|
بقلم: أسامة أنور عكاشة
فى منتصف العقد السادس من القرن العشرين كنا ندرس فى الجامعة.. وكنا نشكو من ازدحام العاصمة... واكتظاظ مركبات الترام و«الأوتوبيس» بالركاب حتى نضطر فى أحيان كثيرة للوقوف والإمساك» بالزوردمان» لعدم وجود مقاعد خالية وكان الواحد منا يستخدم علم الفراسة والحاسة السادسة فى اختيار مكان وقوفه ملاصقا للمقعد الذى يحدس أن الجالس عليه هو أقرب الركاب إلى المغادرة فيراقبه متحفزا لينقض كالصقر للحظة نهوضه واستعداده للمغادرة..
كنا ندعى أن هناك زحاما رغم أنه لا يقاس بزحام اليوم ولم نكن نتخيل أو نرى فى أثقل كوابيسنا أن مدينة الملايين الثلاثة وقتها ستضم ذات يوم من أيام العقد الأول فى القرن العشرين أكثر من أربعة عشر ملايين من البشر جلسنا ذات ليلة نتصفح الجرائد وإذا بأحدنا يلوح بصحيفة فى يده هاتفاً. تشكون زحام القاهرة؟ شوفوا الهند.. كان الموضوع عبارة عن تحقيق وصور عن الهند بمناسبة الحرب التى نشبت أيامها بين الصين والهند واجتاحت فيها قوات الرفيق ماوتسى تونج وزير الهند الشمالية عبر جبال الهيما لايا «فاجأنا الهجوم الصينى بقدر ما كنا مبهورين بالصداقة المتينة به الجارين العملاقين وقد قيل بعد الحرب إن المفاجأة هى السبب الحقيقى فى رحيل البانديت جواهر لال نهرو الذى أصيب بجرح هائل لم يكن ليبرأ منه».. المهم أن التحقيق الصحفى المصور كان يقدم للقراء صوراً فوتوغرافية لمدن الهند الكبرى بشوارعها وميادينها وأسواقها وحركة البشر فيها.. واذهلتنا دلهى وبومباى بالكثافة البشرية الهائلة التى تبدو فيها مدن الهند وكأنها نسخ حديثة لسفينة نوح التى تجمع الإنسان فى كافة الأعمال والطبقات الاجتماعية مع الأبقار المقدسة والفيلة التى تتمشى «الهوينى» مشاريع مع كل وسائل المواصلات التى يمكن تخيلها.. وكل المنتمين لكل ألوان الطيف العقائدى والدينى والطائفى والهندوس والسيخ والبوذيين والمسلمين وعشرات الملل والنحل المتفرعة منها.
تذكرت هذه الصور الستينية وأنا محشور» ظهيرة يوم الاثنين الرهيب فى مأزق مرورى قاهري ـ حاولت المستحيل أن اتفاداه ودرت ساعة كاملة متحايلا على الطريق حتى فوجئت أننى عدت قسرا لنفس الفخ فاستسلمت لقدرى.. ولكن الاستسلام وحده لم يكن كافياً.. ولابد من الإذلال والتنكيل.. فأنا بين أمرين أحلاهما مرّ.. أن أتحمل الحر الرهيب وأتصبب عرقا كالمهل يشوى الوجوه والجلود والعيون.. أو أضحى بتكييف السيارة الذى يوصى الثقاة المتبحرون فى علم ميكانيكا السيارات بإبقائه طالما كان الموتور مغلقا والا تعرض للتلف.. والمحرك واقف والسيارة واقفة و حولها أكثر من مائة سيارة واقفة مثلها.. الحركة كلها متوقفة.. وكل الأصوات قد خرست إلا من نداءات الباعة.. وسيارات تطلق نفيرها استعجالا ومللاً.. والحر.. شغال على «ودنه» أصبح عليك ان كنت حصيفا أن تلزم بيتك وتؤجل عمل اليوم إلى الغد وبعد الغد إلى أن يهىئ لك المولى سبحانه فرصة الإفلات ولو مرة فى الأسبوع تذهب فيها «للشغل» توقع فى كشف الحضور.. أو تقدم استقالتك.. أو تسحب استمارة طلب هجرة! فالقاهرة قد ضربت الرقم القياسى لبومباى ومانيلا وكوالالمبور ولاجوس وكل المدن المتورمة سكانيا «لن نذكر طوكيو ولا نيويورك لأن السيستم «النظام» فى كلا البلدين: اليابان والولايات المتحدة لا يسمح بالفوضى» ولم يعد عذرا أن نقول: إن القاهرة فقدت طابعها الكوزموبوليتانى فلم يكن لها يوم هذا الطابع بل كانت أشبه بمدينة كولونيالية يغلب عليها الطابع الاستعمارى بعد أن انحصر وجهها المصرى الأصيل فى مناطق الآثار باعتبارها القاهرة التاريخية! وقد فقدت ضمن ما فقدته قدرتها القديمة على صنع مناخ التواصل والألفة بين «الانسان والمكان» حتى أصبحت «مدينة شخصية» لكل مواطن مصرى حتى انتهكت حرماتها وتعرضت لكل معاول التخريب طوال أكثر من ثلث القرن.. حين أصابها ما أصاب مدن مصر الكبرى كلها ـ الاهمال والتشويه والعبث والجهل وفقدان ذائقة الجمال المعمارى والبعد التاريخى والحفاظ على الأصول.
ترك وجه المدينة ليعبث به الجهلة فصنعوا فيه مسخا وتشويها.. واعتنقوا مذاهب النفاق التى تجعل همهم الأول نوال رضا المتنفذين «الغشم» الذين يتسنمون ظهر السلطة ولا يفقهون فى أصول ومبادىء الجمال والزوق قدر أنملة.. فاختلط الشامى بالمغربى ودخلت «عيشة» فى «أم الخير» وتحولت قاهرة اعمار المملوكى البديع.. وعاصمة الخديوى الطامح إلى جعلها عاصمة أوروبية مكتملة.. إلى معرض لكل ألوان القبح المعمارى.. وكشكول ألوان يسبح فيه اللون الترابى الكالح على الرمادى الباهت على الأصفر والأخضر و الأحمر والأزرق.. لا تتجاور كلها فى أى نسق تقبله العين.. وتحيط كلها بالمشهد الكبير أو الماسترسين بلغة الدراما Master Seien.. أو الفوضى المرورية واختناق الشوارع والميادين..
هكذا أصبحت القاهرة رغم الكبارى والأنفاق والطرق العلوية.. مدينة تنفجر على نفسها.. وتموت بالحركة البطيئة والجميع يراقبونها رسميون وأهالى ـ ويكتفون بالفرجة ومصمصة الشفاه.. ويقف المكلفون بالتنظيم وتلافى الزحام فى المفارق ورؤوس الشوارع وأواسط الميادين يشيرون ذات اليمين وذات اليسار والحيرة تتملكهم بدورهم لأنهم يعرفون تماما ـ كما نعرف أن الحلول التلفيقية والموافقة لن تجدى فتيلا وأجمعت آراء الخبراء على أن الحل الجذرى الناجح هو بناء عاصمة إدارية جديدة لمصر بعيدة تماما عن القاهرة.. كما فعلت البرازيل حين حدث لريودى جانيرو ما حدث للقاهرة فسارعوا الى بناء العاصمة الجديدة «برازيليا» وإذا كنا جميعا نعرف الحل.. وتعرفه قبلنا حكومتنا الرشيدة ـ آسف ـ أقصد النظيفة.. فلماذا لا نتحرك.. ستقول: بناء عاصمة جديدة يحتاج إلى بنية أساسية واستثمارات يعجز حيالها اقتصادنا المتهالك.. ونرد عليها لماذا لا تدعون إلى اكتتاب شعبى لبناء تلك العاصمة؟ وتكونون بذلك قد عثرتم على المشروع القومى الذى يلتف حوله المصريون؟ وأذكركم بهذه المناسبة أن نظام عبدالناصر الشمولى.. استطاع بناء السد العالى وقاعدة الصناعة «التى بعتموها بأبخس الأثمان».. أما أنتم فعاجزون.. عاجزون.. عاجزون.. وفى عجزكم تقفون كسالى متفرجين وتتركون القاهرة تنعى جوهر الصقلى وبدر الجمالى!
وليت الكارثة قد اقتصرت على القاهرة! بل امتدت الفوضى زاحفة الى كل مدن القطر التى كانت بدورها دررا على جبين الأرض المصرية.. ومدينة الاسكندرية؟ المدينة الكوزموبوليتانية الحقيقية التي كانت مفخرة المتوسط.. والتى تشوهت اليوم كل أطرافها بعشوائية «داير مايدور».. وبعد عملية التجميل التى أجراها اللواء عبدالسلام المحجوب على قدر الامكانات التي أتيحت له.. ويحاول بعده اللواء عادل لبيب متابعة ماجري.. إلا أن مستقبل المدينة يبدو غامضاً خاصة وقد بدأت عدوى الفوضى تغزوها وتمد أظافرها لتخمش ما بقى من مياسم الجمال القديم ثم هناك المنصورة.. أتذكرون عروس الدلتا؟.. وهل رأها بعضكم حديثاً؟..
لقد ذهبت ورأيت وصدمت.. لم تعد المنصورة جميلة.. نعم ازدادت حجما ومساحة وامتلأت بالبنايات الشاهقة وألوان النيون.. لكنها فقدت بهاءها الذى فتننا وأوقعنا فى غرامها قديماً..
من مدخل المدينة إلى مبانى الجامعة قطعت رحلة عذاب وسط فوضى مرورية لا تختلف عن فخاخ الزحام القاهرية القاتلة.. وتساءلت وأنا أدعو الله أن يرفع مقته وغضبه عنا كى نصل فى الموعد المحدد.. أن عشرات من الأطباء يفدون يوميا على مركز طبى عالمى تنفرد به المنصورة هو مركز غنيم «مركز الكلى بجامعة المنصورة» فكيف يتكون انطباعهم عبر مشوار تسوده الفوضى.. ودقائق قليلة قد تفصل بين حياة مريض ورحيله؟
نقلا عن جريدة الوفد
|