عرض كتاب "اليوم والغد" للراحل "سلامة موسى"

19/09/2008 - 12:00:30 CEST


عرض-باسنت موسى
تتخذ طرق ووسائل تعبيرنا عن توجهاتنا الفكرية أشكال متعددة مع مراحل تطورنا المختلفة إن جاز لنا التعبير،وذلك التعدد أكده سلامة موسى في كتابه"اليوم والغد" محور عرضنا اليوم، حيث أعاد من خلاله صياغة مقالاته في فترة شبابه التي ترسم بأفكارها مذهبه الفكري، يبدأ موسى كتابه بمقدمة يوضح فيها أنه كلما ازداد خبرة وتجربة وثقافة تتوضح أمامه أغراض مزاولته للأدب،تلك الأغراض التي تتخلص في وجوب الالتحاق بأوربا التي يزداد حبه لها وتعلقه بها كلما أقترب في معرفتها، خاصة وأن الاقتراب من الشرق جعله يزداد كراهية له وغربة عنه، وحرفة الأدب كانت وسيلة موسى لنقل الأفكار والقيم الأوربية التي تحترم المرأة وتؤكد على أهمية التعليم المدني البعيد عن السلطة الدينية، مما يدعم فيما بعد رغبة المجتمعات في الديموقراطية والحكومات المدنية، تلك هي النقاط الأساسية التي كوّنت على مدار سنوات طويلة المذهب الفكري لسلامة موسى، وأكدت وكما يقول كفره بالشرق وإيمانه بالغرب، ذلك الإيمان الذي جعله دوماً ما يشير بوضوح أنه لا رجاء لنا للنجاح في العالم أو العيش بشكل سعيد إلا إذا ابتعدنا عن ما اكتسبناه من عادات شرقية في نظام العائلة والحكومة والنظر للمرأة والأدب والصناعات والمعايش.

مصر كما يراها موسى هي أصل الحضارة، ولعل هذا يفسر أسباب توجه نظر علماء الآثار في جميع أنحاء العالم دوماً لمصر على اعتبار أنها أصل الحضارة، وأن العالم القديم والجديد قد أستنبط حضارته منها، وتلك الحضارة المؤثرة للمصريين لا تعود فقط لذكائهم أو مؤسساتهم وإنما تعود إلى وادي النيل الذي هداهم إلى الزراعة، فالزراعة أصل الحضارة، فالإنسان متى عرف الزراعة في وادي النيل بدأ يؤسس مؤسسات الحضارة، فهدوءه في مكان يحتاج لوجود حكومة تحرس حقله وتمنع الاعتداء عليه، يحتاج أيضاً إلى بيت يقيم فيه أي أن مفهوم العائلة يتوطد بنيانه لديه، إضافة لحاجته لصناعة البناء لتأسيس منزله ثم يلي ذلك الحاجة لصناعة أنية الفخار والخزف،وأيضاً استئناس الحيوانات المتوحشة ورعاية الماشية وصناعة الألبان. 
الطبيعة ساعدت المصري على تعلم الزراعة، وجفاف المناخ أيضاً علمه الدين لأنه كان يترك الجثث تجف حتى لا تبلى ثم بدأ يساعد الطبيعة على بقاء الجثث فترة أكبر بالتحنيط ومن هنا نشأ اعتقاد لدى المصري بفكرة العالم الآخر وبدأت طبقة الكهنة في الظهور، وكذلك الحال بالنسبة للكتابة فقد أخترعها المصريون لأنهم أمة زراعية وكانوا يحتاجون لتقويم دقيق -التقويم القبطي- مازال المصريين يعملون به في الزراعة حتى الآن، والكتابة كانت معروفة في مصر منذ أكثر من 4000سنة ق.م ولم تظهر في الهند إلا حوالي سنة 700 ق.م، لذلك ليس من شط أن حضارات العالم كله اشتقت من مصر.

الإنسان برأي موسى أسير وسطه تترك فيه بيئته الكثير، فهو ينفعل بما يحيط به من عادات وأقوال ونظم اجتماعية وسياسية، يتأثر وهو صغير بالمبادئ التي لُقنت له إلى حين أن يشيخ ويهرم، يخالط الأصدقاء فيكتسب منهم القدوة الرديئة أو الحسنة، يقرأ ما يستهوي فؤاده من الكتب، وبعد كل هذا يجد ذاته فرداً وسط مجموعة مضطراً في بعض الأحيان للسير على منهجها، فيرتدي ما يلبسون ويتحدث لغتهم ويتعامل مع ذهنه في الحدود المتاحة للمجموعة التي هو فرداً بداخلها، لذلك مهما أدّعىَ أحدنا أنه حر الضمير طليق الفكر نزيه الرأي، فهو في الغالب أوعز إلى ضميره وأوحي إلى فكره الكثير من تأثير العوامل السابقة على غير وعي منه، فقد يسير أحدنا في الشارع دون أن يكون في نيته أن يشترى صحفية على سبيل المثال على الرغم من صيحات الباعة من حوله للشراء، لكن مع تكرار الصيحات وتكرار إهماله لها ينتهي به الحال لشراء واحدة منهم،هكذا الحال في سائر أعمالنا حتى أن "لوبون" قال أن خير طرق الإقناع ليس البرهان وإنما التكرار، لذلك نحن ننفعل بالوسط الذي نعيش فيه لكثرة ما تتكرر أمامنا أحواله وتعودنا على أثاره، إذاً الحرية الذهنية نادراً ما توجد مطلقة كاملة عند أي فرد،وإنما مقدارها نسبي يتناسب مع ذكاء المرء، وأكثر الناس ذكاء أبعدهم عن الانفعال بالوسط لذلك هم أقل المقلدين وأكثرهم ابتكاراً في شئون الحياة والتفكير، وأضعف الناس ذكاء من يميلون للتقليد والتأثر بالبيئة وتطبيق السنن والعرف، الابتكار يجهد الفكر ويكد الذهن أكثر من التقليد، ولذلك هناك كثيرين يكرهون الحرية الفكرية لأن تحقيقها يتطلب مجهود مضني أما التقليد فهو راحة وخمول. 

هناك فرق بين الثقافة والحضارة كما أشير بالكتاب، فقد يكون الإنسان مثقف دون أن يكون متحضراً بل ربما تدعوه ثقافته لكراهية الحضارة، فمثلاً الإغريقي "ديوجينس" كان مثقفاً عارف بتاريخ الإغريق وآدابهم ولكن وعلى الرغم من إدراكه هذا إلا أنه كان يكره حضارة الإغريق ويفضل عليها الحياة البدوية الساذجة، فالحضارة تخص المعيشة وما فيها من رفاهية أما الثقافة فهي خاصة بمعلومات الإنسان من علوم وآداب ومعارف عامة، وقد يكون الإنسان متحضراً دون ثقافة، كما هو الحال بالنسبة للكثير من أغنياء أوربا، الثقافة الحديثة الأوربية اكتسبت دياناتها من المصريين والإغريق، واكتسبت آدابها وفنونها من الإغريق، أما قوانينها فمن الرومان، والروح التجربة والعلم من العرب وللإنجليز فضل النظم الدستورية ونظرية التطور.

للألفاظ برأي موسى تأثير كبير في العقول، وإذا غرسنا في ذهن المصري أنه شرقي فإنه ينشأ على احترام الشرق وكراهية الغرب ويشعر بكرامة لا يتحمل أن يلمسها أحد الغربيين بنقد، لكن الواقع إننا لسنا شرقيين، وتلك التسمية جاءت من أننا كنا تابعين للدولة الرومانية الشرقية عندما انفصلت عن الغربية، لذلك إطلاق أسم الشرق على مصر خطأ كبير، فقد عشنا ما يقرب من الألف عام ونحن جزء من الدولة الرومانية، بل أن اللغة العربية ذاتها بها أكثر من ألف لفظة رومانية وإغريقية تدل على مقدار شمول وتأثير النفوذ الروماني والثقافة الإغريقية على العرب، ويجب أن نقول أن "أليوث سمث" قد أثبت أن الشعب الأول الذي سكن مصر لا يختلف مطلقاً عن الشعب الذي كان يسكن إنجلترا قبل 4000 سنة، وبين المصرية القديمة والإنجليزية مئات الألفاظ المشتركة لفظاً ومعنى.
لكن ليس معنى هذا أن الدم الشرقي لم يتسرب لعروقنا، فللأسف قد تسرب وسبب ذلك ما جلبه علينا العرب بما فتحوه من أقطار.
إذا كانت الرابطة الشرقية سخافة لكونها تقوم على أصل كاذب، فإن الرابطة الدينية وقاحة ونحن بحاجة إلى رابطة غربية كأن نؤلف كيان مصري يكون أعضاؤه من السويسريين والإنجليز وغيرهم لنستفيد من خبراتهم في إصلاح مجتمعاتهم، فالشراكة مع هؤلاء الناس الأذكياء إضافة لنا ولمستقبلنا، لكن مع الشرقيين لن نحقق شيئاً بل سنتأخر عن اللحاق بركب الأمم المتحضرة. 





























21 Sep 2008 - 07:20

1- الراسل :

It is an amazing brief of the Book, and although the Book was written by Mr. Mousa a long time ago, it is really a taste of realism. Yes, Egypt needs to be closer to Europe and as far as possible from its eastern partners. From Europe we will learn democracy, philosophy, science, and practicality....... Good breif Ms. Mousa, and please continue your great contribution

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح