الأقباط متحدون - إلى أين وصل الخوارج فى الروضة؟!
  • ٠٢:٢٨
  • الاربعاء , ٦ ديسمبر ٢٠١٧
English version

إلى أين وصل الخوارج فى الروضة؟!

مقالات مختارة | خالد عكاشة

٠٥: ٠١ م +01:00 CET

الاربعاء ٦ ديسمبر ٢٠١٧

خالد عكاشة
خالد عكاشة

 الخوارج الجدد؛ العاملون فى سيناء تحت لافتة «أنصار بيت المقدس»، قبل أن تتطور وتُحدّث نفسها بالانتساب إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، لتصبح «ولاية سيناء». وكما ألح «داعش» فى الترويج لتسمية الدولة حرص التابع هو الآخر على صكّ واعتماد مصطلح الولاية، وبنى المشروع الإرهابى المسلح لتلك الأخيرة على ذات النسق الموصول بالأصل، على الأقل لتبرير الارتباط والاستناد إلى منهجه التكتيكى أو الاستراتيجى وقت الحاجة لأيهما.

 
الأصل الداعشى وضع إطاراً يتسق مع طبيعة جغرافيا الأحداث السورية، وجاء امتدادها إلى العراق منطقياً، فمنها خرج، وعندما اكتمل وتحدّث المشروع كان القرار سهلاً فى أن يعود. من «النكاية» والاستنزاف إلى «تمكين» على قطعة من الأرض، ومن ثم إدارتها على المنهج «الافتراضى»، هذا ما أدخله «داعش» كمتغير مطوَّر على أصله «القاعدى». وبدا حينها أن الافتراق بينهما وإعلان انحياز الأتباع «الفروع» يقف عند محك العمل داخل هذا الإطار، هنا جاءت إجابة «أنصار بيت المقدس» على خلفية مشهده الخاص فى سيناء، والذى تلخص فى نوفمبر 2014، تاريخ التحول «الداعشى»، فى معطيين رئيسيين، الأول قدرته على إنجاز تحالف ضم الغالبية العظمى من تنظيمات «العمل المسلح» العاملة فى سيناء، والثانى تخطيطه لاستعادة «السيطرة» على المنطقة الممتدة من شرق العريش إلى الشريط الحدودى، فيما تضمه من مدينتَى الشيخ زويد ورفح الساحليتين ومن خلفهما جنوباً ظهيرهما الصحراوى.
 
فى الوقت الذى استطاع فيه التنظيم الاحتفاظ بتماسك المعطى الأول الذى استند إليه، اللهم إلا بعض الانشقاقات المحدودة التى رفضت بداية الانضمام إلى «داعش»، فخرجت من صفوفه دون ضغينة تذكر، بل ونقلت نشاطها من سيناء لتترك له ساحة القيادة من دون خلافات تنظيمية. ليظل المعطى الثانى هو عنوان العمل المسلح للتنظيم طيلة الشهور اللاحقة، وفى هذا السياق كان التنظيم ينفذ كافة عملياته المسلحة، ويعقد تحالفاته «السكانية» من خلال نسج شبكة معقدة من المصالح، بغرض استعادة أوضاع تلك المنطقة «المستهدفة» إلى ما كانت عليه قبل تاريخ 30 يونيو 2013.
 
أمام تلك المعادلة؛ قدّم التنظيم نفسه لداعميه السابقين ولآخرين يهمهم خوض حرب استنزاف ضد نظام «30 يونيو»، باعتباره جاهزاً للعمل لصالحهم وفق سياق لا يتعارض مع توجهاته التنظيمية، وفى هذا وجد التنظيم العديد من المتوافقين مع عرضه ليمضى وسط سخاء هائل فى العمل على الأرض. لكن هذه الأرض كانت قد شهدت متغيراً «عرقل» مخططات العودة لما قبل يونيو 2013، تمثّل فى دخول القوات المسلحة إلى ذات المنطقة محل المشروع، وهو ما صعّب المهمة كثيراً، بل وضربها فى مقتل بعد شهور فى يوليو 2015 عندما حطم الهجوم الرئيسى الذى استهدف حينها السيطرة على مدينة «الشيخ زويد».
 
