الأقباط متحدون - هل ستبقى مصر والسودان «حتة واحدة»؟
  • ٠١:١٥
  • الجمعة , ١٢ يناير ٢٠١٨
English version

هل ستبقى مصر والسودان «حتة واحدة»؟

مقالات مختارة | عبد اللطيف المناوي

٠٤: ١٢ م +02:00 EET

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨

عبد اللطيف المناوي
عبد اللطيف المناوي

اعتاد المصريون والسودانيون أن يصفوا طبيعة الارتباط بين البلدين بالتعبير العامى الشهير «مصر والسودان حتة واحدة»، وهم بذلك يعبرون عن طبيعة العلاقة بين البلدين، والتى يصدق عليها الوصف بـ«العلاقة التاريخية»، التى تميزت على مر العقود بالكثير من عناصر المودة والتلاحم وحسن الجوار، وحين تزور بعض المناطق فى جنوب مصر أو شمال السودان من الصعب فى أحيان كثيرة الحسم بجنسية شخص أو آخر، حيث تشعر أنهم أبناء بلد واحد وبينهم روابط دم ومصاهرة لا يجب أن تفرقها السياسة.

ومع ذلك ظل هناك الكثير من عناصر التوتر فى علاقات البلدين، كثير منها انعكاس لتاريخ من عدم الفهم المتبادل فى أحيان كثيرة لعدم فهم كل طرف نفسية الطرف الآخر، وبالتالى تتسبب مواقف تبدو بسيطة فى تعقيدات غير متوقعة.

كنت من أوائل مَن زاروا السودان بعد يوم واحد من الانقلاب الذى كان غير واضح الملامح 1989، والذى قاده عمر البشير، تصور كثير من المسؤولين المصريين وقتها أن القادم نظام صديق، ولم يمر كثير من الوقت حتى ظهرت ملامح النظام الجديد وهويته التى ارتبطت بتيار الإسلام السياسى، وظل هذا الملمح هو الأساسى فى كل مراحل تقلبات النظام الأساسية والتحالفية. ورغم فترات التقارب التالية ما بين النظامين، أو ما بدا أنه تقارب، لم يختفِ أبداً عن المشهد ذلك الشعور الطاغى بتوجهات عدائية للنظام السودانى الجديد نحو النظام المصرى. ورغم اتفاقيات التكامل ظل ما فى القلب حاضراً ومؤثراً فى أوقات كثيرة. ويمكن هنا استدعاء الكثير من المواقف ومن خطب الرئيس المصرى الأسبق حسنى مبارك التى تحدث فيها عن هذه الخلافات، ولكن فى ذات الوقت استمر يؤكد أهمية التعاون والتقارب والعمل على تقليل فجوة الاختلاف.

أحد ملامح النظام السودانى القائم أنه عاش طوال فترة وجوده، التى اقتربت من ثلاثين عاماً، على وقود الأزمات، فقد شكّل ما واجهه النظام من مشكلات وحروب وحصار وضغوط دولية وإقليمية سببا رئيسيا فى بقائه، بل إن بعض المراقبين قد ذهبوا إلى حد الاعتقاد بأن النظام نفسه يسعى فى أحيان عديدة إلى اختلاق أزمات من أجل ضمان التفاف شعبى أو ليبرر سلوكا قمعيا داخليا.

الحكم فى السودان لديه مشاكل داخلية عديدة، ويحاول تغطيتها بأزمات متعددة مثلما استغل الخلاف مع الجنوب، والذى وصل إلى حد تقسيم السودان، وكذلك أزمات دارفور وجبال النوبة، والهجمات العسكرية عليه لضرب ما اعتبرته بعض الدول مصنعاً لأسلحة كيميائية، وكذلك طلب المحكمة الجنائية الدولية القبض على الرئيس السودانى لمحاكمته فيما وُصف بأنه «جرائم إبادة». إحدى الوسائل التى استخدمها النظام السودانى على فترات كانت الهجوم على مصر وتصويرها على أنها مصدر الخطر والشرور للسودان، فى محاولة لخلق «عدو خارجى» يشغل به شعبه عن أزماته الاقتصادية والسياسية العميقة.

المشكلات السياسية هى أحد العناوين المهمة فى توصيف العلاقات بين البلدين، وبدون تردد كبير يمكن وصف مواقف الحكومة السودانية القائمة بأنها عدائية فى عدد من الملفات المهمة، وتحالفات السودان الأخيرة يمكن أن تقف دليلا على ذلك.

على الرغم من إدراك هذه الحقائق، فإن الإدراك المصرى الرسمى لأهمية استقرار العلاقة مع السودان ظل حاكماً للسلوك المصرى، وليس أدَلّ على ذلك من تجاوز النظام المصرى الجديد عن الدعم المطلق، الذى كان النظام السودانى يقدمه للإخوان المسلمين فى العام الذى حكموا فيه، وكذلك التقارب الفكرى بين الإخوان والحكم فى السودان، وكان هناك حرص على ترطيب العلاقات بشكل دائم، لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن يتعكر صفو العلاقات بين مصر والسودان، خصوصاً بعد ذلك المشهد الشهير، الذى منح فيه الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى نظيره السودانى عمر البشير وسام «نجمة سيناء» المصرى، تقديرا لمشاركته ضمن لواء تابع للجيش السودانى فى حرب السادس من أكتوبر 1973.

مرت شهور على ذلك الحدث قبل أن تتخذ الأمور منحىً آخر، لعب فيه «الإعلام» دورا ملحوظا فى التوتر، حتى وصلت الأمور إلى قرار السودان بسحب سفيره من مصر، الخميس الماضى 4 يناير، بغرض التشاور.

لم يكن التراشق الإعلامى بين البلدين إلا سببا زاد من تعقيد الأمور، وما أراه أنه كان لابد ألا يقع الإعلام فى مصيدة ضرب العلاقات بين البلدين، وأن يترك المساحة للدبلوماسية لإدارة هذا الملف المعقد، وإذا كان هناك تدخل من الإعلام فكان الواجب أن يكون شارحاً بهدف صيانة العلاقة بين الشعبين، وليس النفخ فى نيران الاختلاف، واستخدام طرح عنصرى وفوقى من بعض الإعلاميين المصريين أحيانا، وطرح عصبى ضيق الأفق من إعلاميين سودانيين أحيانا أخرى، وغياب الحصافة والدبلوماسية عن مسؤولين سودانيين فى التعبير عن مواقفهم أو غضبهم عدة مرات.

ولذلك لسان حال الحكماء، اليوم، يقول: «الإعلام لابد أن يبتعد عن التدخل بهذا الشكل المثير للفتن فى العلاقات بين مصر والسودان، وإذا كان هناك من دور فهو تأصيل مفهوم وحدة الشعبين وتعظيم مفهوم المصالح المشتركة وارتباط المصير».

الكلمات المتعلقة