الإساءة إلي سمعة مصر

06/09/2008 - 01:31:09 CEST

 


 بقلم - د.سعد الدين إبراهيم  
ما زالت أصداء حكم محكمة جنح الخليفة بحبس كاتب هذه السطور سنتين مع الشغل تتردد بالداخل والخارج.
فقد تعمدت صحيفة «واشنطون بوست» إعادة نشر مقالنا، الذي استندت إليه المحكمة في إصدار حكمها، كما أفردت افتتاحيتها الرئيسية لنفس الموضوع، يوم ٢١ أغسطس ٢٠٠٨، وهو نفس تاريخ نشر مقالنا قبل سنة (٢١ أغسطس٢٠٠٧).
كان المقال بعنوان «قهر في مصر بلا حدود». وفيه تحدثت بالحقائق والأرقام والتواريخ عن حالات الاختفاء القسري والتعذيب في سجون مصر، بناء علي معلومات منشورة داخل مصر نفسها، في تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومنشورة عالمياً في تقارير منظمة العفو الدولية. أي لم آت في المقال بمعلومات أو بيانات من عندي، وإنها من مصادر عالمية، في داخل مصر وخارجها.
وكانت حالتا الاختفاء القسري الشهيرتان اللتان ذكرتهما في المقال، علي سبيل المثال لا الحصر، هما للصحفي المصري المعروف رضا هلال، وكان وقت اختفائه نائباً لرئيس تحرير الأهرام. وكانت الحالة الثانية للمنشق الليبي منصور الكيخيا، الذي اختفي من فندق «سفير» بالدقي.

ولأن السلطات المصرية لم تعثر علي جثتي الرجلين، ولم تقدم تفسيرات شافية للواقعتين في حينهما أو بعدهما بسنوات، فإن هذا الصمت المريب، أعطي الفرصة لانتشار قصص وإشاعات شتي. كذلك لم تقدم السلطات المصرية ردوداً وافية أو شافية، إلي يومنا هذا، علي وقائع أخري، ذكرناها في مقالنا بـ«واشنطون بوست».

وهذا الإخفاق في تقديم تفسيرات أو حل ألغاز الاختفاء القسري للشخصيات، أعطي فرصة لشائعة وجود «فريق للموت» مُلحق بأحد الأجهزة السيادية.
وبدلا من أن ترد السلطات المصرية علي محتويات المقال المذكور أعلاه، أوعزت لإعلامها الحكومي والمباحثي بشن حملة استعداء وكراهية ضد كاتب المقال. ثم أوعزت لعدد من أعضاء الحزب الوطني الحاكم بتحريك دعاوي قضائية ضده، منها القضية التي صدر بشأنها حكم بسجن صاحب المقال سنتين، بتهمة الإساءة لسمعة مصر في الخارج، رغم أن تقريراً من الخارجية المصرية،

وقّعه السفير محمد النقلي، مدير الإدارة القضائية، في ٢٦/٤/٢٠٠٨، جاء فيه: «إنه من الصعب تحديد أو توصيف الحجم الحقيقي لتأثير مقالات الدكتور سعد الدين إبراهيم علي علاقات مصر الخارجية، التي تحكمها مجموعة كبيرة من العوامل المتداخلة والمُعقدة».

وكانت «المصري اليوم» قد نشرت تقرير الخارجية كاملاً (رغم أنه كان يحمل كلمة سري) ومغزي الإشارة إلي تقرير الخارجية، هو أنه صادر عن الإدارة القضائية، التي يرأسها سفير ذو خلفية قانونية، ومن ثم فهو يجمع بين الخبرة الدبلوماسية والثقافة القانونية.
وبهاتين الصفتين لم يجزم الرجل بتأثير مقالانا في «واشنطون بوست» وغيرها، إيجاباً أو سلباً علي سمعة مصر أو علي مصالحها في الخارج. وفي العُرف القضائي إذا كان ثمة شك في أي واقع، فإن ذلك يفسر لصالح المتهم.

ولكن القاضي «الفاضل»، سامحه الله، أصرّ في حيثيات حكمه علي «أن تقرير وزارة الخارجية المصرية جاء به أن المتهم قد مارس نشاطا من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد».

وليت «المصري اليوم» تعيد نشر تقرير الخارجية المصرية، ليتأكد القارئ أنه لم يرد به من قريب أو بعيد أي من الكلمات التي أوردها القاضي في حيثيات حكمه.
وتحديداً لم يذكر تقرير الخارجية كلمة «ضرر» أو «أضرار» علي الإطلاق. كما لم يذكر عبارة «مارس نشاطاً»، علي الإطلاق، ولا أعلم من أين أتي القاضي «المحترم» بهذه الادعاءات.

المهم في البداية والنهاية، أنني عبّرت في مقالي بـ«واشنطون بوست» (٢١/٨/٢٠٠٧) عن «رأي»، يقبل الصح والخطأ. فكان علي من لا يتفق مع هذا الرأي أن يرد عليه برأي مقابل، أو يفنّد ما ورد به من حُجج، أو يصحح ما جاء به من أرقام وحقائق، ولا يكون الرد حكماً بالسجن.

فهذا الأخير، أي السجن، هو الذي يسيء لسمعة مصر بالخارج. لأنه يظهر الدولة المصرية كقاهرة لحرية الرأي بلا حدود.
وقد كان هذا تحديداً هو عنوان المقال في العام الماضي. ولذلك تعمدت «واشنطون بوست» إعادة نشره في نفس اليوم من العام التالي (٢١/٨/٢٠٠٨)، كما لو كانت توحي لقرائها، وللعالم، أن الدولة المصرية قد أصبحت أكثر كبتاً لحرية التعبير، وأكثر قهراً لأصحاب الآراء الحرة. وهذا هو المعني الذي دارت حوله افتتاحياتها التي صاحبت إعادة نشر المقال. أي أن ما كان الحديث عنه في العام الماضي «كفضيحة»، أصبح هذا العام «فضيحة بجلاجل».

وهذا ما تردد في الداخل المصري بعد صدور حكم محكمة جنح الخليفة ٢/٨/٢٠٠٨ علي لسان، وبأقلام، عشرات الكتّاب ومئات المدونين (Bloggers) ومن هؤلاء أذكر علي سبيل المثال الإعلامية الجريئة فادية الغزالي حرب (١١/٨/٢٠٠٨) في مقال لها بعنوان «من الذي يسيء إليك يا مصر؟»، الذي تجاوزت فيه القضية الفردية إلي ما هو أكبر، والذي تحوّل إلي ظاهرة إرهاب جماعي تقوم به الجدولة المصرية ضد أصحاب الرأي المخالف. واستشهدت في ذلك بملاحقة رؤساء تحرير الصحف المستقلة.

وفي مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، تدعو الكاتبة «المعارضة المشتتة في مصر إلي أن تنتزع مكاناً لها في مواجهة النظام الحاكم، دفاعاً عن ضحايا النظام، وحفاظاً علي هيبة القانون، في هذا المناخ المأزوم».
ويذهب الدكتور زكي سالم (١٣/٨/٢٠٠٨) أبعد من ذلك إلي اتهام صريح للنظام لاستخدام القضاء لأغراضه، ليس لإقرار العدالة بين الناس.
وهو يذكر أن «الأحكام تصدر بناء علي هوي أهل الحكم وأوامرهم!» وهذا يعيدنا إلي ما تعرض له نادي القضاة من حرب شعواء بسبب المطالبة المستمرة بحق الشعب في قضاء مستقل، فلا ضمان لتحقيق العدالة في مصر بدون استقلال حقيقي للقضاء.

وقد سبق للدكتور سعد أن قضي ثلاث سنوات من حياته في السجن، بسبب حكم سياسي، ثم صدر له الحكم بالبراءة من محكمة النقض، بعد أن أصيب بالشلل في سجنه، وكاد أن يفقد حياته.

