الأقباط متحدون - التسامح ضرورة في أزمنة التوهان والجنوح الطائفي
  • ٠٩:٢٢
  • الأحد , ١٠ سبتمبر ٢٠١٧
English version

التسامح ضرورة في أزمنة التوهان والجنوح الطائفي

مدحت بشاي

بشائيات

٥١: ٠٢ م +02:00 CEST

الأحد ١٠ سبتمبر ٢٠١٧

التسامح ضرورة
التسامح ضرورة

مدحت بشاي

مع صيام المواطن المصري المسلم في شهر رمضان الكريم هذا العام ، يصوم المواطن المصري المسيحي صوم السيدة العذراء ، وفي نهاية صيام شهر رمضان يحتفل المسلم بعيد الفطر المبارك ، وفي نهاية صوم العذراء يحتفل المسيحي بعيد السيدة العذراء.. ورغم افتعال حكاوي الجنوح الطائفي يظل هناك حالة حقيقية من الاندماج الإنساني والوطني والاجتماعي بين الناس في بلادي ..

 
لاشك أن السعي لتكريس قيم التسامح الديني بات ضرورة ضرورة الاعتراف بالوجود الإنساني والحياتي والمجتمعي سعياً إلى إنشاء حالة من الارتقاء والتقدّم والتنمية ..جاء في القرآن الكريم: {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} فالإنسان ابن مجتمعه ووطنه، فعلى أرضه وبين ناسه وحضارته وتاريخه يكتسب ملامح وجوده ..و" عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم وإن متّم بكوا عليكم "تكريس وإعلاء لقيم التسامح النبيل ..

 
وفي المسيحية " وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك علي خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً ".. 
 
في كتاب بديع وهام للمفكر الفيلسوف سلامة موسى بعنوان " حرية الفكر وأبطالها في التاريخ " .. يقترب الكاتب الوطني من قيمة التسامح في الإسلام .. قال الشيخ محمد عبده :
 
 
قال المستر دريبر أحد المؤرخين ومن كبار الفلاسفة : " إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام . بل فوضوا إليهم كثيراً من الأعمال الجسام ورقوهم إلى المناصب في الدولة حتى أن هرون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا بن ماسوية "وقال في موضع آخر : " كانت إدارة المدارس مفوضة مع نبل الرأي وسعة الفكر من الخلفاء إلى النسطوريين تارة وإلى اليهود تارة أخرى .ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذي وُلد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة . قال الخليفة العباسي الأكبر المأمون : " إن الحكماء هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة وارتفعوا بقواهم عن دنس الطبيعة . هم ضياء العالم وهم واضعو قوانينه ولولاهم لسقط العالم في الجهل والبربرية ".
 
 
وقال في موضع آخر : " أن العرب زحفوا بجيش من أطبائهم اليهود ومؤدبي أولادهم من النسطوريين ففتحوا من مملكة العلم والفلسفة ما أتوا على حدوده مملكة الرومانيين " ولست في حاجة إلى ذكر ما أسس الخلفاء والملوك من المدارس وأقاموا من المراصد وما حشدوا من الكتب إلى المكاتب لأن هذا خارج عن بحثنا الآن ... أذكر ممن اشتهر من الحكماء بالحظوة عند الخلفاء جيورجيس بن بختيشوع طبيب المنصور كان فيلسوفاً كبيراً علت منزلته عند المنصور كانت له زوجة عجوز لا تشتهي فأشفق عليه المنصور وأنفذ إليه ثلاث جوار حسان فردهن وقال : "إن ديني لا يسمح لي بأن أتزوج غير زوجتي ما دامت حية " فأعلى مكانته حتى على وزرائه . ولما مرض أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج إليه ماشياً يسأل عن حاله فاستأذنه الحكيم في رجوعه إلى بلده ليدفن مع آبائه . فعرض عليه الإسلام ليدخل الجنة  فقال : " رضيت أن أكون مع آبائي في جنة أو نار" فضحك المنصور وأمر بتجهيزه ووصله بعشرة آلاف دينار ( وهو المنصور الدوانيقي المشهور بالإمساك وكرازة اليد ) وأوصى من معه بحمله إذا مات في الطريق إلى مدافن آبائه كما طلب . ثم سأله عمن يخلفه عنده فأشار إلى عيسى ابن شهلاثا أحد تلامذته . فأخذه المنصور مكان جيورجيس فطفق يؤذي القسوس والبطاركة ويهددهم بمكانه عند الخليفه لينال منهم رغائبه فشعر الخليفة بذلك وطرده .
 
