الأقباط متحدون - يا لها من فتاة!
  • ١١:٣٨
  • الاثنين , ٤ ديسمبر ٢٠١٧
English version

يا لها من فتاة!

مقالات مختارة | نوال السعداوي

٠٢: ٠٨ ص +01:00 CET

الاثنين ٤ ديسمبر ٢٠١٧

نوال السعداوي
نوال السعداوي

أتابع الجريمة الإرهابية بألم عميق، يشق القلب نصفين، تبدو الجريمة أكثر بشاعة ونحن فى مكان بعيد عن الوطن والأهل، كأنما وجودنا على الأرض التى وُلدنا فوقها يحميها من الغدر، نوع من التحدى، يصور للأم أنها قادرة على إنقاذ أطفالها من أنياب القدر، لولا هذا الجبروت الأمومى الذى يقهر الموت، ما بقيت فصيلتنا البشرية على قيد الحياة، نتعرض نحن البشر للانقراض مثل الديناصورات، بأيدينا نهلك أنفسنا، أو بأيدى أعدائنا، أصبح العدو بالخارج والداخل ضبابياً، يتخفى وراء السحب، يرتدى حجاباً، قناعاً، نقاباً أو أى لثام آخر، يخفى به وجهه وجسمه، أخطر الأعداء من لا وجه له، ولا جسم ولا اسم ولا وطن، ولا أصل أو فصل، مثل «الروبوت» الذى يتحرك وينفذ الأوامر عن بعد بـ«الريموت كنترول»، وقد تشترى ربة البيت خادماً على شكل الروبوت، يقوم بجميع الأعمال المنزلية بما فيها تقطيع البصل بالسكين.

تطورت عمليات التجسس والإرهاب والقتل باستخدام الروبوتات، عن طريق التحكم فى حركتها من البعد، مثلاً، يتلقى الروبوت أمراً بتوجيه السكين إلى عنق ربة البيت، بدلاً من عنق البصلة، فينفذ الأمر دون تفكير، تنشر الصحف عن هذه الجرائم الإرهابية الجديدة، قرأت عنها فى الجريدة الخليجية المحلية، كم تلعب الحكومات العالمية والمحلية دوراً فى تحويل الأغلبية الساحقة من الشعوب إلى روبوتات، تطيع الأوامر دون تفكير، بنظم التعليم والثقافة والتربية القائمة على الطاعة العمياء لأصحاب السلطة المطلقة، فى الدولة والعائلة والمدرسة والعمل والبيت والجامع والكنيسة،

أصبح عالمنا البشرى غابة تتوحش فيها الروبوتات والضباع والأرانب والغزلان والبنات والصبيان، لا يهم نوع الإنسان أو الحيوان أو الروبوت، بل نوع السلاح الذى يحمله، هناك أسلحة الدمار الشامل التى تدك المدن بالضغط على زرار، والأهم، من يصنع هذه الأسلحة ومن يبيعها ويربح منها، وكيف يصل السلاح إلى يد الإرهابى الصغير، البنت أو الولد، ومن يعلق فى عنقها أو عنقه التعويذة، وصورته وبصمة وجهه ويده ، مع الوهم وتأشيرة الدخول إلى جنة الخلد فى عدن.

أنا لست بعيدة عن عدن، فى هذا الزمكان الذى أكتب فيه هذا المقال، أتمشى على الساحل الممدود على الخليج العربى، يسمونه الخليج الفارسى فى خرائط أخرى ، بين أهل العرب وأهل فارس إيران قتال قديم وجديد، من يملك الأرض والبحر والخليج قوى بشرية ظاهرة وخفية، دولية ومحلية، تتنازع وتتقاتل حول امتلاك الماء والأرض والسماء والهواء والإنسان والحيوان، لا تشبع غريزة الامتلاك البشرية إلا بالموت، لا يملأ عين بنى آدم إلا التراب، يمتد القتال إلى ما تحت الأرض من كنوز البترول والماس واللؤلؤ، وإلى ما فى السماء من إلكترونات ونيوترونات، أصبحت أدفع نصف دخلى المحدود لشركات أجنبية تملك كلمة السر «لتشغيل الكمبيوتر الذى أكتب عليه هذا المقال».

يسعدنى استخدام هذا الجهاز الصغير السحرى الذى ينقل كلماتى وحروفى فى غمضة عين إلى جميع بلاد العالم، جهاز بحجم كف اليد يكسر جميع الحواجز، ويلغى الفواصل بين الزمان والمكان والسماء والأرض والروح والجسد والعقل، يغمرنى الفرح العظيم وأنا أكتب عليه، ويصل مقالى إلى الجريدة فى مصر، بالضغط على زرار، ويغمرنى الحزن العظيم لأننى لا أعرف بالضبط كيف تعمل الإلكترونات، وأكبر أحزانى أننى لم أشارك فى اكتشاف هذا الكمبيوتر، الذى أصبح جزءاً لا ينفصل عنى، مثل ذراعى ويدى.

يجول هذا الخاطر فى رأسى وأنا أمشى فى الصحراء الممدودة على ساحل الخليج العربى، تحولت النجوع فوق هذه الأرض إلى ما يشبه المدن الأمريكية المعاصرة، بفضل ما تحت الأرض من بترول، حتى الجامعات الأمريكية الكبرى أصبحت موجودة فوق هذه الأرض، والمتاحف الكبرى، منها «متحف اللوفر» أصبح هنا، يمكن للمال الوفير أن يشترى أى شىء حتى البشر، يتم جلبهم للعمل هنا، فى كل المجالات والمهن، من الطب والهندسة إلى مسح البلاط والطبخ والخدمة بالبيوت، لا يلوث الأغنياء أيديهم فى الأعمال غير النظيفة، أو الأعمال التى تتطلب جهداً وجلداً وعرقاً وألماً ، المال الوفير سلاح ذو حدين: يمنحك الراحة والرفاهية والنفوذ، ويحرمك فى الوقت نفسه من الجهد والعرق والألم الضرورى للإبداع والخلق، وكنت أسمع أبى يردد هذه العبارة فى طفولتى: احترمت نفسى حين خيرتها بين السهل والصعب فاختارت الصعب.

وهناك دائماً من يسعون إلى العمل المبدع رغم المشقة والتعب، وهذه فتاة طالبة من الإمارات العربية، اسمها «علياء المنصورى»، نجحت فى تجربتها عن «الجينات فى الفضاء»، واكتشفت تغيرات فى التعبير البروتينى للحمض النووى أثناء رحلات الفضاء، سيفتح نجاح تجربتها الطريق للوصول إلى طرق لمراقبة الإجهاد الخلوى لدى رواد الفضاء، وكيفية منع موت الخلايا غير المرغوب فيها، بهدف الحفاظ على صحتهم فى المستقبل، خاصة خلال البعثات طويلة الأجل إلى الفضاء البعيد، وتقول علياء بفخر: نجاح تجربتى يعزز طموحى للعمل فى المستقبل على مساعدة رواد الفضاء للوصول إلى المريخ بأمان، يا لها من فتاة!
نقلا عن المصري اليوم

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع