شاعر الجغرافيا -6-

25/08/2008 - 12:00:30 CEST

 


بقلم صلاح الدين محسن

وتضيف دكتورة نعمات أحمد فؤاد . مزيدا من الهيام  في حب مصر – في مقالها المشار اليه بالحلقة السابقة والذي نشرته بجريدة الهرم – مصر – ما هو امتداد للهيام والغزل الوطني الرومانتيكي – الجالب للنعاس والتخلف -  للدكتور حمدان - شاعر الجغرافيا -  . فتقول  :
" كم لمصر من ريادات . ان سبقها في الزراعة . اولي رياداتها كما يؤكد " سميث " ، توماس شيري " خير دليل . أما لماذا مصر ؟ فلانها الوحيدة في العالم كله التي تنفرد بنظام فيضان نهري دوري سنوي يتفق مع دورة المناخ الفصلي للحبوب خاصة القمح والشعير والكتان " ثم تضيف عن مثل هذه الظروف الطبيعية يقول الدكتور جمال حمدان: "انها ليس لها مثيل في العالم القديم برمته سواء في الرافدين  أو الجانج  والسند او أنهار الصين " .
 
تعقيب :
ان تكرار أقوال دكتور حمدان . سواء الرومانسية  . غير المعقولة في مبالغاتها او في هيامها  أو  المنتهية الصلاحية .. أغلب مثقفي مصر يتعاطون تلك المسكنات والمنومات الفكر جغرافية . التي تخدر الحس الوطني وتسكن رغبة الانسان في النهوض وتسلمه للنوم اللذيذ الطعم مع خلطة الفقر وتشكيلة توابل التخلف  ..  

بعض مواطني دول المنطقة يغيظهم الافتتان الجغرافي – الحمداني -  الزائد للمصريين . بمصر ونيلها وجغرافيتها عموما .. فيرد بعضهم علي أشعار شاعر الجغرافيا وحمدانياته . واليكم نموذج  :

كتب  : زياد دياب ( حمص . سوريا ) بمجلة العربي  . الكويتية عدد رقم 544 –  عدد مارس 2004 – صفحة 169 .  ردا علي كاتب مصري  - ممن حفظوا ويتغنون بالفكر الحمداني الجغرافي - وتحت عنوان " قصة نهر منسي " ما نقتطف منه  :

" .. وأسوة بنهر النيل . كان لابد أن يتعرف العربي علي نهر منسي له فصل من فصول الحضارة .  – ويرد علي مقولة " ان نهر النيل هو الوحيد في العالم الذي يتجه في مساره من الجنوب الي الشمال  "  - فيقول :

والحقيقة ان المبالغة في تفرد مصر في حضارتها واهراماتها ومسلاتها ونقوشها ، وما كتبه الاخوة المصريون قد تعدوا فيه التاريخ ووصلوا الي نتيجة تقضي بتفرد مصر حتي في جغرافيتها . وقلما يذكرون أن الحضارات المعاصرة لمصر، والتي سبقتها والتي لحقتها لها فضل علي الانسانية جمعاء ، وكأن الله لم يخلق سوي مصر ونيلها ..هل تستحق هذه الظاهرة – يقصد جريان النيل من الجنوب للشمال – دراسة تاريخية وجغرافية وطبيعية وبشرية وحضارية . أم الاحتكار الحضاري خاص بمصر وشعبها ؟

ويضيف الاستاذ زياد: هناك أنهار كثيرة تجري من الجنوب الي الشمال ولا تبتعد كثيرا . فان نهر العاصي في سوريا يجري من الجنوب الي الشمال ، وهو أيضا نهر عالمي وحضاري وانساني لا يقل قيمة عن نهر النيل. فهو ينبع من جنوب بلاد الشام ( لبنان ) ويتجه شمالا مخترقا سهول ( حمص ) ومشكلا بحيرة  ( قطنية ) التي قامت عليها حضارات ومدن كبيرة اهمها مدينة  ( قادش  ) . وفيها دارت أعظم معارك التاريخ القديم بين الفرعون رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد والحيثيين بقيادة ( شابيلو ليوما ).. الي أن يقول :

ويتابع العاصي. مسيرته الشمالية ليخلق لنا ليخلق لنا مدينة حمص وحضارته القديمة ويتابع شمالا . ويشكل سدا في الرستن. ويصنع حضارة " الرستن " منذ الألف الثانية قبل الميلاد . ويفجر العاصي الهام الفنانين ويرسمون لنا لوحات فسيفسائية رائعة تدل علي مدي الغني والترف والنعيم الذي عاشته المنطقة بفضل العاصي ...  ويستمر اختراقه شمالا ليصل سهول افافيا حيث قامت مدينة تضاهي روما في جمالها وعظمتها وذلك كله بفضل العاصي المتجه شمالا ليخلق خطا جغرافيا حضاريا قلما يتكرر في التاريخ بسعته وتنوعه وكثافة الحضارات المنتشرة حوله وخاصة الآرامية والعمورية والسريانية . ولا يزال العاصي متجها شمالا ليصل الي " شيزر " ..
الي أن يواصل قوله عن نهر العاصي والحضارات التي قامت عليه :

وكان الفضل في اقامة هذه المدن العسكرية  والقلاع والسدود والقناطر لنهر العاصي . هذا النهر هو نهر الحضارة السورية بلا منازع . وما ان يدخل مدينة حماة العتيقة حتي يفجر ينابيع الهندسة الميكانيكية واساليب الري الحديثة المذهلة والتي لا تزال موجودة حتي يومنا هذا . وهي فكرة الري عن طريق تلك النواعير لان النهر يدخل حماة وهي في منخفض ووادي كبير وليتمكن النهر من سقاية الاراضي المرتفعة تمكن المهندسون . من اختراع نظام مائي فريد من نوعه في العالم . واعجب من الذين قيموا وأسموا اعاجيب الدنيا السبعة كيف لم يضعوا النواعير من اعاجيب الدنيا . علما أنها لا تزال موجودة الي اليوم تؤدي المهمة نفسها التي كانت لها منذ ثلاثة آلاف سنة ... ويمضي الكاتب في حديثه عن نهر العاصي :

ويستمر النهر متجها شمالا ( لا حظوا انه يكرر ويركز علي اتجاه نهر العاصي شمالا – من الجنوب للشمال . للرد علي مزاعم أن النيل هو الوحيد في الدنيا الذي يجري من الجنوب للشمال .. وكأنها فضيلة او فضل !  – حتي يدخل الاسكندرونة شقيقة الاسكندرية لأن الاسكندر المقدوني بني كلتا المدينتين الرائعتين  ..
 الي ان يقول عن نهر العاصي :

ويصب في البحر الابيض المتوسط بكل هدؤ تاركا وراءه هموم التاريخ لان قاع النهر مليء بالوثائق والاحجار والاثريات وبقايا الحضارات فقد رفض ان يجلبها معه ليرميها في البحر كما تفعل بقية الأنهار التي تلقي كنوز حضارتها بالبحر . انه نهر يحب التاريخ لأن اقدم انسان عاش في الارض كان علي ضفتيه . وهذا ليس ببعيد لان هرقل عظيم الروم اقام في حمص وبني له قصرا علي ضفة العاصي. ولهذا يقول أهل  روما مثلا لا يزال يتداول حتي اليوم " ان نهر التيبر " يصب في العاصي " ... ، والهم العاصي المخترعين والمهندسين لاختراع طاحونة تدار علي المياه لطحن الحبوب . وهي كثيرة علي ضفة النهر .

ويقول : " أحب أهل العاصي نهرهم  . وأسموه  " الميحاس " ، وتغنوا به كثيرا ، وكانت اجمل لياليهم علي ضفتيه ، وما " السيران " الا ميزة لا يعرفها الا سكان بلاد الشام ولها نكهة خاصة ومراسم وطقوس يتفنن بها أهل العاصي  وهو نزهة جماعية مليئة بالفرح والسرور والغناء الاصيل وهو تقليد قديم منذ العهد الروماني. فقد عرف من عائلة آل دومنة الحمصية . التي حكمت روما مئات السنين  . وعائلة كركلا . الني تربعت علي عرش روما مدة طويلة . ونقلوا عاداتهم ولباسهم وطعامهم واسلوب حياتهم الحمصية الي روما وجعلوا من نهر التيبر متنزها كما العاصي متنزها.

ويقول:  "لم يخطيء الفيلسوف الروماني " لونجين " عندما استقر في حمص ليكون علي مقربة من العاصي . لتاتي اليه تلميذته الرائعة  " زنوبيا "  لتعلم الفلسفة واللغة علي يديه . حتي تخرجت من مدرسته لتحكم تدمر . التي نافست روما  , وكادت تقضي عليها .

