يبدو أنَّ الدول العربية تعودت على خرق القوانين، يبدو أن الدول العربية تعودت اعتبار كل من يلتزم بالقانون هو غريب وشاذ ويجب مراجعته، يبدو أن الدول العربية تؤمن أن أفرادها يجب أن ينشروا فسادهم خارج وداخل الوطن طالما امتلكوا من الثروة ما يستحق من وجهة نظرهم أن يفعلوا بالبشر ما يحلو لهم، هذا تحديداً ما ينطبق على الابن الأصغر للقذافي الذي قام هو وزوجته بالاعتداء على الخادمة الخاصة لهم، وحين قام الخدام بتقديم شكوى ضدهم، كان من الطبيعي أن تأخذ السلطات السويسرية الأمر على محمل الجد للتحقيق في الأمر والقبض على المتهم في هذا الشأن، ولكن يبدو أن السلطات السويسرية فعلت ما هو غريب بالنسبة للدولة الليبية وبالنسبة لسلطة العقيد القذافي.
ومن المعروف أن ليبيا من أكبر المصدرين للنفط لسويسرا بالإضافة لوجود عدد كبير من الشركات السويسرية التي تستثمر في الأراضي الليبية، وهو ما دفع العقيد القذافي للتفكير في سلسلة إجراءات يراها انتقامية بمحاولة منع النفط عن سويسرا وتهديد الشركات السويسرية بالرحيل من الأراضي الليبية، وعلى ما يبدو فإن المصالح السويسرية متشابكة مع العقيد القذافي بالشكل الذي جعلها توفد وفد دبلوماسي تشرح فيه أن ما قامت به السلطات السويسرية هو أمر طبيعي تقوم به في مثل هذه الحالات التي تقدم فيها شكوى من طرف ضد طرف آخر.
ولكن وبصرف النظر عن تشابك تلك المصالح الذي تحدثنا عنها في الفقرة السابقة، فإن السلطات السويسرية قامت بالدور الواجب عليها ولم تتأثر بما قاله ابن الزعيم الليبي أثناء استجوابه من الشرطة السويسرية، أما تحول القضية فيما بعد لأزمة فهذا أمر آخر، لا يمكن للشرطة أن تأخذ في اعتبارها أشياء لا يتحدث عنها القانون طبقاً لما يقومون بتنفيذه بشكل مستمر، وهو بالطبع واجب تسجي الاحترام الواجب لأنها رأت في نفسها تطبيق القانون بما يتناسب مع الضمير الذي يجب أن يصاحب كل صاحب عمل في أداء وظيفته.
وإلى هنا لم تكن هناك أدنى مشكلة بالنسبة للشرطة السويسرية حتى علم العقيد القذافي بما حدث لابنه وهو من وجهة نظره أمر غاية في الخطورة ويستدعي التهديد بوقف النفط الليبي، وإخراج الشركات السويسرية من ليبيا، وهذا هو منطق الدول العربية في حقيقة الأمر، حيث يجب أن تخترق القانون، ويجب عليك أن لا تحترمه فذلك شيمة أنك من المنطقة العربية ومن يملك النفوذ فيها، وهنا يجب علينا أن نتوقف بعض من الوقت حول هذا المفهوم الذي يعم أصحاب النفوذ في البلاد العربية، فحين يكون المنطق أنه يحق لك أن تفعل ما شئت طالما تملك الثروة أو السلطة فهذا ترسيخ لمزيد من ثقافة العبودية التي تتعامل بها الدول العربية ليس فقط مع الدول في الخارج ولكن مع مواطنيها في الداخل، حين يكون المنطق أن الثروة والسلطة فوق سلطة احترام الآخر والقانون والنظام فهو يعني مزيد من توريث التخلف والتعامل بمنطق العزبة مع الدول وكأنها منطقة خاصة وليست دول لها قوانينها وسلطتها التي يجب أن تحترم أيا كان الشخص ونفوذه.
حين تم القبض على ابنة الرئيس الأمريكي جورج بوش بسبب السرعة الزائدة وتم توقيفها ودفعت غرامة كبيرة كان ذلك نموذجاً للاحترام الذي يجب أن يكون للقانون، حين تمت محاكمة شارون وابنه بسبب تهم فساد وتلقي أموال، كان ذلك نموذجاً لاحترام القانون حتى ولو كان الأشخاص داخل السلطة نفسها، فلماذا تصر الدول العربية على إعطاء نموذج في عدم احترام القانون، ألا يمكن للدول العربية أن تساهم في إعطاء مثل في أي من القيم التي دائماً ما ينبهر بها العرب على المستوى النظري ولكنها بعيده جداً عن التطبيق العملي.