عرض-إسحق إبراهيم
قادتني الصدفة البحتة لكتاب عنوانه "نهاية التاريخ" مؤلفه الشيخ سلمان بن فَهد، ويرد فيه على مقال فرانسيس فوكوياما التي تحولت إلى كتاب يحمل نفس العنوان، أحدث كتاب فوكوياما ضجة كبيرة، طبع في أمريكا و وزع في أنحاء العالم وترجم إلى اللغات الحية بما في ذلك اللغة العربيَة، لكن الكتاب الآخر الذي صدر عام 1993 مر دون ضجة تذكر بالرغم أنه يحمل رأياً مثير للجدل، ونقداً لكتاب فوكوياما، ويبشر مؤلفه بانهيار الحضارة الغربية وانتصار الإسلام في نهاية المطاف!!
قبل الخوض في تفاصيل كتاب سلمان نذكر أن فرانسيس فوكوياما رجل ياباني الأصل أميركي الجنسية والمولد، كتب بعد سقوط الشيوعية وانهزامها: "إن الديمقراطية الغربية قد انتصرت، وانتصرت معها أمريكا والغرب، ولم يعد أمام العالم ما ينتظرونه من جديد، لقد حدث الجديد فعلاً، وهو انهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي وانتشار الديمقراطي الليبرالي الحر في العالم، بما في ذلك الدول الشرقيَة التي كانت تابعة للمنظومة الشيوعية.
ورأى فوكوياما أنه ليس هناك أيديولوجية أو عقيدة يمكن أن تحل محل التحدي الديمقراطي الغربي الذي يفرض نفسه على الناس، لا الملكية ولا الفاشية ولا الشيوعية ولا غيرها.
حتى أولئك الذين لم يؤمنوا بالديمقراطية و لم يتبنوها كمنهاج لحكمهم أو حياتهم أو عملهم، سوف يضطرون إلى التحدث بلغة ديمقراطية، ومجاملة التيار من أجل تبرير الانحراف والدكتاتوريّة والتسلط الذي يمارسونه. ويقول المؤلف عن الإسلام: "على رغم جاذبيته العالمية وقوته إلا أنه ليس له جاذبية خارج المناطق ذات الثقافة الإسلامية، فالشباب مثلاً في برلين أو طوكيو أو موسكو أو واشنطن لا يجذبهم الإسلام، وإن كان يؤمن به أعدادٌ من الذين يعانون ظروفاً صعبةً أو من السَّاخطين على الأوضاع العامة هنا أو هناك".
أما كتاب نهاية التاريخ لمؤلفه سلمان بن فهد، يقدم رؤية شبيه وان كانت مختلفة في النتيجة مع رؤية فوكاياما حيث يرى سلمان أن الصراع سينتهي بانتصار الثقافة الإسلامية وانهيار الحضارة الغربية، وبدأ بتبرير آرائه من خلال كتابات بعض الباحثين والمفكرين الغربيين أنفسهم والذين يتوقعون أحوال سيئة سوف ستحل بالبشرية وكتب فيلسوف ألماني اسمه سبيكر، كتاباً عن تدهور الحضارة الغربية وتوقع مستقبلاً مظلِماً للغرب و للعالمِ كله من وراء الغرب.
وأضاف أن مراكزَ التحليل الغربية تضع لكل احتمال حساباً، فينبغي أن توضعَ هذه الأشياء في الاعتبار وألا تستبعد استبعاداً كليَّاً أو نهائياً.
كما أنه من المعلوم أن ثمّة حضارات كثيرة سادت ثم بادت، ثم استند سلمان إلى بعض النصوص شرعيَة وأحاديث نبوية توحي أن العالم سوف يعود إلى العصور البدائيّة في آخر الزمان، وسوف يستخدم السلاح الأبيض، والسيوف!!
ويدل الكاتب على انهيار أمريكا بقوله أنها برزت بسرعة كقوة عالمية وقيادة دولية كان بعد الحرب العالمية ِ الثانيةِ وخلال تقريباً خمسين سنة، تبوأتْ هذا المنصب الكبير العظيم كشرطي للعالم اليوم.
وأن الغرب ربما احتمى بها واستعان بها خوفاً وذعراً من الشيوعية التي كانت تهدده بل سيطرتْ على جزءٍ كبيرٍ من أوروبا الشرقية، ولذلك فإن العالم الغربي الآن يريد أن يخلع نير السيطرة الأمريكية عنه من عنقه ويتخلص من هيمنتِها عليه.
ولهذا فهناك تناقض وواضح بين أمريكا وأوروبا الموحدة وبين أمريكا ودول أوروبا على حدة، كبريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا، وبين أمريكا والصين وبين أمريكا واليابان وبينها وبين دولٍ أخرى. ولهذا لا غرابة أن يكون انهيار أمريكا سريعاً أيضاً كما تتوقع بعض الدراسات الجادة، وهذه الدراسات -من وجهة نظر المؤلف- ليست مجرد أوهام أو خيالات، إنها دراسات علمية من مراكز متخصصة غربية وشرقية تدق نواقيس الخطر كما أن التاريخَ كله كتاب يثبت لنا أن الأمم تتناوب وأن سنة الله تعالى جارية والتاريخ شاهد ماثل للعيان على ذلك، ولم تثبت دولة مهما كانت في قوتِها وصولتها واقتصادها ورجالها وكثرتها وكثافتها، إنها تسود ثم تبيد.
وينتقد الكاتب العرب الذين ربطوا أنفسهم بالغرب ، فجعلوا سياستهم من سياسة الغرب، واقتصادهم من اقتصاده وقراراتِهم مرهونة برغبته ورضاه، وعملوا على تلمس إشارته قبل عبارته، فأحياناً هم يسبقونه إلى ما يريد، ويحقِّقون له ما يتمنى قبل أن تنبُسَ به شفتاه، وأصبحوا غربيين أكثرَ من الغرب نفسه، وأصبحوا عبئاً على بلاد المسلمين وعلى أمم الإسلام أكثر من الغرب نفسه، وقدموا له ما كان عاجزاً عن أن يقوم به بنفسه ثم يطرح ما اسماها الحل الإسلامي وذلك من خلالِ دينهم والوحي المعصوم وثم يدعى أنه الوحي الوحيد الموجود على ظهر الأرض، وأن جميعَ الشرائع السماوية قد لعب بها وحرفت فضلاً عن أنها منسوخة!!، أما الإسلام فهو الحق الوحيد الباقي على ظهر الأرض!! (علامات التعجب وضعها المحرر) ثم يقول إن المسلمون يملكون إقامة النظام الدولي على أساس العدالة الإسلامية، والمسلمون يملكون إصلاح الاقتصاد واستبدال الربا بالاقتصاد الشرعي كما أن المسلمون يملكون حمايةَ المجتمعات الغربية والشرقية من الفساد وتحطيم الأسرة وضياع الشباب، فالمسلمون يملكون منهج التعليم والإعلام والإدارة والحياة البشرية بشكل عام، وعليهم أن يقدِّموا ذلك عمليا من خلال النماذج الواقعية.
ثم يتساءل المؤلف: لماذا يركز المسلمون على شراء السلع الأمريكية من أجل دعم الاقتصاد الأمريكي المنهار أو رفع معدلاته أو تقليل نسب البطالة وتوظيف شباب أمريكان في صناعة الأسلحة أو الطائرات أو البضائع أو التجارات أو الثياب أو غيرها؟ ولماذا لا يبحث المسلمون عن بدائل في اليابان أو في الصين أو في بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أو غيرها، بحيث تكون الأسواق الإسلامية ميداناً للمنافسة بين تلك الدول؟ وذلك تمهيداً للتسريع بسقوط الاقتصاد الأمريكي على وجه لخصوص وليس المساهمة في دعمه وتقويته..
لماذا لا يتبنى المسلمون حكومات وشعوباً وجماعات وأمما و علماءً، الدعوة إلى مقاطعة البضائع الأمريكية التي يمكن الاستغناء عنها؟
خصص سلمان الفصل الأخيرة لإيجابيات الحضارة الغربية والتي لخصها في ثلاث نقاط:
أولاً: الغرب صادق مع نفسه وواضح ومباشر ومهتم بعرض المشكلات ومعالجتها في الهواء الطَّلقِ، بل والغربُ يرصدُ الميزانيَّاتِ الضَّخمةَ لمثل هذا العمل، أي دراسةِ المشاكلِ الموجودةِ وتحليلها، ويقيمُ المراكزَ ويتيحُ لوسائلِ الإعلامِ التي تضمنُ قدرتَهم على معالجةِ المشكلةِ وعرضِها.
أما المسلمون فنتعمد أسلوب التعتيم والتعمية والتستر على المشكلات ونعتقد أن الصمت والزمن كفيل بحل المشكلاتِ مع أنَّه ربَّما يكونُ الصمتُ والزَّمنُ سبباً في زيادتِها وتفاقمِها.
ثانياً: ومن الميزات أيضاً أن الغربَ علمي ودقيق ، فهو يعتمد على الرصد والإحصاء والدراسةِ، ولديه آلافُ المراكزِ وهو يعملُ في أحيانَ كثيرةٍ استبياناتٍ ودوريَّاتٍ متواصلةٍ للتَّأكُّدِ من نظرةِ النَّاسِ إلى شيءٍ وقناعتِهم به، سواءً كان ذلك الشيءُ رئيساً أو قراراً أو حركةً أو حدثاً معيناً.
ولا يعتمدُ على مجرَّدِ التمنيَّاتِ أو الظُّنونِ أو الحدسِ أو التخمينِ أو ما يريدُهُ الإنسانُ أو يحبُّه
ثالثاً: الغربُ يعطي الإنسانَ الغربي قيمة كبيرة، ويبدو ذلك في مجالات عديدة، في المجالِ السياسيِّ ونظامِهم الديمقراطيِّ الذي ساهَمَ في تطويلِ مدةِ بقاءِ الأمم الغربية لأنه نظام –وإن كان غيرَ إسلامي– يقوم على إعطاء الفرد قيمتَه في الاختيارِ، حتى اختيار العمدة في الحي أو المدير في ذلك الشارعِ أو الرئيسِ في تلك الإدارةِ أو هذه، فضلاً عمّا فوقَها.