|
بقلم نضال نعيسة
تبدو اليوم التكتلات الإقليمية العابرة للإثنيات والقوميات والأعراق والأديان هي الحل الأمثل لمجمل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي باتت تعصف بالكثير من المجتمعات، وستهدد أمنها واستقرارها على المدى الطويل إن لم تجد منها مخرجاً مناسباً، بعد انهيار وسقوط وهزيمة كافة مشاريع الدول العرقية والدينية والقومية التي لم تقدم ولم تؤخر على الإطلاق. ويشكل التعاون البني والتكامل العضوي على مختلف الصعد والجوانب بين الكيانات السياسية أحد أهم الموجبات لقيام تلك التكتلات التي تفضي إلى كيانات اقتصادية قوية كاتحاد دول جنوب شرق آسيا المعروف بالآسيان، والاتحاد الأوروبي، والكومونولث، وجماعة الثمانية G8، والنافتا NAFTA منظمة التجارة الأمريكية التي تعتبر أكبر تكتل تجاري في العالم وتوازي الاتحاد الأوروبي.
وقد أظهر العرب عجزاً واضحاً وفاضحاً في تبني وتجسيد أي شكل من أشكال الاتحاد، أو الاندماج، وحتى التعاون، وهو أضعف الإيمان، فيما بينهم في تاريخهم المعاصر. وقد انتهت جميع تلك المحاولات "الوحدوية العربية إلى كوارث، إن لم يكن إلى مهازل سياسية حقيقية. فالكل يعلم ما آلت إليه مهزلة الوحدة بين سورية ومصر رغم أن البعض ما زال يحتفل بها حتى اليوم من باب التقية السياسية ليس إلا، وهي التي شرعنت للاستبداد السياسي على يد طاغية العرب الأول جمال عبد الناصر، الذي كان جزءً من مخطط غربي معلن لتصفية جيوب المد الليبرالي ( الشيوعية والفكر الماركسي كانا أحد تنويعات ذلك المد) في المنطقة تمهيداً للصعود الصاروخي اللاحق لسلالات النفط الحاكمة، والتصفية الوحشية لفرج الله الحلو تؤكد موقف رموز تلك الحقبة السوداء من التيارات اللاماضوية التي حاولت أن تتنفس، وتعلن عن نفسها في زمن ومضة صعود ليبرالي وحداثوي وجيز ما لبث أن وئد في مهده وأيادي القوميين البيضاء واضحة فيه. ومجلس التعاون لدول الخليج الفارسي لم يتقدم، "ومن يوم يومه"، بوصة واحدة، ولا قيد أنملة على صعيد الاتحاد الجمركي أوالعملة النقدية الموحدة، والتجارة البينية بعد مرور حوالي ثلاثين عاماً على قيامه، وانتهى إلى ما هو عليه من اجتماعات دورية تستعرض فيها الفخامة والأبهة والديكورات الأسطورية لقاعات الاجتماعات وحرس الشرف في المطارات. وأما مجلس "النحس" للتعاون العربي الذي ضم العراق، ومصر، واليمن والمملكة الهاشمية، ( وكان موجهاً بشكل أساسي ضد ما يسمى بالمحور السوري الإيراني في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية) فقد انتهى بالمغامرة القومية المعروفة والمثيرة لحارس البوابة الشرقية للإمبراطورية البدوية، وسميناه بالنحس لأنه قضى نهائياً، والحمد لله، على أزعومة القومية والأخوة العربية). فيما أصبح اتحاد المغرب العربي في خبر كان المستتر وتقديره "رحمه الله"، في ظل أكوام المشاكل والصراعات المتعددة فيما بين دول المغرب الأمازيغي والبربري والعربي والذي لا يجمع بينها أي جامع. ومن يتذكر اليوم "وحدة وادي النيل" التي وافها الأجل المحتوم، والبقاء لله وحده، بين مصر والسودان؟ ( يشير كثيرون إلى وقوف اللوبي المصري الضاغط وراء قرار استهداف الرئيس البشير وذلك رداً على محاولة اغتيال مبارك التي جرت في حزيران يونيو 1995 في أديس أبابا واتهم بها الترابي وجماعة الإنقاذ السودانية).
ما يفرق العرب ويشتتهم، بحمد وفضل ومنة من الله، أكثر مما يوحدهم، وإشكالاتهم الكثيرة واختلافاتهم لن تحلها جامعة عمرو موسى التي أضحت مهمتها الوساطة والتقارب بين الأعراب مهما عقدت من قمم واجتماعات، وقد تنعدم تلك الصراعات والمفارقات في الأجواء والمناخات المتوسطية البراغماتية والعملية، أو لنقل أن عربان المتوسط لن يجدوا وقتاً لإثارتها في قاعات المتوسط، ناهيك عن أن أحداً لن يستمع لها هنا، هذا إذا تفهمها من الاساس حيث يختلط فيها القبلي بالشخصاني بالتاريخي بالمذهبي بالعشائري إلخ. (استغرق تشكيل وزارة "وحدة وطنية" (هكذا اسمها قسما بالله)، في لبنان شهراً ونصف الشهر فقط بعد أن "توافقت" عليها رؤوس ملوك الطوائف الحامية. وفشلت "العروبة" لوحدها فشلاً ذريعاً بشقيها الإثني والسياسي في لم شمل ما يسمى بالعرب على مر التاريخ، وكان التشرذم، والانشقاق والصراعات المختلفة هي ما يميز سلوك العرب فيما بينهم حتى اليوم.( آخر مظاهر حب العرب لبعضهم، ويا عيني عليهم، هو وقوف بعض العرب علناً بجانب إسرائيل وهي تقصف لبنان على مدار ثلاثة وثلاثين يوماً). والرئيس مبارك "المتوسطي"، مثلاُ، هو غير الرئيس مبارك "العروبي"، فقد هرع لتلبية دعوة الرئيس ساركوزي للاجتماع المتوسطي، فيما تمنـّع وتدلل وتكبـّر على حضور قمة أبناء جلدته"العرب" في عاصمة الدولة العربية الأولى في التاريخ، كما يتغنى بذلك القوميون العرب، والله يحرسنا ويحرسهم، جميعاً.
كان المتوسط تاريخياً بحيرة للخصب والعطاء وتصدير الحضارات وإغناء التجارب الإنسانية بكل ما هو عظيم وآسر ومبدع وخلاق. وحضارات المتوسط قديمة وعريقة وراسخة في التاريخ وصدرت للعالم قيماً عظيمة، وفنوناً رائعة، وأوابد خالدة، من الفينيقية إلى الرومانية، والكنعانية، والآرامية، والسريانية، والفرعونية، والأمازيغية، والإغريقية ..إلخ. وكان المتوسط يشكل في يوم ما، وفي أكثر من مناسبة وحقبة تاريخية، وحدة سياسية، إضافة لتلك الجغرافية لأبناء تلك الحضارات. وإلى اليوم هناك الكثير من الأوابد الرومانية والإغريقية والآرامية والفرعونية، ولكن بالكاد يعثر على آبدة فنية عربية، إلا ما رحم ربي، وممن نجت من فتاوى فقهاء السيف والدم الكرام.
لا شك أن قيماً جديدة من التعاون وتبادل الخبرات، وحب العمل، وتقديس الإنتاج، واحترام الحياة والازدهار ستدلف إلى المنطقة من الشمال الصناعي المزدهر والغني بدل تلك القيم القبلية الخبيثة الكسولة والخمولة التي تحتقر وتزدري الحياة بشكل عام، أورثت الخراب والدمار والهلاك. وستعمل القيم المتوسطية العصرية الجديدة على الافتراق نهائيا عن أعراب المكر والتخاذل وحبك المؤامرات، الذين لم يكونوا يوماً مصدر دعم وقوة ومؤازرة لبعضهم البعض على الإطلاق. فلم لا يجرب المتوسط، ويتم الابتعاد قليلاً عن أجواء الصحراء والتصحر والجرب والخواء، السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال حقب طويلة لم تجلب سوى مزيد من الانشقاقات والمواجهات العبثية والسجال والقيل والقال والكوارث المتتالية على هذه الشعوب المصابة التي ابتليت بداء العروبة الفتاك؟
ونعم لاتحاد من أجل المتوسط، ولا لأي شكل من الاتحاد من أجل الصحراء!!!!!!
|