وهذا أسلوب من أساليب التعامل مع المعارضين!. فما هي جرائم د. سعد؟. إنها مرة أخري مجرد كلمات، عبّر بها عن استيائه من الفساد والاستبداد، وطالب بربط المعونة بالإصلاح السياسي. قالها بشجاعة علي الهواء مباشرة بالفضائيات، أو ذكرها في حوارات منشورة، أو كتبها في بحوث وصحف ومجلات.
وممن تناولوا نفس الموضوع عربياً المفكر الإسلامي التونسي صلاح الدين الجورشي، في مقال له بعنوان «سعد الدين إبراهيم.. المثقف المُشاغب والمُلاحق» (العرب القطرية ١٣/٨/٢٠٠٨)، وجاء فيه: د. سعد الدين إبراهيم شخصية مُثيرة للجدل لفترة طويلة،

وسواء اتفقت أو اختلفت معه حول مكمل القضايا والمواقف التي دافع عنها ولا يزال، فإنه لا يجوز لك أن تستخف بذكاء الرجل وعمقه الفكري، وقدرته علي المحاججة وسعة اطلاعه، إضافة إلي حبه لبلاده مصر، وإيمانه بالديمقراطية، وهي مسائل عرفتها فيه عن قرب بعد أن قرأت له بعض أهم ما كتب. ثم خالطه، فاختلفت معه في أشياء. ولكني وجدت لديه خصالاً إيجابية عديدة.
إنه من جيل عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي وحسين مروّة وهشام جعيط وعبدالباقي الهرماسي وسمير أمين وطيب هيزيني وأمين العالم وغيرهم، ممن ملأوا الساحة الثقافية العربية طيلة السبعينيات، ووصولاً إلي التسعينيات من القرن الماضي.. وإن الحكم الصادر عليه يشكل جولة جديدة في معركة قضائية وسياسية أخري، تُخاض ضد هذا الرجل المُصر علي مواصلة مشواره القاسي، والذي يجبره هذه المرة علي البقاء خارج مصر إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

لا شك أن آراء سعد الدين إبراهيم قابلة للنقاش.. لكن من وجهة نظر حقوقية ومبدئية، لا يمكن القبول أن يكون الرد علي الأفكار بسجن الخصوم السياسيين وتشريدهم وتخويفهم. فعلي السلطات المصرية استخلاص الدروس الضرورية (من وقفة الرأي العام المصري والعربي معه هذه المرة).

أما الكاتب المصري وائل عبد الفتاح، في عموده «مُفترق الطُرق» في الشقيقة الدستور ٥/٨/٢٠٠٨ ، فقد كتب متعاطفاً معنا، ومنوّهاً بمبادراتنا في فتح ملفات لم يجرؤ أحد علي طرحها من قبل، وجاءت الأحداث التالية لتؤكد صواب تلك المبادرات. إلا أن الزميل وائل في نفس العمود تحت عنوان «سعد علي طائرة الرئيس»، ادعي أنني «كنت مستشاراً للرئيس حسني مبارك، وأنني سافرت معه علي طائرته إلي واشنطون بالتحديد سنة ١٩٩٩».

ولكنه من هذا الادعاء جانبه الصواب تماماً. لأنني لم أسافر أبداً مع الرئيس حسني مبارك بالطائرة إلي واشنطون، بل لم أسافر معه بالباخرة أو القطار، في أي مكان خارج مصر أو في داخلها.

فقد سافرت مراراً مع ملوك وأمراء ورؤساء آخرين، إلي مشارق الأرض ومغاربها، ولو كان دعاني الرئيس حسني مبارك للسفر معه، لم أكن لأتردد في ذلك، ولكن حقيقة الأمر أنه لم يفعل ذلك أبداً، والمرات الست التي اجتمعت فيها به، بين عامي ١٩٧٨ (وهو نائب للرئيس) وعام ١٩٨٦ (وهو رئيس) كانت من منزله أو مكتبه.

فالسفر مع الرئيس علي طائرته ليس شرفاً أدَّعيه أو تهمة أنكرها، فقط للتصحيح. إن مقال الزميل الكريم هو «واقعة» لم «تقع». فأرجو أن يدقق معلوماته أو يراجع صاحب الشأن قبل النشر.

 نقلا عن المصرى اليوم

* المقال / الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن اتجاهات الموقع، ومن منطلق حرية الرأي والتعبير نترك مساحة حرية أكثر للكاتب حتى يعبر عن رأيه.

إطبع الصفحة اخبر صديقك                      






























الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح