التأسلم السياسي وروافده

22/08/2008 - 08:29:51 CEST


قراءة- فيولا فهمي
الخلط بين الرأي في الدين باعتباره صنيعة إنسانية وبين الدين باعتباره صنيعة إلهية هو العلامة المميزة لفقة المتأسلمين، الذين يسعون إلى تسييس الدين وتديين السياسة للقبض على مقاليد الحكم والوصول إلى السلطة من خلال استخدام سلاح النصوص الدينية، وجماعة الإخوان المسلمين مثالاً جلياً للجماعات المتأسلمة التي تستخدم الدين كسلاح استراتيجي لكسب معركة الصراع على السلطة في المجتمع.

يبدأ الدكتور رفعت السعيد اليساري العتيد ومؤلف الكتاب، بتأكيد أنَّ كل محاولات تسييس الدين أو تديين السياسة يبرز اتجاه لاتخاذ أسماء تستهوي قلوب العامة، وتمنح أصحاب هذه المحاولات مساحة من التستر بصحيح الدين لتضليل الناس ولاستبعاد مخالفيهم من ساحة الإيمان، مؤكداً أنَّ الوقوع في فخ هذه المسميات يمنح هذه الجماعات مسحة من المهابة الدينية  بينما هي في حقيقتها لا تستحق ذلك، كما أنَّ الوقوع في فخ استخدام مسميات مثل الإخوان المسلمين يعني لغوياً أنَّ كل من هو خارج الجماعة خارج الإسلام، وفي هذا الشأن يقول ابن المقفع" الدين هو تسليم بالإيمان والرأي هو تسليم بالاختلاف" فمن جعل الدين رأياً فقد جعله خلافاً ومن جعل الرأي ديناً فقد جعله شريعة وبذلك يكون تديين السياسة أو تسييس الدين هو فعل خاطىء من الناحية المنهجية، لأنَّ السياسي يطرح رأياً أو موقفاً أو برنامجاً فإن اختلفت معه، كنت معترضاً عليه أو معارضاً له ولكن هذا الرأي إن جاء متشحاً بالدين ومستخدماً رداءً دينياً، فمعارضته تعني التعارض مع صحيح الدين، وهنا تكمن الخطورة لأنَّ فكرة احتكار الدين لصالح جماعة سياسية يعطيها الحق في الاستقواء بالدين على جميع من عاداها، كما أنَّ المشكلة تتمحور في تعمد" أئمة التأسلم" الخلط بين الرأي في الدين وبين الدين ذاته فالدين معطى سماوي كلي الصحة والرأي معطى إنساني نسبي الصحة.

 وينتقل الكاتب برشاقة أدبية إلى بداية تسلل العنف إلى الساحة السياسية، فمنذ زمن الخليفة عثمان بن عفان حيث جاء العنف مرتدياً ثوباً إسلامياً عن طريق اختلاف طرفان أو أكثر تحصن كل منهم بنصوص أو دعاوى أو حتى ادعاءات متأسلمة لاثبات صحة موقفهم وأنَّهم يمتلكون صكوك الحلال وغيرهم هو الحرام بعينه، وعندما انتصر الأمويون تذكروا على الفور ثأر بدر ونقموا على أهل المدينة ومساندتهم للرسول ضد جدهم أبي سفيان وعادوا إلى تقاليد الجاهلية الأولى والانتقام القبلي بكل بشاعته، وكذلك عندما آتى العباسيون على رماح فارسية وهزموا بني أمية بحد السيف وباشروا ضدهم أبشع أنواع الانتقام، وحتى يتسق ذلك مع المعطى الديني الذي يظل دوماً المكون الفكري الأساسي وضعوا هم أيضاً أحاديثاً نسبوها للرسول يبررون بها سلطانهم! وهكذا اتضح التأسلم السياسي والباس الموقف والمصلحة السياسية ثياباً دينية سبيلاً للعبث بالمقدس وبالتعاليم، وهو ما جعل صالح العشماوي أحد قيادة الإخوان في ثقة مثيرة للدهشة" أنَّ أي اضطهاد للإخوان هو اضطهاد للإسلام ذاته"!!
كما تظهر مخاطر التأسلم السياسي أيضاً فيما يسمى" بالتفيقـة " أي محاولة اعتصار مواقف دينية حول مستجدات دنيوية لم ترد في أصول الشريعة ولا في فروعها...

 ويتعمق د. السعيد في بئر التأسلم السياسي وروافده سعياً نحو فهم حقيقي لجماعة الإخوان وذلك لأنَّها ارتبطت برباط وثيق منذ يومها الأول وحتى الآن بالإمام المرشد العام حسن البنا الذي تحدث الكثيرون عن طفولته وكأنَّها مرحلة تقترب من القداسة حيث تعرض في صغره لحوادث كادت أن تقضي عليه ولكنه نجا منها بفضل الله، ثم سريعاً ما يتضخم طموحه الديني الذي تبلور عندما شعر أنَّ المسجد وحده لا يكفي ولا بد من رجال يهبون حياتهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالفعل كوَّن مع عدد من زملائه جماعة كانت هي النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين وكانوا يخطبون في المساجد والتجمعات الشعبية، ويطلقون على أنفسهم سلفيون يقدمون جهاد ونضال وعمل وليس مجرد دعوة فلسفية، كما حرص البنا على أن يضفي صبغة ضبابية على الجماعة وألا يقدم تفسيراً واضحاً لأهدافها أو طبيعتها عن طريق اطلاق العبارات المطاطة وذلك حتى يوائم بينها وبين تقلبات الأحوال، وظل ينفي البنا في البداية أنَّ لجماعته علاقة بالسياسة ولكن ما أن قوي عود جماعته حتى أعلن أنَّ الجماعة سوف تنتقل من دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال حيث صارح الجميع بهدفه الأساسي وهو" اقامة دولة دينية" قائلاً أنَّ الإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد ومصحف وسيف لا ينفك أحدهم عن الآخر، حيث تميزت جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها من القوى السياسية المعاصرة بعلامتين مميزتين هما .. البيعة والجهاز السري.

الموقف الإجتماعي لجماعة الإخوان
و لأنَّ القرآن حمال أوجه ولأنَّه لا ينطق وهو مكتوب وإنَّما ينطق به البشر فإنَّ تلك الجماعة التي أكدت وما زالت تؤكد أنَّها تتخذ من الإسلام منهجاً متكاملاً والتي كسبت تأييداً لا بأس به لأنَّها تقدم تصوراً يقول أنَّه يستهدف تغيير النظام السياسي التقليدي في مصر تغييراً كاملاً وشاملاً فقد استخدمت الدين بما يحقق لها مصالحها السياسية، وحسن البنا كان يريد أن يكسب لجماعته جماهيرية وسط جموع الفقراء لكنه لم يريد أن يفقد مساندة القصر وكبار الملوك فاتخذ موقفاً وسطياً واتصف بأنَّه" مرن " وبأنَّه يفصل بين القول والممارسة الفعلية واكتسب هذا الموقف مزيداً من المرونة أو بالدقة غموض إذ رفض في الواقع اعلان أي برنامج سياسي أو اقتصادي محدد وواضح واكتفى بالعموميات مثل" القرآن دستورنا" أما عند ساحة الممارسة فلقد تعودنا من جماعة الإخوان أن تختلف الأقوال عن الأفعال، وفي هذه الحقبة انبرى حسن البنا في انكار أنَّ للجماعة جهاز سري يقوم بالعديد من الجرائم وظل ينفي ذلك حتى أن قال بعد أحداث 1948 المؤسفة" هؤلاء ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين" وذلك رغم أنَّ الجهاز السري للإخوان قام بالعديد من الجرائم واستخدم سلاح القتل والتصفية لمواجهة الخصوم والمعارضين لهم وكشف تلك الوقائع الفاضحة سلسلة اعترافات الإخوان أمام المحاكم والتي أثبتت أنَّ الجهاد هو مبدأ أصيل في فكر جماعة الإخوان المسلمين  وهو المبدأ الذي قام عليه الجهاز السري. 

وعندما حانت ساعة العقاب انطفأ الزهو وواجه الإخوان مصيرهم أمام سلطة البطش وانهار الكثيرون مدلين باعترافات كاملة وكان أخطرها تطوعهم بادانة فكر الجهاز السري وتكفير القائمين عليه، وعندما طالب خصوم الشيخ حسن البنا أن يضعوه في المعتقل رفضوا ذلك فلقد اختمرت لديهم فكرة تصفية الشيخ تصفية سياسياً أولاً ثم تصفيته جسدياً فيما بعد، فجعلوا حسن البنا في حريته أكثر عذاباً من اتباعه المسجونين فقد تركوه محاصراً عاجزاً وضعيفاً ولقد انفرط عقد الجماعة والجهاز السري انقطعت خيوطه والبنا الشامخ انهار ورهبان الليل وفرسان النهار تساقطوا تحت آله التعذيب ليدلوا باعترافات متكاملة تجر إلى الزنازين المزيد والمزيد من الإخوان المسلمين، وكان البنا يُلح على ضرورة الافراج عن بعض رجاله معلنا أنَّه" لا يستطيع أن يُنكر الأخطاء التي ارتكبها الإخوان وأنَّها قد هزته إلى درجة أنَّه هو نفسه قد شعر بضرورة حل الجماعة" وكان هذا في بيان بعنوان" بيان للناس " حيث استنكر فيها الشيخ أعمال رجاله ورفاق طريقه ودمغها بالإرهاب والخروج على تعاليم الإسلام والغريب أنَّ بعد يومين من صدور" بيان للناس " قبض على أحد قادة الجهاز السري وهو يحاول نسف محكمة استئناف مصر!!! وعندما وقع حادث محاولة نسف مكتب النائب العام وذكرت الصحف أنَّ مرتكبه كان من الإخوان المسلمين، أصدر البنا بياناً يدين فيه تلك العمليات لأنَّ الإسلام يحرمها والإخوة تأباها وترفضها وكتب فيه أنَّ هؤلاء هم صغار النفوس والعابثين وما يقوموا به من السفاسف وهنا انقلب السحر على الساحر فلقد أثار البيان جموع الإخوان في السجون والمعتقلات وأصبح رجاله في السجون يبعثون له التهديدات ومن بقي منهم خارج السجن تمردوا عليه، لأنَّه يتهم أخلص خلصائه الذين أقسموا على المصحف والمسدس يمين الطاعة التامة في المنشط والمكره، وبذلك قرروا القتلة أن يطلقوا الرصاص على جثته وسحبوا منه سيارته ثم مسدسه المرخص ثم سحبوا الحراسة المحيطة به واستدرجوه إلى جلسة مفاوضات أخرى وأخيرة وأطلقوا عليه الرصاص عام 1949، وقد أثبتت التحقيقات أنَّ المدبر الأساسي لمقتل الشيخ حسن البنا هو الملك فاروق.




























الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح