|
عرض- فيولا فهمي
مَن يقع بين يديه كتاب " الحجاب " لا تحتاج سوى قراءة المقدمة حتى يدرك من الوهلة الأولى أنه أمام إنتاج فكرى مختلف لا ينساق خلف التفسيرات السطحية ، و متحرر -إلى حد كبير- من مذاهب الفقهاء و أقوال المفسرين التقليدية التى تتبحر فى سرد الآيات التى كرم الله بها المرأة و إستنفذها من الجاهلية و غيرها من الأقوال الفضفاضة التى لا تشبع نهم باحث أو رمق قارىء .
فلقد عالج مؤلف "الحجاب" للباحث و المفكر الإسلامى جمال البنا الشقيق الأصغر لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا ، الحجاب من زاوية الظاهرة الإجتماعية حيث يرى أن المجتمع إعتبر المرأة أنثى اولاً ثم إنسانة ثانياً و فى كثير من العهود أغفل حقها كانسان ، و لذلك فلقد آجرى حكم الأنوثة على إنسانية المرأة فحرمها كثيراً من حقوق الإنسان ، مؤكداَ انه لم يخطر على بال الذين وضعوا الإعلان العالمى لحقوق الإنسان أن هناك من الأوضاع و العادات ما يحرم على المرأة ابسط حقوقها كانسان ، بل زاد الأمر تعقيداً مع ظهور النقاب - الذى يغطى الرأس و الوجه – حيث أنه طمس
شخصية المرأة تماما كانسان ، مطالباً فى هذا السياق بعدم إضفاء قدسية مصطنعة على الحجاب .
و يقول البنا فى مؤلفه أن الحجاب أقام مجتمعاً غير طبيعى ينفصل فيه النساء عن الرجال و توجد به إزدواجية متضاربة و ضارة بكل فريق من الفريقين ، لأنه حرم النساء من المعرفة و العلم و العمل و حبسهن فى البيوت و فرض سيادة الرجل ، و فى الوقت نفسه فانه حرم مجتمع الرجال من لمسة الجمال و الحنان التى تضفيها المرأة عليه ، فأصبح مجتمعاً قاحلاً يتسلل إليه الإنحراف و الشذوذ و إن لم يعلن ذلك لانه يتم فى سرية تامة ، و لذلك فإن الحجاب أساء الى المجتمع برجاله و نسائه و كان سبباً فى تاخره .
و يسرد البنا تاريخ ظهور الحجاب أو غطاء الرأس للمرأة حيث كانت كافة الحضارات القديمة – بإستثناء الحضارة المصرية الفرعونية – تفرض الحجاب على المراة و تعتبرها كائنا ادنى من الرجل و لم ينقذ المراة من هذا الميراث التاريخى الملعون سوى ظهور الثورة الصناعية و إستخدام الالات .. و ينتهى الكاتب الى نتيجة جوهرية و هى أن الحجاب كان مفروضاً على المرأة من أقدم العصور و قبل الإسلام بعهود طويلة و أن الحجاب هو الذى فرض نفسه على الإسلام و ليس العكس .
و حول إشكالية الإلتزام بالأحكام الدينية فى الحياة العصرية قال المفكر جمال البنا أن الأحكام و القوالب التى وضعتها الأديان لقضايا المجتمع لم تعد تتلائم مع التطورات التى إنتهت اليها البشرية و يتعين النظر اليها فى ضوء المتغيرات الجديدة ، مفرقاً بين اسلام القران و اسلام الفقهاء حيث اقام بعض الفقهاء قلعة الفقه السلفى التى فرضت نفسها على الإسلام و أصبحت فى حكم المقدس ، إلى جانب أنها جعلت التقاليد تتمسح بالدين و تنسب اليه ما لم يكن فيه و تبيح صلاحيات مطلقة للرجال على النساء فتحول الزواج من سكينة و رحمة الى مُلك و إحتباس . و بالنسبة لقضية المساواة بين الجنسين فلقد عالجها الكتاب تحت عنوان " مساواة مع إيقاف التنفيذ " حيث تحدث عن وضع المرأة فى الميراث و الشهادة و فكرة القوامة و جواز ضرب المراة الناشز و غيرها من القضايا المتآزمة فى المجتمعات العربية ، معتبراً أن الإسلام كما جاء بنصوص تم تفسيرها على إعتبار أنها كسباً و عدلاً للمراة إلا أن تلك النصوص لم تعد تحقق عدلاً للمرأة بل توقع عليها ظلماً واضحاً ، مطالباً بضرورة تحقيق العدل و المساواة بين الجنسين و خاصة مع إختفاء العلة التى نزلت بسببها تلك النصوص .
و لم يغفل المؤلف التقدمى مناقشة قضية عمل المرأة ، منتقداً ما فرضه الفقهاء من قيود و تحفظات تشل واقعياًً فكرة عمل المرأة ، و لاسيما أنه لا يمثل صحيح الدين و لا يستحق المناقشة أصلاً ، نظراً لحتمية و ضرورة عمل المرأة فى العصور الحديثة .
|