|
بقلم: د.كمال مغيث
ارتبطت لبنان، في مخيلة الكثير من الشباب المصري، بالعديد من القيم النبيلة منذ فترات طويلة، فعندما ضاقت مصر بكتاب «المعذبون في الأرض» لطه حسين (1947)، بعد نشره منجما في مجلة الكاتب المصري، فإنه قد اتخذ طريقه إلي لبنان، ليطبع فيها ويعود إلي مصر ليقرأه المصريون، وقل مثل ذلك عن رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، (1962) و«اليمين واليسار في الإسلام» لأحمد عباس صالح (1970)، كما كنا نقرأ من الكتب المنشورة في لبنان، ما لا يمكن طباعته في مصر، مثل «في التنظيم الثوري» لجورج طرابيشي، و«نقد الفكر الديني» لجلال صادق العظم.
وجاءت مجموعة من أفلام أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لتضيف إلي صورة لبنان الحر في خيالنا، صورة واقعية للبنان الجميل وناسه البسطاء الطيبين خفيفي الظل والكرماء، ثم جاءت فيروز بصوتها الساحر لتجعل لبنان يحتل في قلوبنا مكانا لا يحتله وطن آخر. غير أنه سرعان ما أدركنا منذ منتصف السبعينيات أن كل ما أحببناه في لبنان كان مجرد قشرة هشة تخفي تحتها أبشع أنواع التعصب والطائفية، فلبنان يتكون من طوائف عديدة: موارنة، أرمن، كاثوليك، أرثوذكس، بروتستانت، سنة، شيعة، دروز... وغيرها.
وعندما تم وضع الدستور اللبناني (1926) لم يقر أي دور للطائفية في تناوله مؤسسات الدولة، بل أشار في تعديل (1990) إلي أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل علي تحقيقه وفق خطة مرحلية» ولكنه في الوقت نفسه لم يواجهها أو يتجاوزها أو يجرم أي شكل من أشكال التحزب والتنظيم الطائفي.
وهكذا ظلت الطائفية فاعلا أساسياً في الصراع السياسي اللبناني، وهكذا جري العرف الطائفي بعد استقلال لبنان (1946) أن تكون رئاسة الجمهورية للموارنة بالتوافق بين رئيس الطائفة المارونية وعدة قوي خارجية، ورئاسة الوزارة للسنة، ورئاسة البرلمان للشيعة، كما لعب العرف الطائفي نفسه لعبته في توزيع الوظائف العليا، في الإدارة وفي الجيش، وفي التعليم، وفي الجغرافيا، ومختلف تشكيلات الثروة والسلطة والثقافة والعمران.
ومن البديهي عندما يختفي الوطن بقوانينه الموضوعية والمجردة التي تحقق تكافؤ الفرص بين المواطنين علي اختلاف انتماءاتهم، أن تبهت شعلة الانتماء إليه، في الوقت نفسه الذي تتوهج شعلة الانتماء الطائفي.
ومن البديهي كذلك أن تشعر بعض تلك الطوائف بأنها هي التي تمثل الوطن والأهداف الوطنية دون غيرها من الطوائف، وتشعر طوائف أخري بأن العرف الطائفي السائد قد ظلمها، أو أن نصيبها من «كوتة» الوطن أقل كثيرًا من حقها التاريخي أو العددي، أو تشعر بعض الطوائف بأنها الوحيدة التي علي الحق، وغيرها من الطوائف مجرد هراطقة كفار أو متآمرين وصنائع للأعداء في أحسن الظروف.
ومن هنا تلجأ تلك الطوائف إلي محاولة الحصول علي حقها المغتصب ومواجهة أعدائها من الطوائف الأخري بالحصول علي الأسلحة، أو بعقد التحالفات الخارجية أو الداخلية، انتظارًا للحظة المواتية، حيث تنتزع بالقوة ما لم تحصل عليه بالسياسة.
وفي مثل هذا المناخ، تتلاشي أو تضمحل آليات الحراك السياسي الوطني، كالأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، فتختفي المواطنة التي يجسدها الدستور.
ويعود الفرد إلي رحم الطائفة بعد أن يكون قد فقد كينونته كمواطن، وأصبح مجرد تابع أو رعية أو مريد، حيث للطائفة عقيدتها ونظامها التقليدي والتاريخي الذي يلعب الدور الأساسي في تماسك الطائفة واستقرارها واستمرارها من العصور القديمة حتي الآن.
والطائفة هنا ليست كالمنظمات السياسية الوطنية تستمد كينونتها وهويتها من نشاط أفرادها وقناعاتهم وأدوارهم الوطنية والسياسية، وإنما تستمدها من كائن خرافي خارج الزمن، كائن تاريخي ديني ميتافيزيقي، لا قبل لأي مواطن بتطويره أو تغييره أو زحزحته عن مواقفه، وفي مثل هذا المناخ يصبح «الوطن» مجرد كومة من القش تحترق بشرارة عابرة.
وهكذا استيقظنا ذات صباح من أبريل 1975، لنجد لبنان الجميل وقد تحول إلي ساحة قتال بين المتحاربين من طوائفه، ولم يعد من الممكن أن تمشي في الشارع، أو تشتري ساندويتشا، أو تشرب شايا علي مقهي، دون أن تعرف الخريطة الطائفية وتتبع تعليماتها.
وهكذا يحاول حزب الله من جديد التهام الوطن اللبناني بالعنف وتهديد السلاح - مهما حسنت النوايا - إذ كيف يسوغ له وحده تحديد الأهداف الوطنية ووسائل تحقيقها، بل ويمنع في الوقت نفسه - وبالسلاح - جميع شركاء الوطن من أن يروا أهدافاً وأساليب تستحق أن تختبر وتناقش.
والشاهد هنا أن المواطنين هم الذين يبنون الأوطان عبر مؤسساتهم السياسية المدنية، في ظل القانون المجرد الموضوعي العلماني، الذي لا يميز بينهم بسبب الدين أو الطائفة أو النوع أو غيرها من الأسباب.
أما الطوائف فإنها - كما شاهدنا في درس لبنان - لا تبني الأوطان، بل تهدمها وتحرقها، وهذا درس الشيعة والسنة في العراق والجيا في الجزائر وحماس في فلسطين والمحاكم الإسلامية في الصومال والجنجويد في السودان والحوثيين في اليمن.
فهل سنستوعب درس التاريخ، أم سيظل التاريخ يعيد نفسه عندنا نحن فقط «دوناً عن كل البشر».
kmougheeth@yahoo.com
نقلا عن جريدة المصري اليوم
|