بقلم - د. طارق عباس
الشخص القيادي هو القادر علي رؤية نفسه أعمق من رؤية الآخرين له، الواعي بما فيه من تميز وقصور، وبما يدور حوله من أحداث، المحترم لانفعالاته وتفاعلات الآخرين معه، اللائق -دائماً- بدنياً وعقلياً عندما يقرر النزول لملعب الحياة كي يضمن لنفسه رصيداً وافراً من الأهداف الجادة التي يصفق لها الجمهور.
الشخص القيادي يسمع أكثر مما يتكلم، يخاف من الخطأ ويخيفه الخطأ، تتشبث به السلطة ولا يتشبث بها، يتضخم في داخله الإحساس بالتفرد والنجاح، إن أصاب في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وإذا أخطأ ففراره من السلطة وانسحابه حله السحري، لوقاية نفسه من شر الإحساس بالفشل.
وبالمناسبة ليس كل من يصل إلي السلطة قيادياً، وليس في مقدور كل قيادي الوصول للسلطة، والفرق الجوهري بين الأمم التي تعيش علي هامش الحياة والأمم التي تعيش في الحياة، هو الفرق بين أمم تسلطت عليها قياداتها،
وأمم صنعها قياديوها بشرف ونزاهة واحترام. خطت مصر خطواتها الأولي في النهضة الحديثة علي يد (محمد علي)، الذي تولي الحكم في عام ١٨٠٥، وبعد ٦٣ سنة تبدأ نهضة اليابان علي يد (توتسو هيتو)،
ويتشابه مشروعا الرجلين حضارياً وفكرياً، إلا أن تأثيراتهما جاءت متناقضة، فأين نحن الآن وأين اليابانيون؟ كيف تتصرف سلطاتنا وماذا يفعل قياديوها؟ من الصعب اختصار المراحل التاريخية في سطور قليلة،
ومن السهل الحكم علي ما نحن فيه الآن بأنه ابن سلطات موجودة بالغصب والقوة، وما هم فيه هو ابن سلطات موجودة للفعل، وبين الوجود بالقوة والوجود للفعل، مثل ما بين السماء والأرض، وفي عجالة سأوضح الفرق في حادثتين وقعتا مؤخراً في اليابان، لنعرف من نحن، وأين هم؟ كم نساوي في نظر حكامنا،
وكم يساوون هم؟ الحادثة الأولي وقعت في منتصف عام ٢٠٠١ عندما أدرك (يوشيرو موري) - الذي لم تتجاوز سلطة توليه رئاسة الوزارة اليابانية أكثر من سنة- أنه لم يعد صالحاً لهذا المنصب، بعد أن أحاطت به الفضائح المالية في قطاع البنوك،
وكثرت زلات لسانه، واتهامه شعبياً باستمراره في لعبه الجولف، بعد علمه بصدام سفينة أمريكية بسفينة صيد يابانية في ٩ فبراير ٢٠٠١ مما أسفر عن فقدان عدد من اليابانيين، لذا رأي أن احترامه لنفسه ولهيبته يفرض عليه الاستقالة، بوصفه المسؤول غير المباشر عن هذه الكارثة، طبعاً منتهي الحساسية والالتزام بأخلاق القيادي،
فليس من المعقول استمراره في السلطة ودماء هؤلاء الضحايا في رقبته، والحمد لله الذي لم يجعل عبارة السلام المصرية عبارة يابانية تغرق في عهده وإلا استبدل الرجل الانتحار بالاستقالة. أما الحادثة الثانية فلم يمر عليها أيام،
وقد حصلت مع بداية هذا الشهر الحالي، حيث قرر رئيس الوزراء الياباني (ياسو فوكودا) الاستقالة من منصبه، لإحساسه بتراجع شعبيته -وليس بتلاشيها- وفشله في التأثير علي برلمان، تملك فيه أحزاب المعارضة سلطة تعطيل التشريعات، ورغبته الجادة في ضخ دماء جديدة وقياديين جدد لإدارة اليابان، وإنقاذها من الركود الاقتصادي الذي يهددها هذه الأيام،
وبعيداً عن التحليلات السياسية المعقدة والفذلكة الزائدة، تمثل استقالة الرجل ظاهرة طبيعية في العالم المتحضر، وتعبيراً عن ثقافة رجل يعني بالإنسان قبل أن يعني بالمناصب والسلطة، يعني بالوطن قبل أن يعني بالمصالح الشخصية والبيزنس، لا يريد أن يحدث فراغاً سياسياً،
ولا يتطلع للحفاظ علي السلطة لمجرد البقاء في السلطة، ولا يود أن يدمر سمعة حزبه المحافظ الذي ظل متربعاً علي السلطة أكثر من ٦ عقود، آمن أن ترك السلطة طواعية أشرف ألف مرة من الاحتفاظ بها رغماً عن الشعب، هنا مكمن الفرق بين صناع الحضارة،
وصناع الديكتاتوريات، بين من يضيئون آلاف الشموع في عيون الناس ومن ينشرون الظلام والخوف حفاظاً علي الكراسي، هذا هو الفرق بين ما آلت إليه الأوضاع في عهد مصر (نظيف) وفي اليابان (ياسو فوكودا).
وفي الختام لن أقول لهم دينهم ولنا دين.. لهم فكرهم ولنا فكر، وإنما أقول إنهم يستحقون بجدارة ما هم فيه، ويارب.. يارب عقبالنا.
trkbbs@yahoo.com
نقلا عن المصرى اليوم