الأقباط متحدون - مسجد الروضة وخفافيش النهار !!
  • ٠٩:٢٣
  • السبت , ٩ ديسمبر ٢٠١٧
English version

مسجد الروضة وخفافيش النهار !!

مدحت بشاي

بشائيات

١٩: ٠٢ م +02:00 EET

السبت ٩ ديسمبر ٢٠١٧

مسجد الروضة
مسجد الروضة

 مدحت بشاي

لاشك ــ وعلى رأي المثل " ياما دقت على الراس طبول " ــ أننا قد اكتسبنا خبرات في شكل تعامل مؤسسات الدولة مع الأزمات الصعبة التي تحل بالوطن وفي مقدمتها أحداث جرائم خونة الوطن ومعدومي الضمير والإنسانية وما يتبعها من نتائج سلبية على الأرض ، فقد شهدنا تحسن إلى حد كبير في أداء الأجهزة المعنية بالدولة في التعامل مع كارثة " مسجد قرية الروضة " البشعة والغير مسبوق حدوثها في مدى جنون مرتكبيها ووحشيتهم وما خلفته جريمتهم من خسائر ضخمة في الأرواح ( 311 شهيد وأكثر من 100 مصاب ) وبتطور نوعي في استخدام نوعية أسلحة تجاوزت خطورتها عتاد أي ميليشيات إجرامية في كل الدنيا !!
 
أعود إلى التعامل مع الأزمة ، وباستثناء هذا الإلحاح الإعلامي الغبي لاستنطاق إمام المسجد للإدلاء بتصريحات وهو منهار من هول المشهد من جانب معظم الشاشات للحصول على سبق غير إنساني ، وكمان التكرار الممل بعرض أفلام ومواد تقليدية ساذجة بصيغ موجهة ، فقد كان التعامل الإعلامي بشكل عام والحضور المهم والمتابعة متميزاً عن كل التعاملات في الأحداث الشبيهة من قبل ، و كان إعلان أرقام الضحايا أولاً بأول بمتابعة مهنية وبشكل مسئول أمر محمود ، فإذا أضفنا ظهور الوزراء ذات الصلة بإدارة الأزمات وإعلان نتائج متابعاتهم و تصريحات مسئول الهيئة العامة للاستعلامات وما أعلنه من معلومات ونهج جديد للهيئة للتعامل مع الأزمات أمراً طيباً ، فتحية لهم ،  وننتظر المزيد من تفعيل آليات العمل الحكومي الجاهز دوماً بتفاعل جيد عند إدارة الأزمات..
 
ويبقى في النهاية المُشكل الرئيسي في التعامل مع الجانب الفكري مع " أهل الشر " كما أطلق عليهم الرئيس " السيسي " الذي كرر الحديث عن ضرورة إصلاح الخطاب الثقافي والديني لدرء شرورهم ، ولكن ــ للأسف وبعد مرور أكثر من 3 سنوات على إعلان غضبه في هذا الصدد ولا خطوات أو حلول ناجعة مفيدة في بناء استراتيجية قادرة على دعم الوصول إلى الجماهير لتُصلح بالتدريج مفاهيم بالية تم تكريس وجودها بين البسطاء من أهالي بلدنا الغلابة معرفياً ومادياً ظلوا معها العديد من الحقب الأخيرة يمثلون الصيد الثمين لأصحاب دعاوى التكقير ومعلمي مدارس " الإخوان " ومندوبي الجمعيات المشبوهة !!   
 
قبل أكثر من نصف قرن من كل تلك الأحداث كتب عن "الإرهاب إذا حكم " الشيخ الجليل أحمد حسن الباقوري برؤية استشرافية عظيمة مقالاً لمجلة  " المصور" في نوفمبر 1954 وكان يشغل حينها منصب وزير الأوقاف بعنوان " لو أدرك الإرهاب غايته ".. مؤكداً في متن المقال أن دولة الإرهاب لن تدوم لشهور ...
 
جاء في المقال : لقد وقى الله البلاد الشر ، ونجاها من فتنة ، كانت ستأكل الأخضر واليابس ، وتشقى المذنب والبريء وتصرخ بصوتها الأجش في كل سمع ، وتتراءى بصورتها الدامية في كل عين وتنال بخرابها ودمارها كل مكان ، وليس يستطيع تصور هذه الفواجع على ما ينبغي لها إلا أولئك الذين عاشوا من طريق الدراسة ، والبحث التاريخي في عصور الدول المتتابعة التركية ، ورأوا كيف كان الطريق إلى الحكم مفروشاً بالسلاح المحطم ، والدم المراق ، وكيف كان كرسي الحكم قائماً في الشعب على عمد واهنة من المرض المتفشي ، والجوع القاتل ، والأمن المسلوب ، إن الذي يقرأ قضية الإرهاب ملخصة يدرك في يقين أن الحكم لو أدرك الإرهاب غايته ، ما كان ليستقر لطائفة في الأمة مهما كانت قوتها ، ومهما كانت الوسائل التي تعتمد عليها في الداخل أو الخارج ، وليس هناك إلا فرضان لا ثالث لهما : فإما أن يحكم الإرهاب حكماً سافراً باسم الإسلام ، وإما تحكم حكومة تحت وصاية الإرهاب على نفس القواعد الراهنة ، وبنفس المنهاج القائم .
 
ويضيف " الباقوري " : وسيقول الإرهابي لنفسه : إن دور اللهو من المسارح والسينما عمل لا يرضى عنه الشرع ، ولهذا فلا بأس أن يفكر في إصدار تشريع يحرم ارتياد المسارح والسينما .. "
 
انتهى الاقتباس من المقال الأكثر من رائع مع مراعاة تاريخ كتابته ومكانة كاتبه ...
 
وقبل تاريخ كتابة ذلك المقال بحوالي عشرين سنة  جاء في كتاب " مستقبل الثقافة في مصر " 1937 وصف د. طه حسين مؤلفه حال شبابنا المتعطش لتعليم وتثقيف جيد نتيجة تخلف نظم التعليم .. كتب " وإذا هو ينشأ ضعيف العقل ، فاسد الرأي ، مشوه التفكير ، عاجزاً عن الفهم والحكم ، مستعداً للتأثر بكل ما يُلقى إليه ، والاستجابة لكل ما يُدعى إليه ، وهذا النوع من الشباب خطر على نفسه وعلى أمته ، لأنه خطر على النظام الاجتماعي دائماً ، فيجب أن ننزع من رؤوسنا فكرة القناعة بالقراءة والكتابة والحساب في التعليم الأولي ، وفكرة الاكتفاء بمحاربة الأمية ، فإنك لا تحاربها بهذا التعليم اليسير ، وإنما تؤجل سيطرتها على الأفراد لشر منها للتورط في كثير من ألوان الفساد الاجتماعي على غير فهم ، ولا علم ولا تمييز .. "..
 
يبقى في النهاية أن أعرب عن أملي في أن تقوم مؤسساتنا الدينية بتوخى الدقة في اختيار ممثليها من بين من هم على قدر رفيع من التفهم الموضوعي لثوابت الأديان وثقافة التشابك السياسي الإيجابي المدروس العارف بثقافة وتاريخ الشعب المرسل إليه الخطاب الديني المُطيب للخواطر والمُقنع للملهوف على الإجابة والمتعطف لثقافة دينية سمحة تُبلسم جراح الفرقة على أساس الدين والمذهب والرأي والانتماء الفكري ..