أزمة البشير هي أزمة الثقافة العربية

24/07/2008 - 09:59:30 CEST

 


بقلم محمود الزهيرى

مأزومة منذ زمن طويل يصعب حسابه بآلات العد ومقاييس الزمان، مجتمعاتنا لا يصح أن يطلق عليها مجتمعات لأنها مازالت تعيش في طور البداوة ومفاهيم الصحراء والجفاف، مجتمعاتنا لم تتعود أن تفكر بحرية وانطلاق لأن شيخ القبيلة مازال قابعاً فوق العقل المغلق للعقل والهازم لآليات التفكير، مجتمعاتنا لم تتشوق للحرية كما تتشوق لكسرة الخبز وعورات النساء، مجتمعاتنا لا تعرف سبيل التقدم للأمام لأنها مازالت مشغولة بمؤخرات النساء!!
نعم إنها مجتمعات مأزومة والأزمة ساكنة في أعضائها التناسلية بمقدماتها ومؤخراتها قبل أن تسكن البطون والعقول، لأن العقول مازالت في المؤخرة، ومن هنا كنا في ذيل الحضارات والثقافات ولم نرتق لأن نكون متشبهين بأي أمة من الأمم .
إن مجتمعاتنا لا تنتج الثقافة ولا تستهلك الفكر ولا تؤسس لمجتمع حي نابض بالحرية واليقين العلمي، بل تم استبدال اليقين العلمي باليقين الديني وتسيدت فيها مفاهيم الملوك وأوامر الأمراء، ومن ثم فهي مجتمعات سادت فيها وارتقت ثقافة الخصيان وربحت فيها تجارة الأغوات والغلمان.
إننا مجتمعات تعشق الاستبداد لدرجة أن سادت مقولة: المستبد العادل !!، مع أن العدل والاستبداد لا يلتقيان فالاستبداد خصاء للعقل من التفكير وتطبيع للعقول على تجريم التأويل إلا بصك وصاية من الحاكم أو السلطان أو الملك أو الأمير على شرط أن يكون عقل الفقيه أو المحدث أو المفسر أو صاحب التأويل حتماً يوافق إرادة الحاكم فيما ينتهي إليه أو يذهب إليه من فقه أو تفسير أو تأويل ليستقر الملك وتحكم الإمارة أو السلطنة أو المملكة بأوامر هي أقرب ما تكون من أوامر رب العالمين، ومن هنا كانت لا دول ولا مؤسسات ولا هيئات ومن ثم غاب عنا فقه المجتمعات وساد فقه القبائل بأوسع أنواع الظلم والفسادات والاستبداد، فكان شعار كل حاكم أنا شيخ القبيلة، ومن ثم كانت القبيلة هي الشيخ والشيخ هو القبيلة، وعلى هذا المنوال صارت الدولة هي الحاكم، والحاكم هو الدولة قبل أن يقول لويس أنا الدولة والدولة أنا، فالاستبداد عربي بجدارة، والظلم مرقده عربي بحفاوة، ومازلنا نحلم بحلم المستبد العادل بكل انكسارات النفس المهزومة والمكلومة بالفقر والمرض بكل مذلة وانكسار، وهناك مثل تداوله العامة مفاد هذا المثل أن ضرب الحاكم للمواطن لا يمثل جريمة أو ضرب الحاكم للمواطن ليس عيباً، والحاكم يبدأ من رأس النظام إلي أدنى السلم الوظيفي في السلطة التنفيذية والتي تصل إلى الخفير!!
بل وقال من أسميناهم علماء ونصبناهم علينا فقهاء: إمام غشوم خير من فتنة تدوم، ومائة سنة بإمام جائر، خير من يوم بلا إمام !!
بل ومنهم من ذهب إلى أن وجوب طاعة ولي الأمر حتى لو زنى وسرق وأخذ المال وهتك العرض وجلد الظهر وقتل الولد، بمقولة شاذة تبدأ بهتك العرض ويتوسطها أخذ المال وجلد الظهر، وتنتهي بقتل الأولاد !!
وهذا هو السائد في الثقافات الشعبية الدينية المتوارثة، أما الثقافات الدينية التي تؤسس لطاعة الحاكم وتحريم وتجريم الخروج عليه من غير أن يكون لها رأي أو دور في اختياره من بادئ الأمر فلها رصيد لا يتسع المقام لسرده وإنما يتسع المقام لسرده في مباحث الطغيان والفساد في أنظمة الحكم العربية التي تلوذ بالدين حين بروز كل أزمة علي السطح لتستعمل الشعوب والجماهير كما تستعمل السوائم والبهائم بلا عقل وبلا قلب وبلا ضمير !!
ومن هنا كانت نصوص الدين في استخداماتها الباطنية والظاهرية تحوي كل المعاني المراد لها أن تكون حسب تفسير وتأويل بقاء واستمرارية الحكام على كراسي الحكم والسلطة حتى ولو كان البقاء والاستمرارية مرهونان بالقتل والتعذيب وهتك العرض والحبس والاعتقال والغياب القسري بل والقتل، وذلك حسب مفاهيم أهل التفسير والتأويل من سدنة الحكام وخدام المعبد السياسي المقام على أعمدة المصلحة لدى أهل التفسير والتأويل من سدنة الحكام حيث أنها لها مجال وحيز ولها ابتكار في عقلية سدنة الحكام أرباب المصلحة على موائد الحكام على مر العصور وتوالي الأزمان، فكان النص للحاكم عاصم له من العدل ومؤيد له في سلوك مسالك الطغيان والظلم، فالنصوص ملتبسة في إفهام من فهموهما، والنصوص مهيأة لأن تحمل معان بعدد من يتعرض لها بالتأويل والتفسير أو حتى بالنقد والجرح والتعديل!!
إن الأنظمة العربية التي تحتمي بالمؤسسات الدينية حسب تلك المفاهيم السابقة لا يمكن لها أن تبني مجتمعات على أساس من الحرية والعدالة لأن النصوص تحمي الحكام الفاسدين بتأويلات رجال الدين والموروثات الدينية، مع الخلط التام بين صاحب النص وبين الحاكم باسم النص، وهذا نص ديني له قداسة في نفوس المؤمنين به.
ففي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه:
قال دعانا النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فبايعناه فقال فيما أخذ علينا ‏ ‏أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان .
فالأمر مرهون حسب منطق راوي الحديث  وحسب من يتعامل معه مستخرجاً منه العبر والعظات في تجريم من يخرج علي الحاكم إلا أن يري منه كفراً بواحاً ولابد أن يكون هذا الكفر عليه برهان ودليل من الله !!
فمن إذن لديه القدرة على معرفة برهان الله سوى رجال الدين أو المتعاملين مع النص الديني بصفاتهم الرسمية الموالية للحاكم في ظل العصر الحديث بتطوراته وآلياته الحديثة المبنية على مجتمع المواطنة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية بعيداً عن تأسيس الدولة الحديثة على مفاهيم دينية وموروث ديني تتعدد رؤى تفسيره وتأويله بحسب كل فرد يتعامل مع النص الديني!!؟
مع التنويه بأن القدامى اختلفوا في مراد الله بالنسبة لكلمة الكفر البواح فيذهب أحد المشايخ في سرد هذه الاختلافات وينتقي من الأقوال المختلفة ما لا يمكن معه الوصول إلى مراد الله إلا إذا كان مراد الله هو الخاص بفهم كل من تعرض للنصوص بفهمه المفرد هو فقط دون باقي الفهام : قال ابن حجر في فتح الباري:
‏قوله ( إلا أن تروا كفرا بواحا (
‏بموحدة ومهملة.
قال الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره .
ثم قال: وقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح عن ابن وهب في هذا الحديث كفرا صراحا، بصاد مهملة مضمومة ثم راء .
ووقع في رواية حبان أبي النضر المذكورة" إلا أن يكون معصية لله بواحا " .
وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة " ما لم يأمروك بإثم بواحا " .
وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة: " سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله " .
وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه" سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة " . ‏
‏قوله ( عندكم من الله فيه برهان(‏.

‏أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل.
ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل .
قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام .

فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم انتهى .

وقال غيره : المراد بالإثم هنا المعصية والكفر , فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر.
والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية .
فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف .
ثم قال : ونقل ابن التين عن الداودي قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.
وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه ) انتهى ما تم ذكره هنا في شرح هذا الحديث  .
وهذا حديث آخر : عن ‏عبد الله ‏ بن مسعود رضي الله عنه : ‏قال قال لنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إنكم سترون بعدي ‏ ‏أثرة ‏ ‏وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم ‏.‏
أي إلي الحكام .
أي علي وزن دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله , ولكن بصورة أدي للحاكم الحق الذي يسبق علي حقك، وبعد ذلك اسأل الله تبارك وتعالي حقك، سواء أعطاك الله أو منعك، والمهم والمضمون أن تعطي حق الحاكم أولاً حسب المفهوم من هذا الحديث !! 
وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا" سيكون أمراء فيعرفون وينكرون، فمن كره برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا، ما صلوا " .
ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى" قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : لا، ما أقاموا الصلاة "
وفي رواية أخرى: وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة  " .
فالطاعة حسب النصوص الدينية واجبة بالتفسير والتأويل حسب مفردات العصر الماضي أما في العصر الحالي فتغيرت لغة الحكم ومفاهيم السياسة وإدارة شئون الدول والعلاقات الدولية المرتبطة بالمعاهدات والمواثيق والعهود الدولية أو ما يسمى بالشرعية الدولية برغم بعض المساوئ والمعايير التي تعاير بها وتقيس عليها إلا أنها أفضل من النظم العربية الحاكمة ومشروعية وجود الحكام علي كراسي الحكم والسلطة التي هي بهذه المعايير والقيم تعتبر أدنى وأقل تحضراً وتمدناً لأنها مازالت تحكم بروح شيخ القبيلة بل القبيلة في بعض الأحيان أرقى من مستوى الحكم والسلطة بمقارنتها بالأنظمة العربية .
فحينما يستند أحد من العلماء أو المشايخ أو الفقهاء إلى الحديث الذي يروي عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال :
 أتاني جبريل فقال :
 إن أمتك مفتتنة من بعدك .
 فقلت :
 من أين ؟
 قال :
 من قبل أمرائهم وقرائهم , بمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون , ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون .
قلت :
فكيف يسلم من سلم منهم ؟
 قال بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه  " .
ماذا يمكن أن نقول أمام هذه الرواية التي رواها أبا عبيدة بن الجراح إذا كان الأمر منسوب إلى جبريل عليه السلام ومنسوب من ثم إلى  لرسول عليه السلام ، خاصة وأن الفتنة ماحقة لا محالة فلا حيلة تنفع مع نبوءة، ولا شفاعة تنفع مع استشراف أحداث المستقبل برؤية مقدسة أو بنبوءة صادقة لها حيز واسع من القداسة، والإيمان بها واجب يصل إلي مرتبة الفرض الديني؟!!
بل الأمر يزداد تعقيداً في ظل الشرعية الدولية بملوثاتها القانونية والتشريعية وبموازينها المختلة في بعض الأحيان والكيل بموازين متعددة والانحياز لبعض القضايا علي حساب قضايا أخرى، وهذه المسألة الموروثة ديناً والتي تلخص عظيم الأزمة في تقسيم العالم كله إلى دار كفر ودار إسلام ومن ثم فلا ولاية لكافر على المسلم بما فيها ولاية القضاء سواء كان قضاء محلي أو قضاء دولي، إذ حسب المنطق الخاص بالمسلمين أصحاب نظرية تأجيل كافة الحلول انتظاراً لعودة الخلافة الإسلامية أو المهدي المنتظر لدى السنة أو الإمام الغائب لدى الشيعة، فلا تصح ولا تجب ولاية كافر على مؤمن على الإطلاق لأن الولاية حسب معتقدهم من الإسلام والإسلام حتماً يُعلي ولا يُعلي عليه، إذ يرى:
  
الكاسانى في( بدائع الصنائع)أنه: " لا يجوز أن يثبت للكافر ولاية السلطنة على المسلمين" وقال أيضاً:
الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم لأن الشرع قطع ولاية الكافر على المسلمين قال الله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } وقال صلى الله عليه وسلم (الإسلام يعلو ولا يعلى) ولأن إثبات الولاية للكافر على المسلم تشعر بإذلال المسلم من جهة الكافر وهذا لا يجوز".
ومن أدلة بطلان ولاية الكافر حسب الموروث من تراث المسلمين ولا أقول تراث الإسلام تمييزاً للإسلام علي المسلمين، فيسوق الشاطبي في موافقاته أدلة تُحرم هذه الولاية :


قال الشاطبي في الموافقات: " قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } إن حمل على أنَّه إخبار لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله ، فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ويطرد عليه وهو تقرير الحكم الشرعي فعليه يجب أن يحمل".

والقصد من هذا أن الآية وردت بصيغة الإخبار، إلا أن الخبر يعارضه الواقع من حيث وجود السبيل على المؤمنين أي طريق الوصول إلى هزيمتهم والغلبة عليهم ، ولما كان الأصل صدق خبر الله تعالى وامتناع التخلف فيه ، علم أن القصد هنا النهي عن أن يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين سواء بتوليتهم أو بتحكيمهم فيهم أو بغير ذلك مما يصدق عليه أنّه من باب السبيل أي من باب تسليط الكفار على المسلمين .
فالآية وإن وردت بصيغة الإخبار إلا أنّها تضمّنت الإنشاء المتمثّل في النهي عن تسليط الكافر على رقبة المسلم ومنه النهي عن توليته الحكم.
ويستند آخرون إلى نصوص القرآن في الولاية ومن هذه الاستنادات :

قال الله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) } النساء.
 ويري منهم أن تفسير هذه الآية يكمن في أن
المراد بقوله تعالى { وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } الحكام والأمراء والسلاطين ؛ لأنّ الطاعة لا تجب إلا لهم ولا تجب لغيرهم من العلماء وأولي الرأي ، فالعالم يتّبع ولا يطاع ، وأما الحاكم فيطاع ويتّبع .
 وأما قوله تعالى{   مِنْكُمْ   } فهو لبيان واقع الحكّام الذين يشترط فيهم أن يكونوا منّا أي من المسلمين . وبذا يعلم أن الآية تدلّ على صفة الحاكم وأنّه مسلم من المسلمين.

ويري آخر في الاستناد إلى قول :
الله سبحانه وتعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ... (48) } المائدة.
قد بيّنت هذه الآية القاعدة الأولى في الحكم في الإسلام وهي الحكم بما أنزل الله تعالى أي بالكتاب والسنّة ، والكافر لا يحكم بالكتاب والسنّة ، لذلك فتوليته الحكم ممتنعة.

ويستند رأي إلي ما  أخرجه مسلم
في صحيحه عن أُمّ سلمة أنّ رسول اللّهِ قَالَ: «   سَتَكُونُ أُمَرَاءُ ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ . قَالُوا : أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ : لاَ . مَا صَلّوْا ».
وأخرج أيضا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ قَالَ:   خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ ، وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ ، وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ ؟ فَقَالَ : لاَ . مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ ، وإذَا رأيتُم مِنْ وُلاتِكُم شَيئًا تَكْرَهُونَه ، فَاكرهُوا عَمَلَه ، وَلا تَنزعُوا يَدا مِن طاعَة.
والمراد بالصلاة هنا الحكم بالإسلام ككل ، وعبّر بالصلاة أو بإقامة الصلاة مجازا من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكلّ.
 والحديث ينصّ على ترك طاعة الحاكم المسلم إذا ترك الحكم بالإسلام ومنابذته ،
ما بالك بالكافر أصالة إذا ولي على المسلمين . هذا إن حمل الحديث على المجاز ،
أما إن حمل على الحقيقية كما ذهب إليه طائفة من أهل العلم ، فيكون أوضح في الدلالة على عدم تولية الكافر؛ لأنّ الكافر لا يصلّي وإن صلي فلا                   تقبل منه.
ويذهب خامس في الاستناد إلى ما هو أبعد من ولاية الحكم والقضاء  إلى ما يرويه:
البيهقي عن حشرج بن عبد الله بن حشرج حدثني أبي عن جدي عنه أنه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حوله أصحابه ، فقالوا : هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عائذ ابن عمرو وأبو سفيان؛ الإسلام أعزُّ مِن ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلَى              وقد اعتمد العلماء هذا الحديث فبنوا عليه قاعدة: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه .
ثمّ اعتمدوا القاعدة فبنوا عليها جملة من الأحكام منها:
قال السرخسي في (المبسوط): " إذا أسلم أحد الزوجين فإنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلى عليه ، فلا يكون اعتقاد الآخر معارضا لإسلام المسلم منهما".

وقال ابن عابدين في حاشيته : " إذا أسلم أحد الزوجين يفرّق بينهما ؛ لأنّه بإسلام أحدهما ظهرت حرمة الآخر؛ لتغير اعتقاده ، واعتقاد المصرّ لا يعارض إسلام المسلم ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعـلَى.
وقال القرافي في (الذخيرة): وكره مالك تعليم المسلم عند الكفار كتابهم ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه.

وقال الشيرازي في (المهذب) : وإذا أسلم أحدهما [ أي أحد الأبوين ] والولد حَمْلٌ تبعهُ في الإسلام ؛ لأنّه لا يصحّ إسلامه بنفسه ، فتبع المسلم منهما ؛ لأنّ الإسلام أعلى ، فكان إلحاقه بالمسلم منهما أَولى.

وقال ابن قدامة في (المغني) : الولد يتبع أبويه في الدين ، فإذا اختلفا وجبَ أن يتبع المسلم منهما، كولد المسلم من الكتابية ، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى.

وقال الدّردير في (الشرح الكبير) : وحُكم بين الكفار بحكم المسلم ، إن لم يأب بعض ، إلا أن يسلم بعض فكذلك ، أي : يحكم بينهم بِحكم المسلم من غير اعتبار الآبي ؛ لشرف المسـلم ، وقصده بشرف المسلم أنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
والحاصل فإن العلماء من شتى المذاهب قد اعتمدوا هذه القاعدة في بيان أسس التعامل مع الكفار في مسائل كثيرة ، ومما يتفرع عنها ويتخرّج عليها ما نحن بصدده أي حرمة تسلط الكافر على رقاب المسلمين فيحكمهم ، إذ لا علو أظهر من علو الحكم والسلطنة . فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه .

وهذا ما استقيناه من بعض الآراء في هذه الجزئية والتي تشكل أزمة خانقة للعرب الذين يدينوا بالإسلام وتخومهم الإسلامية في البلدان المجاورة للمنطقة العربية والغير ناطقة بالعربية .
فكيف إذا أسقطنا واقع أزمة الرئيس السوداني عمر حسن البشير وطلب توقيفه وتقديمه للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية , علي هذه الوقائع المخلوطة بوقائع مغايرة لوقائع معاصرة وإضفاء الجانب الديني عليها بالرغم من ظلم وفساد الأنظمة العربية الحاكمة , علي واقع يتم الاعتبار فيه علي أن الحاكم المعاصر يمثل ويشابه الإمام أو الأمير أو الخليفة صاحب السلطة الدينية المختلطة بالسلطة الزمنية ؟!!
فمن الذي يخاف من المحكمة الجنائية الدولية ؟
في البداية لابد وأن تعمل حساب لحملة لواء الدين الإسلامي الرسمي , ومعهم حملة لواء الدين الإسلامي الغير رسميين من المنتمين للجماعات الإسلامية من أقصي يمينها إلي أقصي يسارها وذلك حينما تخوض في الإجابة علي هذا السؤال , وفي نفس الوقت وذات التوقيت لابد وأن تعمل ألف حساب لحملة ألوية التيار القومي , والغريب في الأمر أن تراعي في ذات الوقت ونفس التوقيت حسابات الأنظمة العربية الحاكمة !
ولا أدري كيف يجتمع الفرقاء أو الخصماء علي رفض مجرد فكرة المحكمة الجنائية الدولية بالرغم من العداء بين الإسلاميين وبين القوميين , والعداء بين الفريقين وبين الأنظمة العربية الحاكمة حال كون الإسلاميين يتهمون الأنظمة الحاكمة بالكفر والظلم والفسق والقوميين يتهمونها بالخيانة والعمالة والفساد , ويقف علي جانب مغاير رجال الدين الرسميين المعينين من قبل الأنظمة العربية الحاكمة والذين يعتبروا أبواقاً تردد ما تذهب إليه تلك الأنظمة حتى من التوقيع علي المعاهدات والمواثيق الدولية أو التوقيع علي معاهدات السلام أو إظهار بوادر العداء لدولة معينة..
mahmoudelzohery@yahoo.com

* المقال / الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن اتجاهات الموقع، ومن منطلق حرية الرأي والتعبير نترك مساحة حرية أكثر للكاتب حتى يعبر عن رأيه.






























26 Jul 2008 - 15:34

1- الراسل : عاطف الفرماوى

من البشير السودان الى موجابى زيمبابوى يا قلبى لا تحزن . ما هذا الفجر الذى تبثه القنوات الفضائية السودانية فى الدعوة لحماية نجرم ارتكب جرائم ضد الإنسانية ونقول لماذا هلل العرب لاتهام المحكمة الدولية لحاكم الصرب باتهامة بتنظيم مذابح ضد المسلمين فى البوسنة والهرسك ثم يصمتون أمام حكم المحكمة باتهام البشير بجرائم ضد الانسانية . انهم يكيلون الأمور بمكيالين إذا كانت الإدانة على عدوهم هللو للمحكمة الدولية أما اذا وجهت لهم الاتهام فانهم يتذمرون وينافقون ويتأففون . أتمنى أن تحكم المحكمة الدولية بالقبض على البشير ويتحرك الانتربول للقبض عليه فعلا ليكون عبرة لكل القادة الذين ذاقوا شعوبهم الذل والهوان وبددوا ثرواته فى مغامرات فاسدة يبدو أن عقدة تخلف العرب فى الأنظمة التى تحكمهم

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح