كتب: سليمان شفيق

 

موسم الهروب للصعيد بحثا الامل في البرية 

(1)

حينما تغيب شمس الحقيقة ، ويتواري القمر خلف سحب الكذب ، ابحث عن طفولتي ، اجدها تركض خلف ظلي ، التقط ما تبقي من انفاسي ، وابحث عن اوراق قديمة تختبأ وراء الحقيقة ، راهب حبشي يجول حواري القرية يبشر بالفيضان ، ونقتات من رجاء مفتقد يلمع في عيني الراهب العجوز ، تسرع ستي بوضع ارغفة من البتاو في جراب الراهب ، يضع الصليب علي بلاص الجبن حتي لاينقطع الزاد عن البيت ، ترفعني أمي حتي يمسد الحبشي بصليبة الخشبي علي راسي ، اسنانة البيضاء تلمع من خلف ابتسامتة ، بالليل انام علي جنبي وانظر الي صورة الطفل الابيض الجميل في حضن العذراء واتسأءل كيف ترك يسوع الراهب حتي يصير اسمر ؟
 
(2)
بكيت لامي حتي تطلب من ستي ان تصطحبني معها لزيارة أخيها الراهب في الدير ، البستني أمي الجلباب الابيض ، والصندل الجديد ، وطلبت مني الا اتعب ستي ، لم اشعر بطول الطريق ولا قيظ الصحراء ، انتظرنا طويلا حتي كان زئير باب الدير كصوت الاسد ، جاء ابونا الراهب ، اخو ستي ، رفعتني لكي اقبل يدة ولكنة رفض ، وقبلني هو ، اخرجت جدتي قطعة قماش وشيرز وجنية ذهب واعطتهم اياة ، سألتة : خمس سنوات لم تحضر لزيارتنا يا ابونا ؟
اجاب : شغل الدير والصلاة .
ردت : يا بختك " عيشك مغموس وميتك في الكوز" 
غادرنا وستي تقول لي : كل الخير الذي لدينا بسبب صلاة الرهبان .
 
(3)
 
كنت اصعد الي سطوح المنزل ، ابحث عن يسوع في السماء ، كانت صورتة تتواري خلف الشمس ، واري بجوارة الراهبين الاسمر الحبشي والابيض اخو ستي ، والقربانة تتدحرج بين مخيلتي ، اتنهد واطلب من الرب ان يأخذني راهبا في الصحراء .
 
(4)
في الكنيسة كان المعلم يقول لنا : "لرهبنة جأت من الصعيد ، القديس انطونيوس من بني سويف ، وتعمق في الصحراء في الصعيد "
هكذا كانت طفولتي تري الصعيد والصحراء ملتقي الله ، من الخارج الي الصعيد ، ومن الصعيد الي الخارج .
 
(5)
 
الأول: من الخارج الى الصعيد: والمقصود بذلك تلك الحركة باتّجاه الصحراء حيث القديس أنطونيوس، فجموع الشباب الساعين إلى الكمال من مصر وسواها من البلدان المجاورة حيث وصل صيت قداسة أنطونيوس وعطر نسكه الملائكي، أمت الصحراء سعياً وراء المُطلق على خُطى أنطونيوس العظيم. وقد يكون من خير الدلائل على هذا وجود دير في الصحراء يعرف بدير السريان، والأغلب أنّ تلك الفئة من الشباب الآتين من المناطق الناطقة باللغة السريانية، لجهلهم لغة الصعيد القبطيّة تألّبوا في دير واحد يعيشون فيه ليتورجيتهم السريانية في ظل روحانيّة جديدة مبعثها صحراء مصر.
 
الثاني: من الصعيد إلى الخارج: والمقصود بكلمة خارج: العالم بأسره، لاسيما العالم القديم: إفريقيا، آسيا وأوروبا.
 
في الصحراء لا طريق، لا ماء، لا ثوابت، بل رمل متحرّك تتلاعب بها ريح الصحراء الجافة والقاتلة والحارة، في الصحراء هنالك الحيوانات المفترسة والضارة� ومع ذلك كله لا بدّ من إجتيازها، فإذا تهاون العابر، تلاشى وإضمحلّ فريسة كلّ ما تقدّم، أما إذا عارك وجاهد فلا بدّ من الوصول إلى الواحة، حيث الكلأ والماء والراحة بعد الجهاد، بالمختصر هناك الحياة�
 
هذا هو إختبار القديس أنطونيوس الكبير الذي تركه لنا إرثاً غالياً، لا لنا نحن الرهبان المنتمين إليه، إلى مدرسته ونهجه، بل أنّه النهج لكل من أراد السير على خطى المسيح، لا سيما في أيامنا هذه.
 
(6)
 
“لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ»." (مت 19: 12)
 
(7) 
اسوار الدير القديم تظلل مخيلتي ، وبريق عيني الراهب الحبشي تنير طريقي ، وابونا الراهب اخو ستي " عيشة مخبوز وميتة في الكوز " ، هؤلاء يعيشون في قيافي في قفار في جلود معزة ولم يكن العالم يستحق وطئة اقدامهم .
الي كل هؤلاء :
" اناديكم .. اناديكم 
اشد علي اياديكم 
واهديكم ضيا عيني 
وملء القلب اعطيكم 
ابوس الارض تحت نعالكم 
واقول افديكم