عرض- هاني دانيال
إن البحث عن الشخصية المصرية في التاريخ والأثار القديمة لا يعني دراسة التسلسل التاريخي للأحداث في مصر القديمة بل يعني الإهتمام بدراسة الإنسان المصري فى المحيط الإجتماعى المحيط به بما فيه من فكر وثقافة وظروف إقتصادية وسياسية وعلاقات بين الأفراد سواء داخل الأسرة الصغيرة أو الكبيرة وفي نطاق العمل ونطاق التعامل مع الآخرين مثل الجيران والإدارة والموظفين وغير ذلك، وسينصب إهتمامي على الأحداث اليومية والحياة الإجتماعية بقدر ما نستشف ذلك من حياة الأقدمين التي صورها على جدران المقابر وما تركوه من كتابات على أوراق البردي تخص تعاملاتهم وكتاباتهم الأدبية والدينية، فالحياة اليومية والإجتماعية والإقتصادية والدينية والسياسية لها أثرها المباشر على المصري القديم ونستخلص من دراسة حياته السمات القومية المشتركة".
بهذه الكلمات بدأ عريان لبيب حنا كتابه بعنوان "الشخصية المصرية في مصر القديمة"، وهو الكتاب المكون من 376 صفحة ومكون من خمسة فصول، الأول بعنوان "أثر المجتمع في تشكيل الشخصية القومية"، والثاني بعنوان "العقيدة الدينية" الثالث بعنوان "الأساطير: تفسير لاهوتى للديانة الرسمية"، والرابع بعنوان "الإدارة والعدالة تلخيص النظام والفوضى" والخامس بعنوان"نتاج الفكر المصري القديم" وختم المؤلف كتابه بوضع رؤية خاصة بإهتمام الأجانب بالآثار المصرية.
أشار المؤلف إلى أن دراسة الحضارة المصرية العظيمة توضح معدن هذا الشعب الأصيل، فالحضارة المتميزة كانت لها المقومات المادية والعلمية والفكرية والدينية والإجتماعية، وتكاتفت هذه المقومات لتظهر الصورة المشرقة لأبناء وادي النيل من النوبة وحتى البحر المتوسط، كما أن دراسة الحياة اليومية والسلوك والمعتقدات والفكر ووجدان الشعب النابض، وأماله وآلامه، وثورته على الظلم من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية، ستصل بنا إلى تحديد السمات المشتركة التي كونت الشخصية القومية، وهذه السمات العديدة هي التي تميز الشخصية المصرية.
تطرق المؤلف إلى الثورات التي حدثت بعد موت الملك "بيبى"، وإعتمد فيها على عدة مصادر منها ما كتبه الدكتور سيد توفيق الذي سطرها كالآتي:
" فإنهار صرح الملكية، وتدهورت سلطة البلاد المركزية، وبالتالي إزداد نفوذ حكام الأقاليم، وبدأ الشعب يفكر في الثورة، ليتحرر من قيوده، فكانت الثورة على قدسية الملوك، وقدسية الآلهة، وإنتشر الخوف وساد البؤس وعم الإضطراب في جميع أنحاء البلاد، وإزدهر الأدب التهذيبي في ظل هذه الثورة، ويصف لنا الحكيم المصري "أيبو ـ ور" الذي يحتمل إنه عاش في أواخر عهد الملك بيبي الثاني أو أحد خلفائه الضعاف، يصف البلاد وصفاً مؤثراً على الرغم مما فيه من قسوة فيعدد صور البؤس ويؤنب الملك الحاكم على إستهتاره وضعفه بقوله:
إن أصدقائك قد كذبوا عليك
البلاد تعمل والناس على شفا الهلاك
هذه السنوات سنوات حرب وبلاء
نوه المؤلف إلى أن كثيرون تناولوا هذه الثورة الإجتماعية بالتحليل لأنها ذات دلالة عظيمة بأن الشعب لم يكن مستسلماً ومستكيناً مثلما يحاول الأعداء أن يظهر الشعب المصري بأنه لا يثور ولا يطالب بحقوقه وأنه فاقد الإرادة.
كما رصد المؤلف ما سطره الدكتور محمد سلام الزناتي كالآتي:
"لم يخل التاريخ الفرعوني من ثورات إجتماعية، فعندما تضعف السلطة المركزية فتعجز عن مباشرة رقابة فعالة على موظفيها، وتتخاذل عن تطبيق العدل بين الناس، ويبطش الأقوياء بالضعفاء، ويستبد ذوو السلطة بمن لا حول لهم، فينتشر الظلم ويعم الفساد، تتجمع بذور السخط وتغلي مراحل الغضب ثم يحدث الإنفجار في صورة ثورة عارمة".
كما رصد العلامة سليم حسن هذه الفترة بقوله:
"أصبحت الماشية والقطعان تندب بسبب حالة البلاد، والرجل يقتل أخاه من امه، والطرق شائكة، فاللصوص يكمنون في الحشائش حتى يأتي المسافر في ظلام الليل ليسلبوا منه حمله، ويسرقوا ثم يضربوه بالعصي حتى يقطع نفسه ثم يذبح ظلماً".
علق المؤلف على هذه الأمور بقوله "أظهرت الثورة إحدى مقومات الشخصية القومية، وهو أن الإنسان المصري لا يستكين للظلم بل يطالب بحقه ولا يستسلم، بليظل يطالب حتى يتحقق مطلبه".
جمع المؤلف بعض الأقوال التي تعبر عن القيم المصرية والتي أثرت في تكوين شخصية المصري القديم كالآتي:
ضاعف قدر الخبز الذي تعطيه لأمك وإحملها كما حملتك
(الحكيم آنى الأسرة 18)
الإنسان يبني ويهدم بلسانه
(تعاليم أمنئوبي ـ القرن العاشر ق.م)
تخير الكلمة الطيبة قبل أن تنطق بها، وأحبس الكلمة السيئة في جوفك
(الحكيم آنى ـ الاسرة 18)
أوضح المؤلف أن التدين هو سمة مميزة للمصري، وقد أثر التدين على حياته الأرضية وعلى سلوكه، وعلى نظرته للخلود والبعث والعالم الآخر والضمير والسلوك الخلقي، كما إنه يغلب عليه التفاؤل ولا يخشى الموت فهو المعبر إلى حياة أفضل كما إنه يراعي الضمير وعادل في أحكامه ويساعد الفقراء والمحتاجين، كذلك يحب النظام والعدل والخير.
نوه المؤلف إلى أن التدين أصبح من المقومات الرئيسية للشخصية القومية، وإتجه الفكر المصري إلى عقيدة البعث بعد الموت، ربما لأنه رأى الشمس في حالة بعث دائم كل صباح بعد ظلام الليل، ولاحظ بعث الحياة من الأرض التي كانت جافة وكأنها بلا حياة، بعد أن غمرتها مياه الفيضان، ثم تظهر الحياة في صورة النبات الذي ينمو نباتاً أخضر يحمل في صورة زرع وهو خير ينتظره الإنسان لكل يعيش عليه.
حتى الأخلاق التي إكتسبها من تعامله مع الآخرين لأنها تجعله محبوباً من الآخرين ومقبولاً لديهم، فقد صورتها الأساطير على أنها الأساس في الحصول على الخلود، ففي يوم الحساب عندما يوضع القلب في إحدى كفتي الميزان، وتكون "ماعت" إله الحق والصدق والعدالة في الكفة الأخرى فإن أخلاق الإنسان متمثلة في أعماله الحسنة هي التي تحسم الموقف.
وأكد المؤلف على أن فكرة العدالة والحق كانت موجودة بين سكان القطر المصري منذ أقدم العصور، والعدالة كانت تمثل على شكل إله تعبد، يضاف ذلك أن المصري كان منذ القدم يخاف عقاب الآخرة، ويجتهد أن يعمل في دنياه ما يشعر بإنه ينتظر يوماً يعاقب فيه على كل سيئة إقترفها أو ذنب إرتكبه.