وممن حظى بالمكانة العليا عند الخليفة المهدي تيوفيل ابن توما النصراني المنجم وكان على مذهب الموارنة من سكان لبنان . وله كتب في التاريخ جليلة ونقل على مذهب الموارنة من سكان لبنان . وله كتب في التاريخ جليلة ونقل كتاب أميروس إلى السريانية بأفصح عبارة ..

 
وممن ارتفع شأنه عند الرشيد من الفلاسفة بختيشوع الطبيب وجبريل ولده ويوحنا بن ماسوية النصراني السرياني ( الذي تقدم أن الرشيد جعله مديراً لجميع مدارس بغداد ) . ولاه الرشيد ترجمةالكتب القديمة طبية وغيرها وخدم الرشيد ومن بعده إلى المتوكل . وكان يعقد في داره مجلساً للدرس والمناظرة ولم يكن يجتمع في بيت للمذاكرة في العلوم من كل فن مثل ما كان يجتمع في بيت يوحنا بن ماسوية ..

 
وممن علا قدره في زمن المأمون يوحنا البطريق مولى المأمون أقامه كذلك أميناً على ترجمة الكتب من كل علم من علوم الطب والفلسفة . وكذلك ارتفع شأن سهل بن سابور وسابور ابنه وكانا نصرانيين . وولى سابور بن سهل مارستان جند يسابور..
 
 
وكان سلمويه بن بنان النصراني طبيباً عند المعتصم ولما مات جزع عليه جزعاً شديداً وأمر أن يدفن بالبخور والشموع على طريقة النصارى ..

 
وكان بختيشوع بن جبريل عند المتوكل يوماً فأجلسه بجانبه وكان عليه دراعة رومية من الحرير بها فتق . فأخذ المتوكل يحادثة ويعبث بالفتق حتى وصل إلى النيفق وهو ما اتسع من الثوب . ودار الكلام بينهما حتى سأله المتوكل : بماذا تعلمون أن الموسوس يحتاج إلى الشد ؟ فقال بختيشوع : إذا عبث بفتق دراعة طبيبه حتى بلغ النيفق شددناه . فضحك المتوكل حتى استلقى . 
 
 
وهنا ينتهي اقتباس سلامة موسى واختياراته من أمثلة .. 
 
في ديسمبر 1970 خصصت مجلة «الهلال» عدداً كاملاً عن القرآن .. ورأت أن تستكتب فيه البابا شنودة ليعرض فيه وجهة نظره ويسرد علاقته بالقرآن الكريم.. وبالفعل ساهم البابا في العدد بمقال عرض فيه لوقع الحديث عن السيدة مريم والنصاري في آيات القرآن الكريم.. وهذا هو بعض ما جاء في المقال الذي يعتبر من الوثائق المهمة في حياة وتاريخ البابا شنودة: «تعرض القرآن للمسيحية.. شرح كيف أنها ديانة سماوية، ديانة إلهية، أرسلها الله هدي للناس ورحمة، علي يد المسيح بن مريم. والمؤمنون بالمسيحية سجل القرآن أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم غير المشركين وغير الذين كفروا.. وقال أيضاً.. إنهم أقرب الناس مودة إلي المسلمين، وإنهم متواضعون لا يستكبرون. وشخص المسيح له في القرآن مركز كبير. إنه كلمة الله، روح منه. ولد بطريقة عجيبة لم يُولد بها إنسان من قبل ولا من بعد، بدون أب جسدي، ومن أم عذراء طهور ولم يمسها بشر.
 
ومات ورفع إلي السماء. بطريقة عجيبة حار فيها المفسرون والعلماء علي الأرض يهدي الناس، ويقوم بمعجزات لم يعملها أحد مثله.

وقد هدي الناس عن طريق تبشيرهم بالإنجيل. 

والإنجيل له مكانة عظيمة في القرآن الذي كان مصداقا له وداعيا الناس إلي الإيمان به. ولم يذكر القرآن إطلاقاً أنه نسخ التوراة أو الإنجيل، بل علي العكس ذكر أن المؤمنين ليسوا علي شيء حتي يقيموا التوراة والإنجيل. وللعذراء مريم أم المسيح مركز ممتاز في القرآن، في بتوليتها وطهرها ونسكها وعبادتها وتشريف الله لها واصطفائها علي نساء العالمين. وقد تحدث القرآن أيضاً عن الحواريين تلاميذ المسيح. وتحدث عن بعض العقائد المسيحية.. وهنا يظهر الخلاف بينه وبين المسيحية. شيء من ذلك خلاف حقيقي، وشيء آخر لا يمكن أن نسميه خلافاً وإنما هو محاربة لبعض البدع الدينية التي كانت سائدة وقتذاك، والتي تحاربها المسيحية أيضاً، والتي لم تكن في يوم من الأيام من عقائد المسيحية كما يخطئ البعض في الفهم والتفسير، وما أكثر المِلل التي تقوم في كل جيل، يحارب أخطاءها أولياء الله الصالحون وسنعرض لكل هذا بالتفصيل.

نظرة القرآن إلي النصاري: يدعوهم القرآن «أهل الكتاب» أو «الذين أوتوا الكتاب من قبلهم» أو «الذين آتيناهم الكتاب» أو «النصاري». ويصفهم القرآن بالإيمان وعبادة الله،
وعمل الخير. ويقول في ذلك (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين). «سورة آل عمران 113، 114».

ويقول أيضا: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوتة. أولئك يؤمنون به) «سورة البقرة 121». (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله). «سورة النساء 131». (الذين آتيناهم الكتاب من قبله، هم به يؤمنون). «سورة القصص 52».

هم إذن من المؤمنين، يعبدون الله ويسجدون لله وهم يتلون آيات الكتاب طوال الليل. يؤمنون بالله وبالكتاب واليوم الآخر، وهم من الصالحين ولذلك أمر القرآن بمجادلتهم بالتي هي أحسن. وفي ذلك يقول (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليهم وإلهنا وإلهاكم واحد، ونحن له مسلمون) «سورة العنكبوت 46». 

ولم يقتصر القرآن علي الأمر بحسن مجادلة أهل الكتاب بل أكثر من هذا: وضع القرآن النصاري في مركز الإفتاء في الدين فقال: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك) «سورة يونس 93». وقال أيضاً: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) «سورة الأنبياء 7». ووصف القرآن النصاري بأنهم ذو رأفة ورحمة: وقال في ذلك (وقفينا بعيسي بن مريم، وأتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) «سورة الحديد. 27
 
». واعتبرهم القرآن أقرب الناس مودة للمسلمين، وسجل ذلك في سورة المائدة حيث يقول: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري. ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) «سورة المائدة 82». ونلاحظ في هذه الآية القرآنية تمييز النصاري عن الذين أشركوا. لأنها هنا تذكر ثلاث طوائف واجهها المسلمون، وهي اليهود والذين أشركوا في ناحية، والنصاري في ناحية أخري. فلو كان النصاري من المشركين، لما صح هذا الفصل والتمييز.

إن التمييز والفصل بين النصاري والمشركين أمر واضح جداً في القرآن.. ولا يقتصر علي النص السابق، وإنما سنرد هنا أمثلة أخري.. منها قوله: (إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين، والنصاري، والمجوس، والذين أشركوا. إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) «سورة الحج 17». نفس هذا التمييز نجده في الآية 186 من سورة آل عمران، ونجده واضحاً «في قوانين التزويج المشترك». وفي قوانين الجزية. ولا يتسع المجال في هذه العجالة لبحث مثل هذا الموضوع الواسع. علي أنني سأعود إلي التكلم فيه في نهاية هذا المقال، أما الآن فيكفي في نظرة القرآن إلي إيمان النصاري أن نورد قوله (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) «سورة البقرة 62»، وقوله. تعالي: (الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصاري من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) «سورة المائدة 69». نظرة القرآن إلي الإنجيل: يري القرآن أن الإنجيل كتاب مقدس سماوي منزل من الله تجب قراءته علي المسيحي والمسلم وكل من آمن بالله. فيقول: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه.

وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدي للناس) «سورة آل عمران 3،4». ويقول أيضاً: (وقفينا علي آثارهم بعيسي بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدي ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدي وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) «سورة المائدة 46ـ48». وكون القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، فهذا يعني صحة الإنجيل والتوراة وسلامتهما من التحريف. وإلا فإنه يستحيل علي المسلم أن يؤمن بأن القرآن نزل مصدقاً لكتاب محرف. كذلك لو كان التوراة والإنجيل قد لحقهما التحريف، ما كان يأمر قائلاً: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). بل ما كان يصدر أيضاً الأمر (قل يا أهل الكتاب لستم علي شيء حتي تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم). «سورة المائدة 68». ... انتهى الاقتباس من مقال قداسة البابا شنودة الثالث ..
 
في النهاية ، ومع كل الظروف والمتغيرات التي نعيشها ، ومهما كانت سلبياتها ، لا أرى مبرراً لليأس والاحباط بقدر ما ينبغي أن تشكل الظروف والاحتقانات الطائفية قوة دافعة للعمل المشترك لترسيخ قيم التسامح والتعايش الكريم بين الناس في بلادي صاحبة الحضارة والتاريخ العظيم .