ويمضي في حديثه  عن نهر العاصي: ".. نهر له قصص غريبة وعجيبة – وبعد ان يروي لنا قصة حب لشاعر حمص والعصر العباسي " ديك الجن " – عبد السلام بن رغبان – "  .... :
وتدخل في سجله – اي نهر العاصي - اساطير نري احداها في معابد مصر الفرعونية  في القرن الثالث عشر قبل الميلاد . حيث تقول الاسطورة ان رمسيس الثاني عندما وصل " قادش " علي ضفاف نهر العاصي . كان يحمل معه من مصر قارورة مليئة بمياه النيل فانكسرت القارورة وجرت مياهها متجهة شمالا واخترقت الاراضي فكان نهر العاصي . لأن عصي انهار سورية واتخذ نهج ابيه النيل متجها من الجنوب للشمال  – حسبما تقول الاسطورة الفرعونية - 
...   ...
كما رايتم أعزائي القراء .. هكذا يري غيرنا نهرهم   وجغرافيتهم  وتاريخهم . لا تقل عن نهرنا ولا جغرافيتنا أو تاريخنا بشيء . ويتعجبوا من  افراطنا ومغالاتنا  في الحديث عن جغرافيتنا .. ومباهاتنا للعالم بزعم أن نهرنا – النيل – هو الوحيد الذي يجري من الجنوب للشمال ! ذاك الموضوع الخالي القيمة والفاقد الاهمية – لو صح !! -

فهل نترك ملايين من مرضانا بكافة أمراض التلوث واخطرها ، ونترك ملايين من شبابنا عاطلين  . وملايين من بناتنا بين عانس او في طريقها للعنوسة . ونترك مئات اللصوص الكبار يمصون قوتنا وينهبون ثروات وخيرات بلدنا  . وملايين من الاطفال ضائعين بالشوارع – قنبلة اطفال الشوارع - ، وفئران الفساد وثعالب المفسدين . تتكاثر وتتكاثر ..
وندع شعوب الارض الاخري بالمشارق وبالمغارب تنهض وتتقدم . ..
ونمضي نحن وفي مقدمتنا مثقفونا . لنردد وراء شاعر الجغرافيا وشعراء الأغاني  :
حلاوة شمسنا ونهرنا وأهرامنا وجغرافيتنا ..  وخفة ظلنا .  والجو عندنا : ربيع طول السنة  ؟؟؟!!
*************

* المقال / الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن اتجاهات الموقع، ومن منطلق حرية الرأي والتعبير نترك مساحة حرية أكثر للكاتب حتى يعبر عن رأيه.

مقالات الكاتب إطبع الصفحة اخبر صديقك                       عدد التعليقات: 7






























25 Aug 2008 - 12:03

7- الراسل : قول و أجري

الأحباء الذين يعتقدون أن مجد مصر فى جغرافيتها و فى الحكام الفراعنـة أذكر لهم عن راهب سرياني بار هرب أباؤه من أمام الترك أيام الإبادة الجماعية فى بداية القرن العشرين و أضطروا لبناء دير جديد فى منطقة أخرى فى ديار بكر بعيد عن حرب التطهير العرقي التركية ، حيث سأله مستضيفه هل تفتقد بلدك الأصلي فرد و قال

" الإنسان هو الذي يصنع المكان و ليس المكان هو الذي يصنع الإنسان "

و مقولته صادقة فاليابانيون جعلوا من أرضهم الصغيرة الفقيرة من البترول و المعادن جنة !
و المصريون الذين تركوا مصر ( بتاعت التاريخ و الجغرافيا ) نجحوا فى حياتهم الجديدة فى بلادهم الجديدة و لم ترجع أغلبيتهم الساحقة الى رمسيس الثاني العظيم و طوابير العيش العظيمة و الهرم العظيم و بالوعات المجاري المفتوحة و العظيمة و التي تصب فى نهر النيل العظيم بتاع الجنوب للشمال !

أيها الإنسان النائم فى حضن رمسيس الثاني أو الخلفاء الراشدين على ضفاف نهر النيل بتاع الجنوب للشمال أنت إنسان عادي تستطيع أن تكون عظيماً كالأمريكان الذين لا يزيد تاريخهم عن 200 سنة و جغرافية بلادهم على أطراف العالم بلا أهمية تذكر و تستطيع تصبح عصري فاهم تاريخه بكل مميزاته و عيوبه .
لا داعي أن نؤمن بتفردنا بناء على هبات إلهية سحرية فهذا كلام يؤدي للكسل و الغباء و مع الأسف فالأعلام المصري قد ربى جيلنا على ذلك من أول برامج ماما نجوى و مروراً بمناهج التعليم و انتهاءاً ببرامج السياحة و كتب التاريخ المتداولة على تفردنا بسبب نهر النيل و أخلاقنا التي لا مثيل لها و تاريخنا النقي الذي بلا عيوب و طفلنا الأذكى فى العالم و مش فاضل بقا غير إن برازنا يختلف عن براز أي إنسان آخر .

لا فض فوك يا أستاذ صلاح ، عجبني مقالك و أثرى فكري جداً و أحببته و اتفق معه و أشكرك .

25 Aug 2008 - 04:31

6- الراسل : جورج المصري

استاذي العزيز الحبيب
انا علي دراية بما هي النواعير ( السواقي) اطلقوا لفظ نواعير عليها لان سواقي سوريا يخرج منها صوت كصوت البهائم التي تنعر فلهذا سميت بالنواعير. و النواعير انواع نواعير خشبية مفيدة ونواعير بشرية مزعجة كاذبة مثل حكومة مصر وسوريا وليبيا و السعودية و السودان وبقية نواعير العرب ليس لهم قيمة تذكر .

25 Aug 2008 - 03:26

5- الراسل : to copts

من يعيش فى الغرب, يرى مدى اعجاب وانبهار الغرب بحضارة قدماء المصريين و لا يشاركهم فى ذلك احد , فلا يمر يوم الا وينشر خبر عن حضارة قدماء المصريين , بل ان المجلات والقنوات الفضائه المتخصصه فى التاريخ و الحغرافيا لا تكف عن الحديث عن عظمه هؤلاء المصريين العظام , وحتى الان و بعد 11 سبتمبر لا زال المصرى يقابل بالترحاب من الاوربين و الامريكان .

25 Aug 2008 - 02:03

4- الراسل : صلاح محسن / ردود

الاخ مصري/ تعليق 3
لو كنا بلد متقدم . ونتباهي بأجدادنا القدماء . لكانت المعادلة متوازنة
ولكننا بلد متخلف وفقير . ولا نكف عن الكلام عن الفراعنة والمباهاة بالنيل والاهرام و.. الخ . ! وكلما نزلنا للحضيض كلما ازداد كلامنا عن الاجداد والسبق الحضاري ..! وليت تذكار الماضي العريق يحفزنا فننهض ونتقدم . ولكننا نستمر في النوم ونستمر في الكلام عن الماضي ونغني له ونزداد تخلفا وفقرا ..!
هنا يجب ان نفهم ان من لا حاضر له لا ماضي له . وعلينا أن نكف عن المباهاة بالماضي لكي نعمل ونرتقي فيجوز لنا المباهاة بالماضي بحق .
مع الشكر
2 - الصديق الأستاذ جورج المصري :
النواعير - اي السواقي - التي تكلم عنها الأخ السوري . أظنها تشبه سواقي الفيوم عندنا بمصر . ولكن يبدو انه مثلنا يختلق مفاخر لبلده ويباهي بها - مثلنا . ولذلك فهم في سوريا حالهم كحالنا . لا يقل عنا سوءا !
أما عن سؤالك الاخير . فهو سيجرنا لما هو خارج السياسة . وحديثنا المقصود به سياسيا . ولا نود خلط الأمور كما دكتور حمدان الذي نراه خلط الجغرافيا في أشياء كثيرة وكانت النتيجة كما نراها . غير سارة .
مع المودة والتقدبر
صلاح محسن

25 Aug 2008 - 00:32

3- الراسل : مصرى

يا استاذ مع احترامى الشديد فانة لم تقم حضارة متصلة لالاف السنين الا فى وادى النيل والدليل ان ثلثى اثار العالم موجود فى مصر وقد تكالب على مصر جحافل الغزاة والبربر لالاف السنين مما جعلها فى الحضيض مصر سباقة وليس ذالك بمخدر لمن يعون بل حافز لمعاودة التحضر حتى نكون جديرين بهذة البلد

24 Aug 2008 - 23:29

2- الراسل : بطرس النمس

الذي أغفلته د.نعمات أحمد فؤاد أن تذكرنا به الآن أننا نملأ الدنيا صراخا ..... هات حسنة وأنا سيدك....!!!!

24 Aug 2008 - 22:23

1- الراسل : جورج المصري

عزيزي الاستاذ صلاح الدين محسن . كما امتعتنا بهذا الحديث الشيق عن الانهار التي تجري من الجنوب الي الشمال و التي يبالغ المصريين في هيامهم بها وكانهم هم من صنعوا النهر
وهذا الكاتب الذي يعشق النواعير و الاسم مأخوذ من نعير(صوت) البهائم التي تنعر و النعير صوت مكروة و يقولون للبعض عندما يصرخ بكلام غير مفهوم انت بتنعر لية ؟
وعلي هذا نقيس العامل المشترك بين مخترعي النهر من المصريين و بين مخترعي النواعير و لاننسي اصحاب مكة مركز الكرة الارضية . يجمتع كل هؤلاء علي شيء واحد ويظنون بالخطأء انه اعظم شيء في الوجود ؟ ياتري يا استاذ صلاح تستطيع ان تقول للقارئ ما هو هذا الشيء اللي لا قبلة و لا بعدة؟ و الذي جري من الواطي للعالي وقلب الدنيا من الاعلي للوطي ؟

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح