محيط
بقلم- نيللي نبيل
ما بين الأفراح والأحزان والانتصارات والانكسارات وسخونة المنافسات ولحظات التتويج بما فيها من زهو وفخر حين ترفع اعلام البلدان الفائزة، والغرائب والعجائب التي تميز الاحداث الرياضية الكبرى، عاش ما يقرب من 1.2 مليار شخص حول الكرة الأرضية مع دورة بكين الأولمبية في الصين التي انتهت أواخر أغسطس الماضي وخلفت وراءها الكثير من الأحداث التي ستبقى عالقة في الأذهان حتى الدورة القادمة "لندن 2012".
وعلى الرغم من اندهاش العالم كله برياضيين ظهروا في الدورة بمثابة الأساطير نتيجة لما حققوه من إنجازات اثبتت أن الطموح البشري لا يتوقف عند حد تماماً كما فعل الأمريكي مايكل فيليبس الذي انقذ بعثة بلاده من فشل هائل وسقوط مدوي، باحرازه تسع ميداليات ذهبية بمفرده، والجاميكي يوسين بولت الذي بات أول عداء في التاريخ يفوز بأسرع سباقين في العالم 100م، و200م، محققاً رقمين قياسيين جديدين، على الرغم من تلك اللحظات المبهرة، عاشت الجماهير المصرية ومازلت حالة من الحزن والصدمة لفشل معظم رياضيها في الدورة، ومحدودية انجازاتهم لدرجة أن ما حققته مصر والدول العربية مجتمعة يقل بكثير عما انجزه فيليبس للولايات المتحدة بمفرده.
وخرج الجميع بعدها ليهاجم الرياضيين المصريين المشاركين في الحدث العالمي، متهكماً على أبطال كانت الأمال معقودة عليهم لاحراز المزيد من الميداليات بعد برونزية هشام مصباح في الجودو، وكرم جابر في المصارعة، واية مدني في الخماسي الحديث، ورمضان عبد الغفار ومحمد هيكل في الملاكمة وغيرهم، مطالبين بحسابهم والتحقيق معهم، وذلك بالطبع بعد وصلات السخرية والتقارير الإستفزازية وسيل التعليقات والمناقشات المحبطة التي قدمتها القنوات الفضائية ووسائل الإعلام للمشاهدين تهكماً وانتقاماً من هؤلاء الرياضيين الذين يبدو إنهم ارتكبوا خطئاً كبيراً بالتأهل لمثل هذا الحدث الكبير، وتمثيل البلاد فيه.
والواقع أن ملايين المصريين تابعوا منافسات دورة الألعاب في بكين كما فعل الجميع في بلدان العالم كلها، ولكن بطريقة غريبة نوعاً ما، حيث شاهدوا لقاءات الرياضيين المصريين في المنافسات بشكل مجرد ومنعزل تماماً عما حدث قبل الدورة، وانتظروا الإنجازات والذهبيات منهم بغض النظر عن حجم التدريب الذي تلقوه أو تفوق المنافسين عليهم أو مدى استعدادهم لخوض منافسات الدورة، متناسيين أن الأولمبياد لا تأتي فجأة، ولكن يتم الإعداد لها خلال أربع سنوات كاملة بمعسكرات ومشاركات مستمرة في بطولات العالم والبطولات القارية والاحتكاك بأبطال البلدان الأخرى.
وعلى الرغم من اعترافنا بغيرة المصريين على بلادهم وسمعتها الرياضية بين نظيراتها على الأقل على المستويين العربي والإفريقي، إلا أن طريقة تعاملهم مع نتائج بعثتهم إلى بكين لم تكن على المستوى المأمول، فاستخدام التعليقات الساخرة والتقارير الاستفزازية والتهكم على الرياضيين، والمطالبة بعدم اشتراكهم مرة أخرى إلا في حالة التأكد من احراز ميدالية، ينم عن قصور شديد في فهم معاني الرياضة، ومعاني المشاركة في الدورات الأوليمبية، والشرف الكبير الذي يحصل عليه كل من يذكر اسمه في هذا الحدث العالمي، وما يمثله تجمع الاف الرياضيين من جميع قارات العالم للتنافس الشريف، وليس أدل على ذلك سوى "لقطة الدورة" التي ستخلد في التاريخ، والتي يقبل فيها أسطورة كرة القدم الأرجنتيني دييجو أرماندو مارادونا يد نجم المنتخب البرازيلي وآ سي ميلان الإيطالي رونالدينهو، اعترافاً منه بقدراته وامكانياته وتقديراً لموهبته الفزة، وذلك دون النظر لأي تعليقات قد تصدر عن تلك الصورة أو أية انتقادات من جماهير بلاده عند رؤيته يقبل يد أحد أفراد ألد منافسيهم على المستوى الرياضي، ولكنه لم يتذكر سوى أن الرياضة أخلاق وأن هذا الحدث الذي جمعهما هو الأكبر في العالم والتواجد به شرف لا يضاهيه شرف.
لقد صب المصريون جم غضبهم على أبطالهم الذين شاركوا في الدورات، وطالبوا بألا يشارك من لا يستطيع تحقيق الإنجاز، وألا تصرف الأموال إلا على من نتأكد من قدرته على احراز الميداليات، لكنهم تناسوا أن "الأولمبياد لا تأتي فجأة"، وأن الأربع سنوات الماضية أوضحت للجميع قبل الذهاب لبكين فرص المصريين في الدورة وكانت مقدمات لما يمكن أن يحدث، بعد أن تفرغ حسن صقر رئيس المجلس القومي للرياضة لنزاعاته حول لائحته الجديدة في ذروة الاستعدادات للأولمبياد، وتفرغ مسؤولي الاتحادات لمحاربة تلك اللائحة للحفاظ على مناصبهم لأكبر عدد من السنوات القادمة، فيما لم يهتم أحد بوضع خطة للتركيز على الرياضات الفردية التي لن يأتي غيرها بالميداليات، أو التأكيد على أن الأموال المصروفة على الرياضيين ترفع مستوياتهم وتساهم في تطوير أدائهم ولكن في الوقت نفسه يقابلها صرف غير محدود من الدول المتقدمة على رياضيها بشكل لا يمكن لدولة نامية مثل مصر مواكبته.
لقد حزن المصريون وغضبوا من نتائج بعثتهم المشاركة في الأولمبياد وطالبوا برؤوس أبطال ككرم جابر واية مدني وغيرهم، متناسيين أنهم الحلقة الأضعف في منظومة الفشل الرياضي المصري.. والآن إذا أرادوا الحفاظ على ما تبقى من هؤلاء أملاً في تحقيق الإنجازات في الفترة القادمة، عليهم أن يضعوا الأمور في حجمها وأن يعرفوا المسؤول الفعلي عما حدث، وأن يكف الإعلام عن استخدام مصطلحات كـ "الفضيحة" و"السقوط" و"الفشل"، والتخلي عن المبالغات واعتبار الهزائم بمثابة الفضائح، والفوز بمثابة الإنجاز حتى ولو كان على حساب أضعف المنافسين.