بقلم / صموئيل بولس عبد المسيح
بمناسبة مرور 20 سنة على تكريسي في خدمة الحالات الخاصة
لم أكن أتخيل أبداً أنَّ تكريسي لخدمة رعاية الأسرة والإرشاد الروحي( حالات الارتداد) سوف يأخذني في رحلة حزينة مع دموع وآهات شعب المسيح في مصر، ولأصبح شاهد عيان على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وعلى الجرائم البشعة التي ترتكب باسم الله، والله منها بريء، وشاهدٌ على انعدام الضمير والأخلاق من أناس تدعي أنَّها تتبع الدين الحق، بينما تشهد عليهم أعمالهم أنهم يتبعون الباطل .. أناس استبدلوا طبائعهم الإنسانية بطبائع الذئاب والضباع والكلاب المتوحشة.. أناس كل ما يشغلهم في الحياة ليس تهذيب سلوكياتهم والنهوض بمستواهم العلمي والثقافي ليلحقوا بركب الحضارة والرقي، محاولة لرد الاعتبار لدينهم الذي يسيئون إليه بتطرفهم وحقدهم على الآخر وكراهيتهم وبغضهم له، بل راحوا يصبون حمم تطرفهم الديني البغيض على ضعفاء وفقراء الأقباط، وبأساليب شريرة وفي غاية الانحطاط تنم عن حقدهم الشيطاني الدفين على السيد المسيح، وعلى كنيسته، وعلى المسيحيين،
فأقاموا الكثير من الحواجز بيننا وبينهم، وجعلونا ننفر منهم من كثرة اعتداءاتهم الظالمة على الفئات الضعيفة من شعبنا القبطي الباسل، حتى أنَّه كان من النادر جداًُ أن يمر يوم واحد فقط دون أن أتلقى فيه بلاغات من الأهالي، والكهنة، والخدام، تتعلق باختطاف بناتهم، أو بتغيبهن في ظروف غامضة مريبة، أو استلامي لبلاغات بهروبهن من المنزل بعد إغواء وتغرير من بعض الصيع والمتسكعين، أو بلاغات باختطاف أطفال من أمام منازلهم، أو مدارسهم، أو بانتزاعهم من بين أحضان أمهاتهم بالقوة الجبرية وبواسطة الشرطة، وبلطجية المتطرفين، بحجة سخيفة للغاية، وهي أنَّ والدهم غير المحترم، قد أغوته واحدة ست غير محترمة مثله (سجلت حالات لسيدات مسلمات كن متزوجات وتطلقن من أزواجهن المسلمين بسبب خيانتهن الزوجية لهم مع مسيحيين منحرفين أسلموا لاحقاً للزواج منهن) فمال إلى إغواءها واستسلم لشهواته معها فأسلم لكي يتمكن من الزواج بها، فيجدها شيوخ المصاطب فرصة ذهبية لتشفية صدورهم من المسيحيين من خلال تحريضهم الخسيس له بضم أطفاله المسيحيين إليه مقابل مبلغ معلوم ويضاف إليه الثواب المزعوم، وهو ما يعرف بالأسلمة القهرية للأطفال المسيحيين دون 18 سنة لضمهم بالتبعية لدين الوالد المرتد للإسلام لأجل إشباع شهواته مع امرأة مؤمنة (غالباً مطلقة لسوء سلوكها).
أو تلقي بلاغات من آباء وأمهات مسيحيين تفيد بقيام شبان مسلمين( أغلبهم صيع) بالتحرش ببناتهم في الطرقات، أو بلاغات باعتداءات جنسية على قاصرات، بل وحتى في مراحل الطفولة !!!
أو بلاغات تفيد بتعرض بعض البنات المسيحيات لابتزاز من بعض عناصر الشرطة المنحرفين، أو بلاغات بقيام أفراد من الشرطة بالاعتداء على أب مسيحي ذهب للقسم ليحرر محضر يتهم فيه شاب مسلم باختطاف ابنته، أو بلاغات بتهديدات عناصر في أمن الدولة لمرتدين عائدين للمسيح من الجنسين.
أو طلب استدعاء من أمن الدولة للشارعين في الارتداد، ثم عدلوا عن رغبتهم في مواصلة الارتداد في اللحظات الأخيرة، فحفظت طلبات ارتدادهم إدارياً بالشؤون الدينية بمديرية الأمن، مما جعل أمن الدولة يسعى لمواصلة أسلمتهم تحت التهديد بالحبس أو الاعتقال( وكان بعبع أمن الدولة المعني آنذاك بتخويف العائدين أو المتراجعين هو حضرة الضابط" حاتم كساب").
أو بلاغات من أمهات يطلبن من الكنيسة حماية بناتهن من تحرشات ومضايقات من جيرانهم المسلمين أنفسهم!
+ بل وجاءتني أم أرملة من إحدى المدن الساحلية تطلب مني بدموع حارقة مساعدة الكنيسة في حماية أولادها الثلاثة( المتخلفين عقلياً ) من بطش وجبروت بعض المسلمين المتطرفين(بعضهم من جيرانها ) الذين يسعون لأسلمتهم بالإكراه!!
ووصلت بهم البجاحة والسفالة والجلافة إلى حد افتراشهم الحصائر أمام منزل هذه السيدة والجلوس عليها بغرض ترهيبها في الرايحة والجاية.
+ وعندما سمعت بكل قلة الأدب هذه ورأيت بعيني الأم الأرملة وهي تبكي وتحاول تقبيل يدي للوقوف بجوارها وانقاذ أولادها الأبرياء، اشتطتُ غضباً وغلى الدم في عروقي، وصممت على السفر معها الى مدينتها حتى أرى بنفسي هؤلاء الأوباش المتطرفين، وأتعامل معهم بالطريقة الوحيدة التي يفهموها، ولكن كان علي أن أحصل على إذن من رئيس خدمتي بالسفر إلى هذه المدينة البعيدة والتي تتبع أيرشية أخرى تخرج عن نطاق خدمتي في القاهرة الكبرى، فوافق قدسه بدون تردد( علماً بأنَّ قدسه وافق أيضاً على سفري لمتابعة حالات مشابهة في المنيا والإسكندرية والعديد من الأبرشيات خارج القاهرة).
+ وبمجرد دخولي بيتهم، ورؤية أولادها( المساكين) لي ومعرفتهم بأنني قادمٌ من الكنيسة لحمايتهم، حتى تعلقوا في رقبتي كالأطفال وبكوا بحرقة وهم يقولون بطريقتهم الطفولية البريئة( يا لاب! يخليك يا أبونا ! تأخذنا من هنا، عشان الناس الوحشيين دول عاوزينا نسيب بابا يسوع ونلوح عندهم، بس إحنا مش هنلوح عندهم علشان إحنا بنحب بابا يسوع، وماما العذرا.. وبسم الآب والابن وآبانا الذي في السموات)!!!
كانت أعمارهم الجسدية تترواح من 18 – 30 سنة، بينما أعمارهم العقلية، تترواح من 5 – 8 سنوات ! في فضيحة كبيرة لعفاريت الأسلمة، وكان هؤلاء العفاريت المفلسون قد استطاعوا اختطاف الابن الاصغر( وكان يعاني من تهتهة في الكلام) وهو يلعب في الشارع، وحرقوا الصليب في يديه بوحشية، ثم حملوه إلى المسجد في زفة، وأسلموه رسمياً في مديرية الأمن، واستخرجوا له بطاقة شخصية باسم محمد المهدي! واحتجت الكنيسة، واحتجت الأم وقلبت الدنيا، حتى أنَّها ذهبت إلى مكتب النائب العام، والذي طلب محافظ مدينتها بالتحقيق في الأمر، فأمر الشيوخ الخاطفين باحضار الولد، وبمجرد أن رأه حتى قال لهم أمام أم الولد( كسفتونا الله يكسفكم) ثم قرر إعادة الولد إليها، بشرط أن يبقى مسلماً كما هو رغم أنَّها أحضرت شهادة من المستشفى العقلي يفيد أنَّه مجرد طفل صغير لا يزيد عمره العقلي عن 8 سنوات! علماً بأنَّه كان أذكى أخوته الباقيين!!!
ومن ساعتها قرر هؤلاء الشيوخ المتطرفين ليس استرجاع هذا الولد فقط لقبضتهم، بل وأسلمه أخويه الآخرين أيضاً! مما اضطر أمهم المسكينة إلى عدم إنزالهم الشارع خوفاً عليهم من الاختطاف.
+ وتمجد الرب معي بشكل كبير حتى تمكنت من تهريب هؤلاء الأخوة الثلاثة من محافظتهم، وعرضهم على الكنيسة لترى بنفسها إلى أي هوة سفلية انحدر إليها عفاريت الأسلمة حتى أنَّهم لم يخجلوا من السعي لأسلمة المتخلفين عقلياً، وكان هناك أب قمص، أصبح الآن أسقفاً، قد تأثر بهؤلاء الأطفال الكبار وأشفق عليهم عندما رآهم يبكون ويقولون إحنا عاوزين نفضل مع بابا يسوع، فتفضل باستضافتهم عنده سنة كاملة حتى تم ترتيب انتقال والدتهم لمسكن آخر في مكان بعيد، ثم استلمتهم بعد ذلك لمواصلة رعايتهم.
كما كنت أتلقى بلاغات يشكو أصحابها من رعونة واستهتار- واستعباط- بعض موظفي السجل المدني الذين يتعمدون إغاظة المسيحيين بوضع كلمة( مسلم) في خيانة الديانة، بدلاً من كلمة مسيحي، ولو احتج أي مسيحي على ذلك، يقولون له بكل سفالة وسفاهة وقلة أدب( هو أنت تطول تبقى مسلم)؟!!
ويرفضون تصحيح خطأ رعونتهم، إلا بعد تعذيب ضحية استهتارهم في مصلحة السجل المدني، ليدوخوه السبع دوخات فيما يسمى باجراءات( تصحيح واثبات وإبطال قيد).
أو أتلقى بلاغات من جنود بالجيش، أو بالأمن المركزي، يشكوا فيها أصحابها من بعض الضباط المتطرفين الذين يتعمدوا اضطهادهم وإذلالهم بسبب هويتهم المسيحية، ورفضهم لمحاولات أسلمتهم.. أو أسمع صرخة أم أرملة مسكينة تطالبني فيها بمساعدة ابنتها المراهقة لاجهاض حملها من شاب مسلم أرعن اعتدى عليها، سواء باغتصابها بالإكراه، أو باغتصابها عن طريق التغرير بها.
أو أسمع توسل من أب يريد انقاذ ابنه الشاب المراهق من إمرأة مسلمة لعوب في عمر أمه تتهمه زوراً بالاعتداء عليها وتطالبه باشهار إسلامه ليتزوجها.
أو سماعي توسل من طفل لحمايته من ملاحقات الأمن لأسلمته بحجة أنَّ أباه أسلم ليتزوج مسلمة.. أو توسل من مسلمين مهتدين للمسيح يطلبون مني اخفائهم في مكان آمن بعيداً عن ملاحقات الأهل وأمن الدولة والجماعات المتطرفة.
أو تلقي شكوى من أب كاهن، أو أخ خادم بسبب تعرضهم لتهديدات من المتطرفين أو تلقي شكوى من خدام هاربين من بطش الجماعات المتطرفة في الصعيد، وبهم إصابات بسبب الاعتداء عليهم بالضرب، ويريدون مساعدتهم في العيش بالقاهرة.
أو فتاة تشكو لي من تعرضها لعملية نصب بواسطة محتال ينتحل شخصية قسيس وأجرى لها زواج مزيف من مسلم يدَّعى أنَّه مسيحي، أو شكوى من موظف مسيحي يشكو اضطهاد رؤسائه له في العمل لهويته المسيحية ورفضه اشهار إسلامه.
أو أم مسكينة تسأل عن مصير ابنها الذي تم اعتقاله على خلفية مشاجرة عادية مع مسلم، أو على خلفية اتهامه بعلاقة عاطفية مزعومة مع مسلمة، أو لارتداده ، ثم رجوعه مرة ثانية للمسيحية.. إلى آخر هذه البلاغات والشكاوي التي كنت أتلقاها بطريقة شبه يومية من بعض أفراد شعبنا الذين ليس لهم ظهر فيسهل ضربهم على بطونهم، وهي كلها أمور لم تكن معروفة لعامة الشعب القبطي..
وجعلتني أطلق صرخة مدوية متسائلاً: أي بلد هذا الذي نعيش فيه؟
وهكذا اتسعت خدمة حالات الارتداد لتشمل العديد من الحالات المضطهدة والمتألمة، فبدأت تتبلور خدمة الحالات الخاصة.. وكانت الكنيسة الرسمية آنذاك( 1988- 1993 ) لم تزل غير مدركة لأبعاد وخطورة كل هذه المظالم التي يتعرض لها بعض شرائح شعبها، وكانت النغمة السائدة وقتذاك هي:
* ( هذه كلها مجرد حوادث فردية محدودة ويمكن احتوائها من خلال اتصالات تليفونية من مكتب السكرتارية بالمقر البابوي بالسادة المسئولين)!!!
وقيل لي أنَّ قسم السكرتارية بالمقر البابوي قد خصص أخت فاضلة( اعتقد بأنَّها حاصلة على دكتوراه في الموسيقى!) لاجراء هذه الاتصالات بالمسئولين، وكان الوصول إليها أمر غير متاح في كل وقت نحتاجها فيه، فضلاً عن أنَّ غالبية اتصالاتها مع المسئولين لتتوسل إليهم- باسم المقر البابوي- لكي يتدخلوا لإنصاف هؤلاء المظلومين، من انطلاقات وطنية، وحرصاً على علاقات الأخوة.. لم تأت بأي نتائج تذكر، وإن كانت كالعادة تسمع في كل مرة كلام زي السكر، مصحوبة بوعود براقة أشبه بالزبدة اللي يطلع عليها النهار فتسيح!!
يتبع