بمناسبة مرور 20 سنة على تكريسي في خدمة الحالات الخاصة.
وهكذا شاء السيد المسيح له المجد أن يتحقق في قوله الخالد:
" متى دُعيتَ من أحدٍ إلى عرسٍ فلا تتكئ في المتكأ الأول لعل أكرم منك يكون قد دُعي منه، فيأتي الذي دعاك وإياه ويقول لك أعطي مكاناً لهذا، فحينئذ تبتدئ بخجل تأخذ الموضع الأخير.
بل متى دعيت فاذهب واتكئ في الموضع الأخير حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك يا صديق ارتفع إلى فوق. حينئذ يكون لك مجد أمام المتكئين معك. لأنَّ كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع".
لأني حين دُعيتُ لعرسه" الكنيسة" اخترتُ الموضعَ الأخير، فقد حملتُ الحجارة في البرية، ونظفت دورات مياه الزوار، وكنت أكنس أمام باب الكنيسة، وأقوم بخدمة الآباء الكهنة الجدد بعد سيامتهم وقضائهم فترة الأربعين يوماً في البرية، وعندما نزلتُ العالم خضعت للكنيسة وعملت بواباً وشغالاً في عمارة بالمهندسين، وأخرى بالنزهة، وعندما وصلت إلى البطريركية، طلبت السماح لي بالعمل بها كعامل نظافة، أو أحمل المعاقين، ولم يحدث ولا مرة أن طالبتُ الكنيسة السماح لي بالانضمام إلى مصاف خدامها، فإذا بالرب يحقق وعده، ويؤكد صدق ودقة تعاليمه بالإنجيل المقدس، فرفعني بيمينه المعتزة بالقدرة، ليس إلى مصاف الخدام العاديين فقط، بل إلى مصاف كبار الخدام ذوي المسئوليات الجسام التي تتعلق بربح النفوس البعيدة، وتعزية النفوس الحزينة، وتثبيت النفوس المهتزة والقلقة، ومعاونة النفوس المتألمة من أجل الإيمان، والمشاركة- برجولة - في حمل صليب الكنيسة الشاهدة والشهيدة.
ونلاحظ هنا، أنني لم أدع نفسي للخدمة، بل الرب هو الذي دعاني، وبهذه الكيفية العجيبة التي فوجىء بها الجميع، لشدة غرابتها، ولكونها تحدث للمرة الأولى في تاريخ الكنيسة المعاصر، وبالرغم من أهمية مدلولات هذه الدعوة، إلا أنَّها تمت بطريقة روحية هادئة للغاية، ليس لها أدنى صلة بالتحدي والإثارة، لكونها دعوة روحية / إيمانية / رعوية/ خالصة.
+ لذلك، فقد نبهت على الكنيسة بأهمية العمل بهدوء تام، وعدم الإعلان عن سيرتي الماضية، حتى لا أستفز أحد، لهذا خدمت في مصر خمس سنوات كاملة دون أن يعلم أحد بخلفيتي، وقد قام أبي الروحي بتقديمي لمجتمع الكنيسة، والخدمة، على اعتباري خادماً قبطياً أرثوذكسياً، ابناً للمسيح، وللكنيسة.
حتى أنَّ قيادات الكنسية نفسها لم تعلم أي شيء عن خلفياتي الماضية، وكذلك الآباء الذين كنت أتعامل معهم في الخدمة، باستثناء عدد قليل للغاية، منهم آبائي الروحيين أنفسهم الذين تابعوا سيرتي منذ البداية، وقبل انخراطي في الخدمة.
+ وقد شاء الرب- بحسب غنى حكمته- أن يحوطني بكوكبة من هؤلاء الآباء الروحيين العظام الذين تضافرت جهودهم الروحية معي من أجل قيادتي إلى حياة التوبة والبر والإيمان والخدمة، وبذل كل الجهد لحمايتي من شيطان البر الذاتي، وإن كان العبء الأكبر قد وقع على ولي نعمتي، والمشرف الروحي على خدمتي، ومدبرها، والمسئول عنها بشكل مباشر لدى الرئاسة الكنسية، والذي استخدمه الرب لتغير مسار حياتي العملية تغييراً تاماً من خلال تكريس هذه الحياة للمسيح، وللكنيسة، منذ 20 عاماً مضت، وحتى آخر يوم في حياتي بمشيئة الرب، لأحقق بذلك أكبر وأهم انجاز في حياتي، بعد إيماني بالمسيح، والذي اكملته خدمة التكريس لأنَّها جعلتني مسيحياً عاملاً في كرم الرب.
وبالرغم من هذه القفزة النوعية الهائلة من مجرد بواب وشغال في البيوت، إلى أستاذ في الكنيسة، وخادم مكرس للحالات الخاصة بها، والتي لا يقدر عليها إلا كبار الخدام، إلا إنني لم أنس نفسي أبداً، فبقيت كما أنا، ذلك الإنسان المسيحي البسيط الفقير، الذي لا يتطلع لجاه ولا سلطان، بل كل أمانيه، وكل اشتهاء قلبه أن ينتقل من هذا العالم ليكون مع المسيح، معتبراً أنَّ ذلك هو الفوز العظيم.
+ فأفاض السيد المسيح عليّ بالبركات، لأنَّ كل من يهرب من المجد يسعى المجد إليه، ويظل يلاحقه أينما ذهب، بينما كل من يسعى للمجد، يدركه العار، والهوان يلاحقه أينما ذهب، وإليكم هذا المثال.
* كان رئيسي الإداري في الخدمة( المكتب) هو المندوب البطريركي لمديرية الأمن، وأمين مكتب الرعاية والارشاد، قدس أبينا القمص المتنيح حزقيال وهبه( راعي كنيسة العذراء بمهمشة).
وهو أب مخضرم في غنى عن التعريف، وحدث أن استدعاه أبي الروحي، ورئيسي الأعلى، قدس أبينا الراهب الكبير(....) إلى قلايته، وجلس معه مدة طويلة يحدثه فيها عني.
ولا أعرف ماذا قال له بالتحديد، لكن بعد انتهاء المقابلة وخروج أبونا حزقيال، فوجئت به يحتضني وهو يقول لي( أبونا..... بيحبك كتير، وبيثق فيك، وأنا كمان أحببتك لجهادك، وأنت ابني منذ هذه اللحظة).
وحدث بعد نجاحي النوعي في اعادة بعض حالات الارتداد الصعبة، أن فوجئت بقدس أبينا حزقيال يجلسني على مكتبه، ويقول لي:
+ أنت نائبي هنا، وتجلس على مكتبي في غيابي، وإليك ختم المكتب لتعتمد الخطابات نيابة عني، ووحدك الذي يحق له الاحتفاظ بمفاتيح المكتب، أنت الذي تفتحه، وأنت الذي تغلقه، والحفاظ على أسرار الحالات الخاصة هي مسئوليتك أمام المسيح والكنيسة.
+ وكنت في غاية الذهول من اكرام الرب لي من خلال ثقة آباء الكنيسة في ضعفي، رغم أنني كنت مجرد مسكين وغريب ودخيل على الكنيسة والخدمة، الأمر الذي كان يضاعف من دموعي التي أسكبها أمام الرب شاكراً له احساناته الكبيرة في حياتي، ومعترفاً بأفضاله التي لا تحصى ولا تعد.
صحيح يا أخوة، ربنا دا كريم جداً، ويعطينا أكثر مما نطلب، وأكثر مما نستحق.
+ وعندما انضم خدام جدد للمكتب، قال قدسه لهم:
صموئيل هو الخادم الوحيد الذي يخدم معي في هذا المكتب!!!
وكان دائماً ما يقول لهم:
+ الفرق بينكم وبين صموئيل أنَّه بيخدم معي برجولة وإيمان، وإيمان ورجولة..!!!
+ تعلموا منه، فهو الرجل الوحيد بينكم !!!
وكان من بين هؤلاء الخدام شماس إكليريكي مكرس !!!
وتمجد الرب معي كثيراً في هذه الخدمة، مما ساهم في مضاعفة مدح آباء الكنيسة لضعفي.
+ لكن كل كلمات المديح التي كنت أسمعها لم تفلح في تغيير قلبي، أو فقدان بساطتي، أو دفعي للظهور، بل واصلت اختبائي وراء الصليب، مقضياً معظم أوقاتي بعيداً عن المكتب، في الشوارع، في المقاهي، في أقسام الشرطة، أمام الأزهر، ومديرية الأمن، في التجوال على البيوت لافتقاد الحالات.
أخرج من بيتي صباحاً، ولا أعود إليه إلا بعد منتصف الليل.
+ كما بذل أبي الروحي، ورئيسي الأعلى، مجهودات روحية جبارة معي لكي أبقى كما أنا منحنياً تحت الصليب، حتى لا أحترق بسبب مديح الناس لي، فأتوهم بأنني قد أصبحت شيئاً، بينما أنا في الحقيقة لست شيئاً، فحماني من السقوط في مستنقع الكبرياء، والانحدار إلى هاوية البر الذاتي.
لذلك كلفني قدسه بمهام تحضير وتجهيز الطعام لإخوتي الخدام المكرسين، فكنت أغلق المكتب ساعتين لتحضير الطعام، وتجهيز المائدة، ثم أطرق على باب قلاية أبونا، ليخرج ويجلس بيننا يشاركنا الطعام وظللت أقوم بهذه الخدمة الجميلة على مدى 5 سنوات، بجانب خدمتي الاعتيادية في الحالات الخاصة.
+ كما بذل قدسه مجهودات روحية خارقة معي من أجل اندماجي- أنا الذي سبق وعشت وسط الوحوش- لكي أعيش وسط الحملان- مجتمع الآباء والخدام- وأكون واحداً منهم، حتى أبدو أمامهم كخادم مكرس قبطي أرثوذكسي مثلهم، مشاركاً معهم في الخلوات الروحية، وفي الصلوات والأصوام وممارسة الأسرار الكنسية، والالتزام بتعاليم الكنيسة، وعقائدها، وقوانينها، حتى صرت واحداً منهم، في واحدة من الأعاجيب.
وحتى يحافظ على انسحاقي أكثر، تعمد قدسه الضغط الروحي علي حتى يفرمل أي انفلات قد يحدثه الشيطان من خلال محاربته لي بالبر الذاتي، فتعمد قدسه عدم التحدث عن خدمتي أمام بقية الخدام.
كما تعمد تهميشي وابعادي في بعض الأمور، وفعل كل ذلك بحكمة عالية، حتى يجعلني أعيش حياة هادئة بين الخدام بعيداً تماماً عن حروب الخصومات والغيرة، وعن من هو الأول، ومن هو الأفضل..
فصرت بعيداً عن دائرة أضواء الخدمة، وفي الصفوف الخلفية دوماً، وكنا عندما نحضر الاجتماعات المتخصصة بخدمتنا، اتعمد التقهقر خطوات للوراء، حتى لا أدخل مع قدسه الكنيسة، فأبدوا أمام الآخرين وكأنني خادماً مهماً، تاركاً هذه المهمة لبقية الخدام الذين انضموا للخدمة، ويعشقون الظهور لاثبات الذات في خدمة انكار الذات(؟)
وكان قدسه يعلم أنَّهم بلا أي وجود فعلي في الخدمة الميدانية العاملة في الشوارع والطرقات، بل كل وجودهم منحصر في المكاتب والظهور أمام الآباء، وكان قدسه يفضل مخاطبتي بيني وبينه فيقول لي.
*" أنا فرحان جداً بخدمتك التي تمجد اسم المسيح".
وكان يحمل لي حباً عظيماً داخل قلبه، وتقديراً كبيراً لم يعلن عنه إلا بعد مغادرتي مصر، محدثاً الجميع عن النماذج العجيبة التي كنت أقدمها لقدسه بعد اعادتها للمسيح، والتي كانت تحدث في الكنيسة لأول مرة مثل" سفاحة الرجال" بعد خروجها من السجن، ومثل السيدة الحسناء التي كانت تعمل مع ممثل مسرحي مشهور، ومثل المسجلون خطر ممن يجري تأهيلهم لحياة التوبة.. الخ.
وبذل كل جهده كي أبقى في دائرة الأمان الروحي، محافظاً على بساطتي، وانسحاق قلبي، ودموع توبتي، فضلاً عن أنني كنت أفقر جميع الخدام، وأقلهم شأناً، سواء من الناحية الكنسية، أو الاجتماعية.
ويضاف إلى كل ذلك، وضعي القانوني الحرج المتمثل في عدم حملي أي أوراق رسمية تفيد من أنا، بالاضافة إلى عدم امتلاكي الشرعية الكنسية الرسمية، لكوني لست قسيساً، ولا إكليريكياً، ولا حتى مجرد شماس صغير.
+ وقد أراد قدسه أن يبرهن للجميع بأنَّ النجاح في الخدمة يعوزه الإيمان العميق بالمسيح، والاخلاص لاسمه، والأمانة في الحفاظ على النفوس والفلوس!!!؟
وأنَّ مقر البطريركية العظيم، قد بني على اسم القديس الأنبا رويس، الذي لم يكن بطريرك ولا أسقف ولا قسيس ولا حتى مجرد شماس، بل كان مجرد مسيحي علماني فقير بسيط وغير متعلم، ويعمل جمّال" يسرح بجمل" لكنه أظهر قداسة لا يملكها الكثيرين من أصحاب الرتب الكنسية..
وأثبت أيضاً، أنَّ فضل النجاح هو من الله، وليس من امكانيات البشر.
لذلك تعمد قدسه أن يتركني في الست شهور الأولى بدون دعم مادي أو حتى مجرد اعطائي مصروفات لتنقلات الخدمة، وكان راتبي الشهري آنذاك لا يزيد عن 200 جنيه" كل أسبوع 50 جنيه" كان أغلبها يضيع في المواصلات على الخدمة، دون أن أجرؤ على طلب تخصيص ميزانية لمصروفات الخدمة.
وظل هذا الوضع الصعب حوالي6 شهور، ثم استدعاني قدسه بعد ذلك لكي أقدم إليه تقريري بنتائج بحثي الميداني بخصوص تقييم الخدمة، وعرض مشاكلها واحتياجاتها، وتقديم اقتراحات للنهوض بها.. وأذكر أنني قلت لقدسه، فيما يتعلق بدراسة ملف حالات الارتداد:
+ " هؤلاء الناس لم يرتدوا عن الكنيسة، بل الكنيسة هي التي ارتدت عنهم"؟
فأجاب قدسه بتواضع: نحن نعترف بوجود تقصير في خدمة الرعاية.
وأما عن بقية الملفات الأخرى، فلقد اقترحت على قدسه تخصيص مساعدات شهرية لزوجات وأطفال المرتدين، والاهتمام بحالات العودة، ووجوب التنسيق مع الآباء الكهنة في المناطق التي تشهد العديد من حالات الارتداد بسبب عدم الرعاية الكنسية، والعديد من الاقتراحات الأخرى، وقد تفضل قدسه مشكوراً بتنفيذ أغلبها.. وهكذا تأسست خدمة الحالات الخاصة في الكنيسة القبطية عام 1988، بفضل الرب، وبفضل تعب محبة قدسه، من خلال تبنيه لضعفي وأنا لا زلت في بداية طريقي، والدفع بي لهذه الخدمة بأسلوب روحي وفي هدوء تام بعيداً عن أي إثارة لأي طرف.
عهد تكريسي :
بمجرد أن افتتحت مكتب الرعاية، ركعت على ركبتي شاكراً للرب حسن صنيعه معي، ثم عاهدته:
" أعاهدك يا رب أن أكون أميناً لك ولكنيستك وشعبك حتى الموت، وأن أكون صريحاً في الايمان مدافعاً عن الحق مهما كان الثمن، وأن لا أضع يدي في يد هرطوقي، أو مجدف، أو عدو لاسمك وكنيستك وشعبك، وأن أبذل حياتي لخدمة شعبك، وأن أبحث عن الضال، وأعزي الحزانى، واسند الضعفاء، وأشجع صغار النفوس، وأن أرتضي حياة الفقر الاختياري، فلا أملك شيئاً، واكتفي بما هو موجود عندي ، ولا اشتري ملابس جديدة! وأكون أميناً على النفوس والفلوس! وأن لا أخاف من الموت، وأن أحب محبيك، وأخاصم مقاوميك، ولا أسمح لزيت الخاطيء أن يدهن رأسي، وأن أبقى منفصلاً عن الأشرار المجدفين، وأن أتصدى بكل قوة وحسم لأي مخرب لكنيستك، ولأي مؤذي لشعبك! أيا كان، ومبشراً باسمك أمام الجميع، كإله رحيم يفرح بعودة الخطاة إليه، معترفاً بألوهيتك وتجسدك من أجل خلاص البشر".
ثم نهضت لأبدأ مهام عملي في خدمة الحالات الخاصة، أو بمعنى أدق، لأبدأ رحلتي مع دموع وآهات الأقباط!!!
يتبع.