الأقباط متحدون - راجح داود وموسيقاه الملونة
  • ١٨:٠٧
  • الخميس , ٧ ديسمبر ٢٠١٧
English version

راجح داود وموسيقاه الملونة

مقالات مختارة | خالد منتصر

٤٧: ٠٦ م +01:00 CET

الخميس ٧ ديسمبر ٢٠١٧

خالد منتصر
خالد منتصر

أن تحضر حفلاً موسيقياً فى الأوبرا لفنان مبدع فى قامة راجح داود، فهذا يعنى أنك ستربط رابطة العنق، وفى الوقت نفسه ستفك أزرار جاكت الوجدان الجبس، وتخلعه وتلقى به خارج الصالة، هذا الجاكت الذى طالما غلف روحنا المتكلسة وحنّطها فى تابوت الجاهز والمألوف والعادى والصاخب والسوقى والمستهلك، السبت الماضى عشت نحو ساعتين مع موسيقى د. راجح داود فى ضيافة د. إيناس عبدالدايم، التى شاركت الأوركسترا، وعزفت صولو وتألقت وأكملت بريشة الفلوت الناعمة رسم هذا البورتريه الموسيقى الرائع، راجح داود يمثل حالة متفرّدة كنموذج إنسانى قبل كونه فناناً موسيقياً، فمن يعرفه عن قُرب يلمس تعفّفه عن التكالب على الثروة وعدم السعى إلى نفاق ومغازلة السلطة للحصول على كرسى أو منصب، لذلك هو متّهم بالكسل، لكنه ليس كسلاً، وإنما وسواس البيرفيكشن، أو البحث عن الكمال، قال فى أحد حواراته إنه من جيل لا يقبل النُّص نص، وهذا هو مفتاح شخصيته، هو لا يستطيع أن يتكلم إلا بالموسيقى، ولا يجيد إلاها، تجده معها وفى حضرتها منطلقاً حراً لا يتلجلج ولا يُتهته، خجول حين يواجه الجمهور،

جسور حين يواجه النوتة والأوركسترا، هو صوفى بدرجة مؤلف موسيقى، تحت الردنجوت يرتدى خرقة الحلاج، مقطوعاته لا يستعان بها لطقوس رقص الجسد، لكنها تستدعى لرقص الروح وسموها، آلاته الوترية تحس أنها مربوطة إلى شريان القلب، وآلات النفخ عنده تتسلل من مسام الجلد الدقيقة إلى شواطئ الروح اللامتناهية، كنت أحب فى عرض الأوبرا ألا تصحب موسيقاه أى صور من الأفلام أو المسلسلات، لم أتفاعل بصرياً إلا مع لوحات الفن التشكيلى التى صاحبت مقطوعة الفلوت، لأن وضعى فى برواز وكادر الشاشة يسجن خيالى المحلق وموسيقى راجح التى لا سقف لها ولا حدود ولا تفسيرات ضيقة مباشرة، فمن الممكن أن أتفاعل مع موسيقى الكيت كات وأرسم لها سيناريو بعيداً تماماً عن قصة إبراهيم أصلان، فموسيقى راجح ملونة بألوان الطيف كلها، وتتحمّل تحليق أجنحتى بعيداً عن تفسيرات صُنّاع الدراما، هى أكبر من كونها موسيقى تصويرية، فياليتنا لا نحصرها فى ذلك الركن المتواضع، أو تلك الزاوية الضيقة،

ولأن راجح مثقف أصيل شامل، وليس مجرد مؤلف موسيقى، مثقف مهموم بقضايا وطنه بجد وحتى النخاع، ولا أذيع سراً أن لقاءً جمعنا مع بعض الأصدقاء وسمعنا وقتها خبر مجزرة الروضة الخسيسة، وكان ذلك قبل الحفل بنحو أسبوع، لاحظت شروده وحزنه وغضبه، قرر فوراً تحويل تلك المشاعر إلى موسيقى، وكان أسبوعاً انتحارياً لم ينم فيه تقريباً، وأهدى فى نهاية الحفل ترنيمة الصلاة الأخيرة لشهداء مسجد الروضة، القبطى المصرى المتشرّب روح الثقافة المصرية فى خلاياه وروحه يهدى موسيقاه إلى شهداء المسجد المسلمين، ويقدم دعاءً فى الحفل نفسه يمنح مساحة رحابة وسماحة وسكون وتواصل، تركيبة راجح داود هى سبيكة مصرية لم تلوثها أتربة الكراهية ولا غبار الطائفية، هو ابن تلك الثقافة المصرية التى كان من أهم رموزها طه حسين الذى كان صديقاً، أو بالأصح أستاذاً لا يثق إلا فى تلميذه الأب سامى داود لقراءة ورعاية وتسكين مقاله فى جريدة الجمهورية، راجح داود حدوتة مصرية جميلة تجمع بين جسارة وجرأة الشاطر حسن ورقة وعذوبة وخجل بهية، راجح هو عقل حكيم راجح وقلب طفل شقى، لذلك موسيقاه عقل وقلب، منطق وجنون، تحقق مقولة نيتشه «الكون خطأ إذا لم تكن فيه موسيقى»!.
نقلا عن الوطن

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع