رسائل وراء عنف عابر‏!‏

27/02/2009 - 08:42:11 CET

 


بقلم : نبيل عبدالفتاح
ما دلالة الانفجار الذي حدث في منطقة الحسين بوسط القاهرة الفاطمية التاريخية‏,‏ وحول أوليائها الصالحين‏,‏ وأحد أعصاب حركتها التاريخية‏,‏ ومزاراتها السياحية الإسلامية؟ هذا السؤال من الأهمية بمكان‏,‏ ومن ثم سأتجاوز مؤقتا عن أسئلة أخري لا تقل أهمية ومنها‏:‏ ما الجهة التي قامت بهذا العمل في ظل الشح المعلوماتي؟ ما دلالة الحادث في نطاق تزايد الاحتقانات الاجتماعية والاقتصادية والطائفية؟ ما العلاقة بين الانفجار‏,‏ وبين ظواهر سعي بعض القوي السياسية الدينية‏,‏ وبعض الجماعات الدينية المحافظة والمتزمتة إلي تديين المجالين الاجتماعي العام والخاص‏..‏ إلخ؟ أحد أبرز الدلالات تتمثل في‏:‏ المكان‏,‏ في منطقة الحسين والجامع الأزهر أي قلب الرأسمال التاريخي للمدينة ورمزياتها الإسلامية‏,‏

ولأنها مركز التعايش المذهبي التاريخي داخل الإسلام الأكثري السني‏,‏ والأقلي الشيعي‏,‏ والتعبير الأكثر بلاغة سياسيا وثقافيا ودينيا علي الكفاءة التاريخية المصرية‏,‏ وللشعب الأمة في هضم وتمثل الروافد والخلافات المذهبية‏,‏ وإعادة تركيبها في نمط تدين تسامحي نسيج وحده‏,‏ ويراد كسره من بعضهم لأسباب تتصل بالتعصب المذهبي المسيس‏,‏ الذي يرمي إلي احداث تغيير منهجي في طبيعة التدين المصري‏,‏ من قبل بعض الجماعات الإسلامية السياسية‏,‏ وخلفياتها المرجعية الفقهية السلفية المحافظة‏.‏ الانفجار يحمل رفضا للأرث الديني الإسلامي السني المصري التاريخي‏,‏ وينزع إلي هتك حرمة الأمكنة ورمزياتها ـ المسجد والمقام والدلالةـ ومن ثم شكل رسالة استباحة لدم الأبرياء أيا كانوا‏.‏

الدلالة الثانية‏:‏ استعادة ذاكرة التاريخ الإرهابي والحركي لمنظمات العنف الإسلامي السياسي التي راجعت فقهيا ايديولوجياتها الفقهية العنيفة وتواصل مسعاها نحو الاعتدال الفقهي والافتائي والدعوي‏,‏ ومن ثم يشكل الانفجار احالة لتاريخ من الدم المتدفق من السياح والمصريين‏,‏ ويعد العمل الجانح إعادة تنشيط للذاكرة شبه الجماعية للمصريين بمسلسل العنف الدامي في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي‏,‏ ومن ثم رمي الفعل الانفجاري إلي الترويع بين المصريين والأجانب‏.‏

الدلالة الثالثة‏:‏ محاولة التأثير علي التدفق السياحي الأجنبي لمصر‏,‏ في ظل مؤشرات تراجع اقتصادي عالمي لاسيما في ظل أزمة الركود العالمي‏,‏ بكل انعكاسات ذلك علي الاقتصاد المصري‏.‏

الدلالة الرابعة‏:‏ الايحاء بموجة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد‏,‏ خاصة في ظل أوضاع اقليمية تتسم ببعض من السيولة والقلق والاضطراب في أعقاب الهجوم الإسرائيلي علي غزة‏,‏ وبروز فجوات في الرؤي والمصالح السياسية بين محوري الاعتدال والممانعة‏!.‏ من ناحية أخري ستشهد البلاد العام القادم استحقاقا انتخابيا مهما‏,‏ يتمثل في انتخابات مجلس الشعب‏2010,‏ ومن ثم فتح المجال أمام القلق ازاء المستقبل السياسي للبلاد ومؤسساتها الرئيسية‏.‏

الدلالة الخامسة‏:‏ قرار اختيار المكان ومحمولاته ينقل رسالة قوية إلي أجهزة الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة‏,‏ ويجعلها تكثف متابعتها حول الحالة المصرية‏,‏ وتضعها في بؤرة الاهتمامات التلفازية والصحفية والنتية‏.‏

تبدو الأهداف السياسية السالفة مبتغاه من الانفجار أيا كان القائمون به‏,‏ سواء كانت مجموعة تنتمي إلي تنظيم القاعدة‏,‏ أو جماعة تكفيرية صغيرة‏,‏ أو بعض رافضي المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية‏,‏ أو الجهاد‏,‏ أو جماعة سلفية جهادية أو سلفية‏,‏ أو حتي إذا كان القائم بالعمل فوضويا ذا ايديولوجيا دينية سياسية‏,‏ أو عدميا يرمي إلي التأثير السياسي علي هيبة الحكم وأجهزة الأمن؟ أو مجموعة صغيرة العدد بلا خبرة في مجال إعداد المتفجرات‏.‏

ان استهداف جماعات العنف والإرهاب الأهداف الرخوة أو الناعمة بات يشكل أحد مصادر تهديد الأمن السياسي والاقتصادي والجنائي في عالمنا المترع بالخوف الكوني‏,‏ ومن ثم علي الدولة والمجتمع الحياة مع الخوف والعنف مع ازدياد التعقد في العلاقات الاجتماعية‏,‏ وتكالب المشكلات والأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية‏,‏ ثم احتياج موضوعي لإعادة التفكير في مواجهة الاحتقانات المجتمعية ومألاتها الاجتماعية والطائفية والسياسية التي تسارعت أوتارها ومؤشراتها خلال السنوات الماضية‏,‏ والمرجح إزديادها‏,‏ ثمة تزايد لمؤشرات الاحتقان الطائفي‏,‏ والعنف ذو الوجه الديني نرصد بعضهما تمثيلا لا حصرا في‏:‏ بنية الخطابات الدينية الوضعية السلفية ومحمولاتها الاقصائية العنيفة‏,‏ وعودة بعض خطابات التكفير‏,‏ ومطاردة المفكرين والكتاب والشعراء والروائيين‏..‏ إلخ‏,‏ الأخطر ارتفاع كثافة هذا العنف اللفظي في الإعلام المقروء والفضائي‏,‏ وفي الخطاب اليومي المعيوش بين الجمهور‏,‏ وفي علاقات العمل والجيرة‏,‏ وفي الحافلات العامة والمركبات الخاصة‏,‏ والمرور‏..‏

إلخ الواقع الاجتماعي اليومي محمل باحتقانات وتوترات وعديد أشكال العنف التي تحتاج إلي تحليل ومعاجة مختلفة‏,‏ خاصة إننا إزاء بنيات اجتماعية وسياسية ودينية تبدو حاضنة لأنماط عنف عديدة‏,‏ منها علي سبيل المثال لا الحصر‏:‏ سهولة تحول التوتر الاجتماعي إلي عنف طائفي‏,‏ خاصة في ظل ترحيل بعض القوي السياسية الدينية جزءا من أنشطتها من المجال السياسي المباشر ـ حيث التصادم مع أجهزة الدولة الأمنية‏,‏ والصفوة السياسية الحاكمة ـ إلي المجالين الاجتماعي العام والخاص‏.‏ أن تديين المجال الخاص من حيث اللغة‏,‏ ونظم الزي‏,‏ والعلاقات والرموز والعلاقات الاجتماعية‏,‏ شمل علاقات الجوار‏,‏ والصداقة‏,‏ والزمالة في العمل‏,‏ والإشارات والكتابة والملصقات علي الحوائط والمصاعد الكهربائية وحوائط العمل في أجهزة الدولة‏,‏ والشركات الخاصة‏..‏ إلخ‏.‏ والأخطر التعبئة والحشد في الأوساط الاجتماعية علي اختلافها علي أساس المعيار الديني السلفي والمحافظ بوصفهما تعبيراعن الحقيقة الدينية‏,‏ أن اختيارات الأشخاص تبدو جزءا من حرياتهم العامة والخاصة إذا مورست في اطار بيئة حرة تحترم الاختيار الفردي‏,‏

وتحميه وتردع أي انتهاك لحقوق الشخص وحرياته‏,‏ إلا أنها تحتاجإلي نظرة تحليلية أخري إذا كانت ممنهجة ووراءها خطابات دينية اجتماعية وسياسية‏,‏ لأن تديين المجا لين العام والخاص يشكلان استراتيجية ترمي إلي السيطرة علي المجتمع من أسفل‏,‏ ومن الوسط وتؤدي علي المدي البعيد إلي تحقيق الهدف السياسي الأبرز الذي عجزت بعض القوي السياسية الدينية من تحقيقه عبر الأدوات والأساليب السياسية والعنيفة‏,‏ نظرا لتصادمها مع أجهزة الدولة الأمنية‏,‏ والسلطة السياسية‏.‏ من هنا نحتاج إلي اعادة التفكير مجددا في ضرورة إصلاح بعض توجهاتنا السياسية والفكرية إزاء حالة الاحتقان الاجتماعي والديني التي ستتزايد مع انعكاسات الركود الاقتصادي‏,‏ وفي اقتصادات الدولة النفطية وانعكاسات ذلك علي العمالة المصرية في دول الخليج والسعودية‏,‏ ناهيك عن تأثر الاقتصاد الوطني سلبيا بالركود العالمي‏,‏ وانعكاسات ذلك السلبية اجتماعيا‏,‏ ثمة احتياج إلي بث ديناميكيات سياسية وتعليمية وإعلامية جديدة كي ننضو عن حياتنا الجمود‏.‏

أن ضربة قوية وحاسمة لبؤر وخلايا فاسدة في الدولة وأجهزتها‏,‏ والمجتمع‏,‏ مطلوبة وضرورية في هذه المرحلة‏,‏ ويؤدي احلال كفاءات مهنية وسياسية جديدة وشابة‏,‏ إلي تجديد دماء الصفوة والدولة‏,‏ وتعطي اشارات ايجابية ومؤثرة علي الخلايا والشبكات الاجتماعية‏,‏ بل ستدفع إلي إعادة تقويم لبعض الممارسات الجانحة والفاسدة في بعض المنظمات الطوعية والدفاعية‏,‏ والدفع نحو إعادة صياغة قائمة اهتماماتها‏,‏ وإصلاح بنياتها وهياكلها‏,‏ وبرامجها بما يساهم في دعم اصلاحات داخلية مطلوبة‏,‏ وفي كسر الجمود في قيادة منظماتها‏,‏ وطابع بعضها العائلي‏!.‏ أن بعض وقائع العنف الديني الفردي أو الجماعي يمكن توقع بعضهما بين الحين والآخر‏,‏ ومن ثم يحتاج ذلك إلي سياسة وقائية تعتمد علي تحديث الآلة الأمنية في اطار منظومة تكاملية من السياسيات الإعلامية والتعليمية ـ في كافة مراحل التعليم ـ والثقافية‏,‏ وضرورة إصلاح الخطاب الديني الرسمي‏,‏ والمؤسسة والسياسات التعليمية الدينية الرسمية الإسلامية‏,‏ والمسيحية‏.‏

مواجهة منابع إنتاج العنف الديني والطائفي عديدة‏,‏ وتحتاج إلي رؤية سياسية‏,‏ وأخطر من أن تترك للنظرة الأمنية الفنية فقط وإنما تحتاج إلي تكامل في الرؤي والسياسات والآليات‏,‏ خاصة في الأجلين القصير والمتوسط لأن بيئة الاحتقان‏,‏ تشكل بذاتها بيئة عنف محتمل أو معلن‏,‏ لكن يمكن السيطرة عليها وإدارتها من خلال حزمة إصلاحات تعليمية وإعلامية وإدارية وتشريعة وأمنية‏.‏ إلخ‏,‏ تقود إلي تجديدات في الأخيلة السياسية والرؤي والسياسات والآليات والأدوات‏,‏ كمداخل للتكامل الوطني ووحدة الأمة والدولة لدور مصري جديد في واقع متغير في الاقليم والعالم‏.‏
نقلا عن جريدة الأهرام

* المقال / الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن اتجاهات الموقع، ومن منطلق حرية الرأي والتعبير نترك مساحة حرية أكثر للكاتب حتى يعبر عن رأيه.

إطبع الصفحة اخبر صديقك                      






























الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح