بقلم: صموئيل بولس عبد المسيح
الوضع الطبيعي للمسيحيين أن يكونوا واحداً في المسيح، لأنَّ الوحدة بينهم هي من مشيئته المباركة، كما عبر عنها له المجد في مناجاته العظيمة مع الآب:
- أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن.
- ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني.
- وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحد كما أننا نحن واحد.
- أنا فيهم وأنت فيّ، ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني.
وقد ظل المسيحيون متحدين في إيمان واحد، حتى مجمع خليقدونية سنة 451 م، وبعدها حدث أول انقسام في الكنيسة، والغريب في الأمر أنَّ المدقق في أحداث هذا المجمع، يفاجئ بأنّ سبب الانقسام كان سياسياً وليس دينياً، وحتى بعد توالي الانقسامات الأخرى ونشوء الطوائف، إلا إنَّ الباحث اللاهوتي المدقق لا يعثر على أي سبب يتعلق بجوهر وأساسيات الإيمان المسيحي، المشيد على وحدانية الله الجامعة في الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، أي ذات الله وعقله وروحه، والمساواة التامة في الجوهر الإلهي بين الأقانيم الثلاثة" ذات الله- الآب-، عقل الله- الابن- أو الكلمة، روح الله- الروح القدس-" وتجسد الأقنوم الثاني- الله الكلمة- وظهوره بيننا ليعلمنا بكلمات الروح، والحياة، وليُصلب من أجل خلاصنا .. إلى آخر ما جاء في قانون الإيمان الذي يؤمن به جميع المسيحيين.
فكلنا نؤمن بأنَّه لا خلاص إلا بالمسيح ، كما قال الكتاب :
- آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك.
- لأن ليس بأحد غيره الخلاص. ..
وحتى فيما يختص بعلم الخريستولوجي، فالكل يؤمن باتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية في المسيح فهو إله تام- إنسان تام.
كما نؤمن كلنا، بعصمة الوحي الإلهي، كما هو مدون، في الكتاب المقدس بعهديه. وواحدة فقط من كل هذه الاتفاقات تكفي لإتمام وحدتهم ..
لكنه عدو الخير الذي يحاول زرع الشقاق بين الأخوة .
عموماً، فأي مسيحي ناضج إيمانياً وروحياً، ينأى بنفسه عن الطائفية والتحزب ويبذل قصارى جهده للتعاون مع جميع إخوته المسيحيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية، طالما آمنوا بأساسيات الإيمان السابق الإشارة إليها ..
علماً بأنَّ السعي إلى الوحدة والاتحاد بين المسيحيين، هو دليل حب صادق للمسيح لأننا كلنا أعضاء جسده وهو رأسنا.
- علماً بأنَّ الانقسام هو عمل شيطاني، والذين يسعون لزرع الشقاق والتباعد بين الإخوة هم ينفذون خطة الشيطان في تفتيت وحدة المسيحيين.
- الاتحاد الذي أعنيه هو الاتحاد الإيماني والروحي والرعوي، وليس الاتحاد الإداري.
ومثل أي مسيحي مخلص لربه، كانت لي محاولات كثيرة للتقارب والتعاون مع إخوتي المسيحيين من كل الطوائف، وأشكر الرب أنها أثمرت عن نتائج تُمجد اسم الله، وخصوصاً بين إخوتي المسيحيين الشرقيين في المهجر، ولي عظيم الشرف أني كنت أول من نظم اجتماعات روحية في هولندا لإخوتي الكاثوليك والروم الأرثوذكس والبروتستانت، ورفضت أن- أقبط - خدمتي، وهذا واضح من عنوان مجلتي وموقعي، فهو( الحق والحياة) للمسيحيين الشرقيين الأحرار في هولندا وأوروبا.
كما كان لي عظيم الشرف، أني عملت أول قداس مسكوني مشترك في هولندا داخل بيتي!
كان القس كاثوليكي، والمترجم بروتستانتي، والشماس قبطي،! والحضور كلدان كاثوليك، وأشوريين وسريان وأرمن وأقباط .
- لقد قضيت أكثر من تسعة أعوام، في التنقل على مراكز اللاجئين في هولندا بطولها وعرضها، لاجتمع مع إخوتي الأفارقة والشرقيين بمختلف طوائفهم، وكان المسيح هو موضوعنا الدائم، بجانب المناداة بالتوبة والسلوك الأدبي المسيحي والحذر من الفرق التي تُنكر لاهوت المسيح ..