هذا التاريخ شكّل بداية فصل من عدم الاتزان أصابت التنظيم، وخطاً فاصلاً حكم على مشروع «السيطرة» بالوفاة. ووضع التنظيم أمام أسئلة حدية تتعلق بمستقبل العمل التكتيكى فى ظل انهيار الحلم الاستراتيجى، ولم تسعفه الإجابات سوى اعتماد شكل «هجين» يجمع ما بين احتفاظه بولائه الداعشى، مع العمل تحت آلية «النكاية» القاعدية بكافة الأدوات التى تحقق استنزافاً متنوعاً، يصعب على سيناء الخروج من براثنه.
 
«سكان» وأهالى سيناء أول من دفع فاتورة هذا الاستنزاف، عندما واجهوا فى هذا الفصل الجديد استنزافاً حقيقياً لمواقفهم قبل حتى حياتهم وذويهم ومعايشهم الاعتيادية، فلم يكن لدى التنظيم أمام فقدان مسرح عمليات «الشيخ زويد/ رفح» سوى اختراق مدينة «العريش» العاصمة، وهو ما نجح فيه بدفع ومراهنة داعميه الذين لم يكن يهمهم مشروعه الداعشى فى التمكين بقدر رغبتهم الثابتة فى استمرارية النزيف. ومثل هذا الاختراق بمثابة الإمساك بخناق شمال سيناء برمتها؛ فالعريش بالفعل هى المدينة المحورية، وهى المؤهلة حصرياً للعب دور مركزى فى استعادة باقى المناطق لرشدها وحيويتها، لذلك ظل وجود الإرهاب فى العريش وجنوبها مؤثراً سلباً بالقدر الذى فتح مسارات جديدة لم تكن على قائمة الاستهداف فى ظل انشغال التنظيم بفصل «التمكين». فمع دخول العريش ظهرت عمليات اغتيال طالت «كافة» الشرائح المؤثرة أو ذات دلالة ما، منها أمين حزب النور السلفى وكاهن عام بمطرانية شمال سيناء، والشيخ سليمان الحراز الصوفى وكبير قبيلة السواركة، وأعضاء النيابة العامة بمحكمة شمال سيناء، هذا فضلاً عما تم مع المسيحيين من جرائم قتل ودفعهم للخروج من المدينة خشية اتساع دائرة تهديد حياتهم وممتلكاتهم. وهى دائرة لم تغلق على هؤلاء، بل امتدت لتنوع عملياتى طال الكثير من الأهداف، التى أصابت المشهد بلوغاريتمات صادمة دفعت مدينة العريش إلى ما يشبه الشلل التام.
 
تحت سطح هذا المشهد كان التنظيم يتعرض لضربات عسكرية وأمنية طالت قياداته وصفوفاً مهمة من عناصره القتالية المؤهلة، لكنه ظل قادراً على تجديد دمائه طوال الوقت، وهى معضلة راقبها الأهالى، البعض منهم خوفاً وآخرون انزلقوا فى شباك نُسجت بمهارة كى تجذب المشهد برمته إلى مساحات أبعد من الخطر والوعورة. وفيها ظهر سلاح «قبيلة الترابين» وتنازعت حينها المصالح، خاصة مع إرهاصات ترتيب الأوضاع الأمنية بغزة، سالت على أثرها دماء فى غير ساحات الحرب الحقيقية على الإرهاب، وهذا استدعى ثأراً ومعادلات جديدة لم يكن الميزان الهش يحتمل دخولها عليه، ليعمق الاختلال الذى كان عليه بالأساس.
 
قبل ساعات من مجزرة «مسجد الروضة»، ربما مثّل «التيه» عنواناً كبيراً لأطراف عدة فاعلة على مسرح الأحداث، حيث ضلت الأقدام عن الطرق المعبدة التى تضمن وصولاً ما. وقد يكون ظهور التنظيم القاعدى «جند الإسلام» قبل أسابيع وإعلانه الحرب على التنظيم الداعشى، من المظاهر الدالة على هذه الحيرة الهائلة التى نزعت الإجابات عن كافة الأسئلة، والتى دفعت الواقف طويلاً أمام سؤاله الوجودى «أنصار بيت المقدس»، لأن يلجأ إلى التوقيع بالدم على عتبات مستقبل لا يفهم منه سوى صناعة الصدمة والرعب.
نقلا عن الوطن

 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع