|
بقلم: فريدة الشوباشي
كنا نسمع في أعقاب ثورة يوليو في ستينيات القرن الماضي أن قانونًا صدر يحمل عنوان: من أين لك هذا، وتطبيق هذا القانون بصرامة بحيث ترفض تبريرات من «عينة» ربنا فتح عليه أو أنه «اقتصد من راتبه!»، وليكن مثلاً مائة جنيه (كان هذا راتبًا عاليا) وتمكن بالتالي من شراء شقة ببضعة آلاف من الجنيهات ناهيك طبعًا عن امتلاك عمارة سكنية أو عشرة فدادين مثلاً أو سيارة فاخرة - وكان ذلك يعني أي سيارة ليست «نصر» أو «رمسيس» - وبطبيعة الحال كان الحساب يتركز بصورة أساسية علي موظفي الدولة، لأن رواتبهم معروفة ومحددة ولا تحتاج إلي حاسوب أي كمبيوتر، للتحقق من قدرتها الشرائية..
كان الجميع يعمل ألف حساب لهذا القانون، الذي لم يترك الأمر «لأخلاق الموظفين أو ضمائرهم» لأن الأخلاق والضمير لهما حسابات والإضرار بمصالح الناس وسرقتهم لهما حسابات أخري من واجب الدولة القيام بها وعلي أكمل وجه، لأن تخلي الدولة عن دورها يعني بالضرورة تخليها عن هيبتها، ولا يحق لها مطالبة المواطن بالوقوف إلي جانبها إن هي لم تقف إلي جانبه في حماية حقوقه وثرواته..
وقد تدرجت بنا الأحوال خطوة خطوة - علي طريقة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر - إلي أن وصلنا إلي «اطمئنان» الكثيرين إلي شطب قانون من أين لك هذا من قاموسنا تحت دعاوي كثيرة كلها لا تليق بدولة متقدمة..
فإذا أنت تركت المرتشي والفاسد حرًا يفعل ما بوسعه مكتفيا «بتذكيره» بالحساب في الآخرة، فإنه سيدين لك بالشكر أنك أعطيته الضوء الأخضر للاستمرار في الرشوة أو السرقة أو الفساد لتحقيق المزيد من الثروة، لأنه كان قد «سمع» مصادفة بوجود حساب في الآخرة، والحقيقة أن ظاهرة أصحاب الثروات الطائلة في بلد مثل بلدنا ظاهرة تستحق الانتباه إلي تشابكاتها ودواعيها وأصولها..
وإذا تركنا جانبًا ولمقال آخر، أصحاب المليارات من رجال الأعمال، فإن ما يحز في النفس هو ثراء الموظفين الفاحش، وهوـ بما لا يقبل الشك ـ ناتج عن فساد هؤلاء وعبثهم بالقانون حيث يسخرون هذا «القانون» لخدمة أطماعهم وجشعهم، ويحسنون استغلال الثغرات وما أكثرها للإفلات من أي حساب أو عقاب..
ويؤدي ذلك إلي إهدار حقوق المواطن و«مرمطته» في سراديب اللوائح والقرارات، حتي يدوخ السبع دوخات ويدفع «المعلوم» قبل أن يجد نفسه، وقد وقع في فخ دهاليز وسراديب البيروقراطية.. والغريب أن «التعذيب» بالقوانين واللوائح قد امتد حتي إلي المستثمرين، الذين يهرب بعضهم بجلده أو «يفتح فمه» ونتحمل نحن ما يدفعه هذا المستثمر..
الكل تقريبًا يشكو من الفساد وآثاره المدمرة، وهو ما ترصده تقارير دولية دون أن يحرك أحد ساكنًا بانتظار معجزة العثور علي «إيصال» يوقعه المرتشي أو أي إثبات «قانوني، يدين الذي حقق ثراء غير متصور من وظيفته التي كثيرًا ما تكون وظيفة متواضعة! غير أنه يوجد في القانون ما يسمي بالقرائن، وكثيرًا ما ترقي القرينة إلي مستوي الدليل،
بل الدليل القاطع، وليس هناك من دليل أبلغ من أن يحقق البعض ثروات بعشرات وربما مئات الملايين لا يظهر لها أي سند أو تبرير كأن يكون قد تاجر أو ربح يانصيب أو ورث عن عمه المتوفي في البرازيل وحتي في الدول المتقدمة هناك ما يسمي بـ «المظاهر الخارجية للثراء» أي مستوي المعيشة المرتفع بشدة عن الدخل، وتتم المحاسبة دون أن ترتفع أصوات تحذر من تأثيرات ذلك السلبية علي سمعة البلاد أو التسبب في هروب المستثمرين..
بل الأكيد أن الشفافية ومحاسبة المتربحين من وظائفهم هما الضمانة الأساسية لاستعادة ثقة المواطنين في يقظة الدولة وكشفها للمنحرفين وأيضًا في ثقة كل من يتعامل معنا بمن فيهم المستثمرون.. بلاش من أين لك هذا خلوها من أين لك كل - هذا.
نقلا عن جريدة المصري اليوم
|