصوم المقبول:
يرد الرب على بنى إسرائيل لماذا لم يقبل أصوامهم بتعريفه الصوم المقبول عنده" حل قيود الشر. فك عقد النير (العبودية) وإطلاق المسحوقين أحرارا. وقطع كل نير .أليس ان تكسر للجائع خبزك‘ وأن تدخل المساكين التائهين الى بيتك ‘ وان رأيت عريانا أن تكسوه وان لا تتغاضى عن لحمك.إش58: 6و7. ويهبنا الرب ثمار الصوم المقبول فيحددها " حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعا ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع ساقتك. حينئذ تدعو فيجيب الرب.تستغيث فيقول ها انذا .. يشرق فى الظلمة نورك ويكون ظلامك الدامس مثل الظهر . ويقودك الرب على الدوام ويشبع فى الجدوب نفسك وينشط عظامك فتصير كجنة ريا وكنبع مياه لا تقطع مياهه."اش58: 8-12.
 
وهكذا أصبح الصوم فى عهد النعمة والحق – العهد الجديد – هو حياة البذل والعطاء وهو حياة النسك لإقماع شهوات الجسد ‘ وهو حياة العبادة الروحية‘ وأصبحت العبادة من صدقة وصلاة وصوم هى حياة حب عميق تثبت فى نفوسنا الإيمان والرجاء والمحبة ‘  يربطنا بالله أبينا بالمسيح يسوع ربنا. والتى هى الدخول الى حضن الآب السماوى ‘ ولذلك يعلمنا الرب" وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل."يو10: 10‘ وأصبح غاية الصوم فى المسيحية هو نقاوة القلب أو معاينة الله كأب يتقبل حبنا له‘وهو الذى قال " طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله. ولذلك يقوم عدو الخير بتوجيه ضرباته حتى ينحرف القلب بعيدا عن الله فيصير صومنا صيام شكلى يهتم بالأكل وليس بالروح .
 
أننا لا نصوم من أجل الصوم ذاته ولا لأجل الحرمان من الأكل ‘ إنما لأجل ضبط النفس وأنطلاق القلب الى الحياة السماوية. فلنهتم أن يكون صومنا فترة عبادة روحية ‘ نرجع فيه لربنا مقبولة توبتنا ويعطينا ثمارها فنكون على الطريق الصحيح والوحيد للحياة الأبدية‘ ونكنز لنا كنوزا فى السماء تشفع فينا يوم الإنطلاق من هذا العالم‘ وأهنئكم جميعا بالصوم المقدس . وكل عام وانتم بخير. 
 

 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
حمل تطبيق الأقباط متحدون علي أندرويد