|
بقلم: لميس جابر
لماذا لا يعرف المصريون حقيقة حكامهم إلا بعد أن يتوفاهم الله؟ سؤال جاء علي لسان شابة طالبة في كلية الاعلام بجامعة الاسكندرية وكنا في ندوة في الصرح الرائع المسمي بمكتبة الاسكندرية والتي تستضيف معرض الكتاب هذه الايام..
وكانت الندوة عن كتاب مسلسل »الملك فاروق« وتطرقت لكثير من المواضيع المتصلة بهذه الفترة وبالطبع بالفترة التي تليها وتكلمت الشابة الصغيرة بكل الصدق واعتذرت لسذاجة السؤال من وجهة نظرها ولكنه لم يكن ساذجاً بالمرة بل علي العكس فقد شعرت في كلماتها بحيرة الشباب بين حقائق درسوها في مناهج التاريخ المدرسية والجامعية وبين ما يقال في الصحافة أو في بعض كتب التاريخ أو ما قيل من خلال المسلسل..
وكان ردي السريع عليها ساخراً وهو أن المصريين يعرفون الكثير عن حكامهم ولكنهم لا يتكلمون إلا بعد أن يموت الحاكم من باب الحرص..
وتطرق الحديث الي حرب فلسطين وقضية الاسلحة الفاسدة وفاجأني الدكتور خالد عزب مدير ادارة الاعلام بالمكتبة وكان يدير الندوة بأن المكتبة حصلت علي وثائق التحقيق في قضية الاسلحة الفاسدة قبل الثورة والتي تم حفظها وأن التحقيقات كانت حول مبالغ قليلة اتهم البعض بأخذها كعمولات أو سمسرة في صفقات شراء الاسلحة من الخارج..
وسوف تصدر هذه الوثائق في كتاب وسوف يكون مفاجأة حقيقية..
وهنا كان لابد أن أتوقف لأن قضية الاسلحة الفاسدة كانت حقيقة ثابتة في كتب التاريخ التي درستها أنا وجيلي وأنا شخصياً لم أعرف زيف هذه المعلومات إلا منذ سنوات قليلة ماضية بعد أن تحررت كتب التاريخ الحقيقية وقرأناها وبعد أن تحدث عنها مؤرخون كبار وبعد أن عرفت أن القضية تم فيها التحقيق قبل الثورة وتم حفظ القضية وفتحت مرة أخري بعد الثورة وأنها حفظت ولم يدان فيها أحد لأنه لم تكن هناك قضية من أصله..
ومع ذلك ظلت المناهج التاريخية كما هي منذ أن كنت أنا في المرحلة الثانوية أي في أوائل الستينيات وحتي اليوم..
وتقول المناهج من أسباب ثورة يوليو هزيمة حرب فلسطين التي تسببت فيها الاسلحة الفاسدة التي اشتراها الملك وأعوانه ليكسبوا منها الاموال الطائلة وأن الاسلحة كانت تنفجر في صدور الجنود المصريين ولا تصيب الاعداء ولذلك هُزِمنا في حرب فلسطين ومازالت الأفلام التي صنعت خصيصاً للثورة ولغسيل دماخ الشعب المصري تذاع في شهر يوليو من كل عام احتفالاً بالثورة وفي فيلم (الله معنا) يفقد عماد حمدي ذراعه بسبب الاسلحة الفاسدة ويعود مهزوماً جريحاً من حرب فلسطين وينضم للضباط الاحرار وتنضم له »فاتن حمامة« من غير أبوها ما يعرف وأبوها هو محمود المليجي القريب جداً من الملك والسرايا والعملاء وهو شخصياً تاجر معاهم وكسب ياما منذ الاسلحة الفاسدة وفي آخر الفيلم تنفجر فيه قنبلة فاسدة من التي اشتراها بيده وما اعرفش ليه شايلها في درج المكتب ويأخذ عقابه وتموت بالأسلحة الفاسدة يا سبحان الله..
ثم يأتي عصر الحرية ويخرج الملك الطاغية أبو سيجار ويتزوج عماد حمدي من فاتن حمامة..
وفي فيلم »رد قلبي« يصيح شكري سرحان بأن الملك حرق القاهرة هو وأعوانه الانجليز وهذه الحقيقة موجودة أيضاً في مناهج التاريخ.. لذلك تأكدت أسطورة الاسلحة الفاسدة وكنت بعد اذاعة المسلسل أواجه بسؤال متكرر..
هل ما جاء في المسلسل من أحداث حقيقة فعلاً؟
وكنت أغضب وأكتم غضبي لأن السؤال فيه اتهام لي أكثر منه استفهاماً.. ومع ذلك سرعان ما ينسي الناس المسلسل ولن تشكل الكتب التاريخية الحقيقية قراء كثيرين وسيظل من يعرف هذه المعلومات قلة من المصريين ولكن اذا تم نشر كتاب عن وثائق التحقيق بالتأكيد سوف يثير ضجة صحفية وتليفزيونية وربما اقتنع كثير من الشباب والطلبة، والسؤال الملح ماذا يفعلون عندما يضطرون لحفظ وتسميع ما هو موجود بالمناهج الدراسية؟ وهو مخالف تماماً عما سوف يأتي في هذا الكتاب الموثق..
واليكم حكاية صغيرة.. جاءتني فتاة صغيرة في العام الثاني الاعدادي وسألتني في بعض المعلومات وقرأت في كتاب العربي المقرر عليهم في اللغة العربية وهو يتحدث عن كفاح شعب مصر في أحداث بعينها من التاريخ المصري القديم وحتي التاريخ الحديث..
وقرأت موضوعاً عنوانه (عزل الوالي خورشيد) ويقول الكتاب ان الشعب المصري بقيادة عمر مكرم قرر عزل الوالي العثماني خورشيد لأنه ظالم ولما رفض الوالي أن يعزل بأمر الفلاحين وقد عين بأمر السلطان حاصر المصريون القلعة بقيادة عمر مكرم وتبادلوا ضرب القنابل حتي سمع السلطان لرغبة المصريين وأرسل يعزل خورشيد..
واندهشت وسألت الطفلة الصغيرة هو الشعب المصري قرر عزل خورشيد وجاب مين بداله؟
قالت: ما اعرفش.. يعني المصريين قالوا مش عاوزين خورشيد والسلطان وافق وحاصروا القلعة لغاية ما خورشيد مشي وساب مصر من غير حاكم؟ قالت: ما أنا برضه استغربت وسألت الابلة..
قالت الكتاب ده مظبوط تاريخياً واحفظوها كده..
قلت: ماسمعتيش عن محمد علي؟
قالت: سمعت طبعاً
سألتها: ما تعرفيش ان المصريين قرروا عزل خورشيد وتولية محمد علي وأن محمد علي وجنوده حاصروا القلعة مع الشعب المصري وعمر مكرم؟
قالت لأ.. مش مكتوب هنا اسم محمد علي خالص..
استغفرت.. وقلت حسبي الله ونعم الوكيل فيكم يابتوع التعليم وقصصت علي الفتاة الحكاية الحقيقية وهي لم تكذب خبراً..
وقفت في الفصل وقالت الكلام ده للأبلة وهنا نهرتها الابلة وقالت لها إن المكتوب هو الاصح واحفظيه وانت ساكتة وبعد انتهاء الحصة أرسلت المدرسة للفتاة في حجرة المدرسات وقالت لها في هدوء انها تعلم أن المكتوب في هذا الباب من الكتاب غير حقيقي وانها تعلم أن المصريين عزلوا خورشيد وولوا محمد علي ولكن اذا قالت هذه الحقيقة للبنات في الفصل سوف تحمل ذنبهم لأنهن سوف يرسبن وعدد البنات في الفصل مائة وأربع وهو ذنب عظيم..
لذلك ـ قالت المدرسة ـ ذاكري ما هو موجود وربنا يوفقك وتدخلي كلية كويسة وتدرسي تاريخ مظبوط.
والحقيقة ان ما فعلته هذه المدرسة هو عين الصواب ولن يستطيع أحد أن يفعل أكثر مما فعلت..
ولكن المصيبة الكبيرة في أن ثقة الفتاة الصغيرة التي لم تكمل عامها الرابع عشر بالمناهج وبالتعليم كله أصبحت مفقودة..
وأصبح التعليم بالنسبة لها شيئاً عبثياً ليس له لزوم فهو مغلوط ومشوه وستكون مجبرة علي حفظ هذه الاشياء وكتابتها في أسئلة الامتحان من أجل النجاح فقط وليس من أجل العلام..
وندمت علي اجابتي لسؤال فتاة الاعلام وكان من المفروض أن أقول لها: ان المصريين يعرفون حقيقة حكامهم فعلا ولا يتكلمون إلا بعد أن يتوفاهم الله، ولكن حقيقة ما زيفه الحكام يصيب أجيالاً عديدة بالجهل والتخبط ويظل قابعاً كالمرض الخبيث المزمن ولا يمكن الانتصار عليه إلا بثورة أخري قادرة علي إزالة آثار الحكام.
نقلا عن جريدة الوفد
|