فضلاً على أن أول عظة لي في المهجر، كانت داخل كنيسة إنجيلية مشيخية- القس اسحق - الذي جمعتني به علاقة أخوية قوية، وثان عظة كانت على لفيف من المبشرين الدوليين، أمريكان وكنديين وفرنسيين وبلجيك.
وثالث عظة، كانت داخل الكنيسة الانجليزية للعاملين بالسوق الأوربية المشتركة وحضرها المئات من علية القوم أنجليكان وكاثوليك وبروتستانت، وكذلك عظاتي في الكنائس الهولندية الكاثوليكية والبروتستانتية..
لدرجة قالت عني أخت مسلمة مصرية متنصرة صموئيل زي القرع يمد لبره، في إشارة منها، لاهتمامي بكل المسيحيين بمختلف الطوائف والأعراق، دون الاكتفاء بخدمة المسيحيين المصريين.
كما كنت أول خادم قبطي أرثوذكسي يُسمح له بهذه الخدمة المسكونية المفتوحة.. وقد أثمرت هذه الجهود، عن تكوين فريق عمل من البروتستانت والكاثوليك والروم والأرثوذكس وقف بجانبي مدعماً ومؤيداً ومساهماً في خدمة مجلة الحق والحياة، وبقية الخدمات، وعندما طرحت عليهم فكرة عمل مشروع لإخوتنا المعاقين بمصر فوجئت بهم يقفون بجواري ويساهمون في إتمامه..
وحتى عندما كنت في مصر، بذلت مجهودات في الوحدة والتعاون والتنسيق في خدمة الحالات الخاصة، وكنت صاحب فكرة تعاون الطوائف في مجال خدمة حالات الارتداد، وتم تنفيذ الفكرة بالفعل في عهد أبينا القمص حزقيال وهبة، وعقدنا عدة اجتماعات في مكان ما، وحضرها قسس بروتستانت وكاثوليك.
بل وفي خدمتي نفسها داخل مقر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كنت أول من يُشرك خدام بروتستانت وكاثوليك معه.
ولن أتطرق هنا، إلى بعض السلبيات التي حدثت، إنما سيكون تركيزي منصباً على عظمة الفكرة نفسها:
- كان الوضع الطبيعي، أن تُرسل كل طائفة مندوبها الديني، لحضور جلسات مديرية الأمن في اليوم المخصص لها، كان يوم السبت مخصص للأقباط، ويوم الاثنين- على ما أذكر- كان مخصصاً للبروتستانت، والأربعاء للكاثوليك.
وكانت حالات البروتستانت والكاثوليك تتعمد نسب نفسها للأقباط، حتى لا يعرف أحد من طائفتها بأمر ارتدادهم، ونتج عن ذلك تسرب حالات كثيرة من الطوائف الأخرى إلينا، وكانت تعليمات الكنيسة القبطية واضحة ومحددة" كل أبناء الطوائف هم أولاد الكنيسة" بناء على ذلك كنا نخدمهم، ونظل بجوارهم حتى تمر سحابة الارتداد، وإخراجهم إلى بر الأمان، وبعدها نطلب منهم العودة إلى كنائسهم، بالإضافة إلى أن المندوب الديني الذي خصصته الكنيسة الإنجيلية" كان من كنيسة قصر الدوبارة" ولم يكن مواظبا على الحضور لأنه كان صيدلي مرتبط بعمله وغير مكرس للخدمة ، بل خادم وقت الفراغ فقط.
فذهبت إليه وجلسنا معاً جلسة أخوية- لأننا كنا نعرف بعضنا البعض في مجال الخدمة- وعاتبته برفق لعدم حضوره الجلسات، ففوجئت به يحتد علي ويقول لي كلام صعب لا داعي لترديده هنا.. واختتمه بأن الإنجيليين لا يرتدون.
وكانت المفارقة هنا، هي متابعتي لعائلة إنجيلية أسلمت من 30 سنة، وشقيق رب العائلة قس إنجيلي مشهور. رغم ذلك لم أزعل منه، وهو نفسه عاد واعتذر..
- كان بداخلي حلم كبير، منذ تكريسي لخدمة حالات الارتداد عام 88، وهو تكوين فريق عمل أرثوذكسي / كاثوليكي / بروتستانتي، وبدأت في تحقيقه مع قسيس إنجيلي متخرج حديثاً من كلية اللاهوت الإنجيلية ، وكنت قد تعرفت عليه أثناء بحثي عن عنوان إحدى حالات الشروع في الارتداد، وعندما علم القس الشاب بطبيعة مهمتي، تحركت روحه المسيحية بداخله فترك ارتباطاته وشاركني رحلة البحث وهو في غاية السرور.
وقال لي أنَه كان يصلي للمسيح بحرقة ولجاجة، كي يقوده إلى خدمة ربح النفوس والتجوال في الشوارع والطرقات.
فدعوته للتكريس، في خدمة حالات الارتداد ليعمل معي داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ففرح جداً، وقال هذا ما أتمناه !
وقمت بترتيب لقاء له مع الأب المسئول، وزكيته أمامه، بالفعل جاء القس والتقى بقدس أبونا، وانضم لخدمة حالات الارتداد، وتوليت أمر تدريبه، وكان بذلك أول قس إنجيلي يخدم داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فيما يشبه بالمعجزات والأحلام الجميلة، إلا أنه للأسف لم يستمر سوى عدة شهور ثم ترك الخدمة.
- ولم أيأس، بل كررت المحاولة، حتى التقيت بخادم إنجيلي قديم من جماعة القس لبيب مشرقي، وكان شريكاً في محل لبيع المصوغات، لكني دعوته للخدمة وعرضت عليه فكرة التكريس لخدمة الرب، فطلب مني مهلة للتفكير، وبعدها وافق وقمت بعرضه على قدس أبونا، وزكيته فوافق، وتم تكريسه للخدمة، وظل فيها سنوات طويلة، وكان أخي الحبيب المقرب من قلبي وفكري وروحي وهو الوحيد الذي ائتمنته على حالاتي بعد اضطراري لمغادرة مصر .
ثم التقيت بخادم كاثوليكي، يمت بصلة قرابة كبيرة لأحد الآباء المطارنة الكاثوليك الكبار، وخاله أب كاهن قبطي أرثوذكسي، بدرجة قمص متبتل بعد وفاة زوجته. وقمت بتزكيته لدى أبونا فقام بتكريسه.
وهذه هي بعض محاولاتي للتعاون مع خدام الطوائف، بدافع المحبة والغيرة الإيمانية.
وسألوذ بالصمت تجاه رد فعلهم معي، تاركاً الأمر لصاحب الأمر.
رغم ذلك فأنا لم أندم لأني كنت أسعى لتغلب الحب على البغضة.
-وعلى كل حال، فالرب عوضني كثيراً بأخت قبطية كاثوليكية، وبأخوة وأخوات آخرين ظلوا أمناء لربهم ولهدف الوحدة النبيل، منهم أخ معمداني هولندي- خيرت لانس- وأخ كالفيني هولندي- سِبيرين-، ومنهم عائلة هولندية كلفنية من أصول فرنسية عائلة – كاليفلاند- ، بالإضافة إلى أبي وأمي في المسيح ، عائلة- دروست-وهما من البروتستانت المحافظين.
والعديد من الآباء الرهبان والكهنة الكاثوليك الهولنديين، بالإضافة إلى عشرات من الكلدان والموارنة والسريان والأرمن والآشوريين، سوريين وعراقيين ولبنانيين وسودانيين وأتراك، أرثوذكس شرقيين، وروم أرثوذكس، وكاثوليك، وبروتستانت.
- واجبي المسيحي، يحتم علي الدعوة، للوحدة بين المسيحيين ونبذ الخلافات الوهمية بينهم والضرب بأيدي من حديد لزارعي الشقاق، وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف مسيحية نبيلة :
1 – لتحقيق مشيئة سيدي يسوع المسيح.
2 – للتعاون في مجال الخدمة والكرازة لمجد اسمه.
3 - لمواجهة المخاطر التي تهددنا جميعاً .
- وبقي سؤال: هل تعرفون أحد من الخدام الكاثوليك أو الروم الأرثوذكس أو من البروتستانت، كانت له مثل هذه المحاولات ؟
- عموماً، فأنا أسعى للوحدة لأجل خاطر الدم المسفوك على الصليب.
- لكم أرجو أن يكون موقعنا- الأقباط متحدون- عملاً فعلياً ، وليس مجرد حلم ، فهل من مجيب؟
مع تحياتي ومحبتي