عرض كتاب "برنارد شو" للراحل "سلامة موسى"

31/07/2008 - 06:48:07 CEST


عرض-باسنت موسى 
من الرائع والممتع معاً أن نقرأ بفهم رؤية مفكر وكاتب مميز لمفردات حياة أحد العظماء الذين غَيّروا بتأثيرهم إيجابياً في المراحل التاريخية المعقدة التي مرت بها مجتمعاتهم، واليوم نحن نستعرض بعض من قراءة الراحل "سلامة موسى" لحياة الأديب والفيلسوف "برنارد شو" في كتاب له يحمل ذات الاسم.
في مقدمة الكتاب أستعرض "موسى" من خلالها أسباب إقدامه على إعداد كتاب عن حياة الأديب والفيلسوف "برنارد شو" معرباً عن أمله في أن يحقق بكتابه هذا بعض مما يريد للتعريف بحياة "شو" عبر إيضاح أفكاره وأرائه وتوجهاته، وتجربة الكتابة عن "شو" كانت بعقل "سلامة موسى" لفترة تقترب من الثلاثين عام، وفي كل مرة يحاول "موسى" الكتابة يتراجع لشعوره بأن الجمهور يعاني من جمود عام تؤيده قوى الظلام الرجعية العديدة بالمجتمع وكتاب عن "شو" يحتاج عند قراءته لعقول مفتوحة ترحب بالأفكار ولا تضع التقاليد فوق التطور أو تستسلم للغيبيات التي كان يعتقد بها الشعوب القديمة، فأصحاب العقول المغلقة إنما استراحوا ورضوا أن تنغلق عقولهم عندما وضعوا العقيدة المريحة فوق الشك وهم بذلك علة لتأخرنا، ومَن يكافح وجودهم من أصحاب العقول المفتوحة إنما لا يستطيعون في الغالب لأن قوات الظلام أكبر من قوات النور ولأن أصحاب العقول المفتوحة قلة قليلة لذا مجهودهم في المواجهة دائماً ما يكون فردي لأن الأدباء والمفكرين في مجتمعاتنا يجيدوا الفر من معارك الحاضر للدخول في معارك نائية في أعماق التاريخ.

"دنيا الأحلام والأماني"
العظيم في أي شأن من الشئون البشرية له في الغالب هوسه أو لوثه أصابته وهو في شبابه، وتلك الهوسه تبدو لأصدقاء ومعارف هذا العظيم، كما لو كانت غفلة أو سماجة أو وقاحة، لكنها في الحقيقة دليل على يقظة الوعي والشروع في استقلال التفكير عندما يسأل: لماذا الحكومة؟ لماذا الدين؟ ما هي السعادة؟ ما هي الحضارة ؟ ما هو الحب؟، ففي الشباب يتحسس العظيم المبادئ ويقارن بين الأحلام والحقائق ويرفض التسليم بالقواعد محاولاً أن يبتكر في نظام المجتمع ونظام حياته وقد يسخف في بداية محاولاته لكنه ينتهي إلى الدرس الجاد والأفكار الناضجة التي يستقر من خلالها على فلسفة ويقين. 

في سنة 1881 ظهر رجل أمريكي به لوثه في مدينة لندن يدعى "دافيدسون" ودعا إلى ما أسماه "الحياة الجديدة" وهاتين الكلمتين كان له إغراء يشبه قوة السحر في نفوس الشباب والفتيان والكهول، فما كان يعلن عن اجتماع له ليلقي خطبة عن موضوع "الحياة الجديدة" إلا واجتمع حوله كثيرين من ساكني لندن حيث كان يدعوهم لحياة جديدة تلغي العادات والتقاليد وتكتفي بقناعة العيش الرخيص الساذج والزواج من خلال الحب فقط ومعاملة الناس بالعدل وسكن الأكواخ ورصد الوقت للدرس الجاد والاستمتاع الواعي والتفكير بشكل فلسفي، أي أن دافيدسون كان يسعى لحياة "الكوخ الهندي" من جديد دون السفر لأفريقيا ولم ينجح في إقامة مجتمع وفق قواعده لكنه نجح في إنشاء جمعية يرتبط أعضاؤها بالعزم على أن يحيوا حياة جديدة وبعد مناقشات واحتدامات داخل جمعيته نشأ فكر جديد وسامي في الحياة حيث انتشرت عشرات المطاعم النباتية في لندن وأتجه لها الإنسانيون الذين يتأففون من أن تتحول بطونهم قبور للحيوانات وبدأ "برنارد شو" بمقاطعة اللحوم حيث عاش سبعين عام دون تذوق اللحم، وترك الأديب الإنجليزي "ادوارد كاربنتر" أعماله في لندن وقصد الريف الإنجليزي مؤلفاً كتاب "مرض الحضارة وكيف نعالجه؟" والعالم الطبيب "هافلوك إليس" يؤلف مجلدات عن الحب والزواج والعلاقات الجنسية، ويشرع "رمزي ماكدونالد" في الدعوة للاشتراكية ورئاسة حزب العُمّال، ويؤلف ثلاثة من الأدباء هم وليم موريس وتشسترون وبيلوك كتب عن ضرورة ترك الحضارة الحديثة والرجوع لحضارة القرون الوسطي والعمل باليد بدلاً من العمل بالآلة وتؤلف "الجمعية الفابية "للبحث عن سياسة جديدة غير سياسة المحافظين والأحرار استهدافاً لتحقيق العدالة الاجتماعية وفي ظل هذا تنمحي جمعية "الحياة الجديدة" لكن تبقي الخمائر التي بعثتها.

"شو في حياته الشخصية"
من الممكن أن نستخلص حياة الكاتب" أخلاقه وأهوائه وفلسفته" من مؤلفاته وذلك لأن اهتمامات الكاتب في مؤلفاته هي اهتماماته في حياته الشخصية ولا يستطيع أن يفصل بينهم إلا عندما يكون مأجور لخدمة غيره، بل أنه حتى في ذلك لا يبتعد الكاتب كثيراً عن الزج بشخصيته وبنفسه التي هي وراء شخصيته.
حياة "شو" لسنا في حاجة لأن نستخلصها من مؤلفاته لأن سيرته منذ ميلاده معروفة ومكشوفة بل أنه هو نفسه كشف عنها في مؤلفاته من خلال عبارات صريحة لا تحتاج لتأويل، فقد ولد ونشأ في "دبلين" عاصمة أيرلندا وعائلته كانت من الأيرلنديين البروتستانت الذين يعتبرون أنفسهم أرقي من الأيرلنديين الكاثوليك الذين تعزلهم التقاليد الكنسية وتفسد نفوسهم بالتعصب الديني مما يدعم تمسكهم بالتقاليد، والد "شو" كان سكيراً فاشلاً في كل ما تناولته يده بالعمل ولكن على الرغم من ذلك كان "شو" يحبه بل ويذكره بالحنان والتقدير، أما أمه فقد كانت فنانة تجيد العزف على أله البيانو والغناء أيضاً وتحتقر زوجها لإدمانه على الشراب لكن "شو" كان يكرهها ولا يذكرها بكلمة طيبة في كل ما كتب بل أنه عندما ماتت كان يضحك في جنازتها مما جعل أصدقائه يلومونه على ما يفعل.
باعتقاد "سلامة موسى" أن موقف "شو " من أمه راجع إلى أنها كانت تحتقر والده وتشمئز منه في فترة طفولته ولأنه كان طفلاً لم يكن يقدر مسئولية الأب الواجبة تجاه أبنائه، بل ربما كان يستظرف شكل والده وهو مخمور إضافة إلى أن أم "شو" تركته طفلاً مع والده وهجرت بين زوجها مع أبنتها إلى لندن وهذا عمل قاسي لايمكن أن ينساه طفل بسهوله من أمه.

أول ما كتب "شو" في الصحف كانت كلمة قال فيها أنه لا يؤمن بالله وفي ذلك الوقت لم يكن عمره تعدى الثامنة عشر ودلالة تلك الكلمة لا تعنى انحرافه الديني وإنما في حقيقتها كراهيته لوسطه الاجتماعي والتعصب الكاثوليكي نحوه كبروتستانتي، كان في ذلك الوقت يعيش مع أبيه ونتيجة ما رآه من تأثير الخمر على أبيه كره "شو" الخمر طوال حياته بل وقاطعها وهناك روايات تقول أنه كان يحتسيها بعد وفاة زوجته وأصدقائه وهو بعمر فوق التسعين عام.
قضى "شو" في بداية حياته سنوات عجاف يتضرع فيها لأمه لتعطيه "مصروف جيبه" ولكن تلك السنوات ساهمت في بناء شخصيته أيضاً حيث كانت سنوات الامتصاص الثقافي، حيث كان يذهب كل صباح للمتحف البريطاني الذي يضم أكثر من أربعة ملايين كتاب ليقرأ ويختار ويربي شخصيته الفنية الأدبية والأديب، الحق هو الذي يصنع نفسه بهذا الأسلوب حيث يدرس ويختار وفق حاجته النفسية فيختار بذلك أصح الغذاء أي يقرأ ويدرس وفق احتياجاته النفسية ويرفض عندما لا يحب فتنشأ نفسه على استيفاء الغذاء دون إكراه وهذا لا يتحقق عبر الجامعات.

"هؤلاء علموا برنارد شو"
من الحظ السعيد لـ "برنا رد شو" أنه لم يتعلم في جامعة بل أن كل ما حصل عليه من تعليم نظامي لايزيد على مستوى التلميذ الذي ينقطع عن الدراسة النظامية في عامه الأول، ومعنى هذا أن "شو" علم نفسه بنفسه أي أنه كان يختار ما يتعلمه وفق احتياجاته الذهنية والنفسية كما يختار الجائع طعامه وحتماً الجائع يختار لنفسه أفضل مما نختار له نحن، فالتربية الذاتية هي التربية الناجحة وهي اختيار في حين أن التعليم الجامعي إجبار سرعان ما يتخلص منه الفرد المتعلم ثم أن الأدب تربية ذوقية ومثابرة وتطور وتطرق للدين وتعمق للفلسفة وكل هذا لايمكن أن تقوم به جامعة، كما أن الجامعات على الرغم من زعمها الاستقلال تؤيد النظم الحكومية القائمة فترفض تدريس فولتير لأنه كافر وكارل ماركس لأنه ثائر ولورانس لأنه فاسق ولكن طالب الأدب خارج الجامعة يجد حرية مطلقة في الاختيار ويطلب ما يحتاجه وهو بهذا يؤسس ويبعث المركبات الفنية والأدبية في نفسه وهذا بالطبع لا ينطبق على العلوم التطبيقية التي تحتاج إلى معامل تؤسسها الجامعات فقط.
"شو" كان معروف بأنه مؤلف مسرحي لكنه في الواقع كان أكبر من ذلك كان رجلاً يواجه الدنيا كما هي دون استسلام للخيال إضافة لإحساسه الكبير الذي جعله لا يرضى بالاستغلال أو الذل وكان فيلسوفاً يضع الفلسفة على المسرح بدلاً من مشاهد الغرام والقتال والزنا.

من أعظم المفكرين الذين تأثر بهم "شو" كارل ماركس داعية الاشتراكية و"شو" دعا لتلك الاشتراكية نحو ستين عاماً، أما المعلم الثاني الذي تأثر به "شو" فهو "فريدريك نيتشه" الذي غرس فيه فكرة الإنسان الأعلى الذي سوف يقف من ما نقفه نحن من القردة وتلك الفكرة جعلت من التطور عند برنارد شو ديناً صميماً يؤمن به ويهدف إلى غاياته البشرية،أما المعلم الثالث فهو "صمويل باطلر" الأديب الإنجليزي الذي حارب النفاق الاجتماعي وأنتفع شو كثيراً بأفكار معلمه مما زاد من بصيرته في العلم وإنسانيته، المعلم الرابع هو "هنريك إبسن" وتعلم منه كيفية معالجة المشكلات الاجتماعية والفلسفية في عمق وجرأة ،هؤلاء المعلمون الأربعة علموا "شو" وظهروا بوضوح في وجدانه الثقافي حيث كانت لأفكارهم دورات من التفاعل في ذهنه فتغير بهم وتطور.

"الصداقة حب على مستوى عالي"
الصداقة حب على مستوى إنساني عالي، تتجاوز الحب الجنسي في القيم الإنسانية وقد تنبعث بالاشتهاء الجنسي ثم تتسامى لصداقة وليس في هذا عيب كما أنه ليس في الاشتهاء الجنسي عيب إذ كيف نعيب على شيء تطالبنا به الطبيعة والخلود البشري، لكن الصداقة حين تنشأ بين رجل وامرأة يكون حافزها اجتماعياً وليس فردياً وهى ميزة للممتازين من الناس إذ ليس كل إنسان قادر على أن يصادق.
من أعظم أصدقاء "شو" في حياته زوجته "شارلوت" التي كان حبه لها أكبر من أن يشتهيها، وقد عاش معها ما يقرب من الخمسة والعشرين عام ولم ينفصل عنها يوماً واحداً وبعد موتها أحرق جثمانها وحفظ الرماد في زجاجة وعندما مات أوصى بإحراق جثمانه وخلط رماده برمادها ونفذت الليدي "أستور" وصيته ونحس بجمال الفكرة في تلك الأسطورة التي تحمل إلينا معاني رمزية إنسانية نكاد نتذوق جمالها ونتنهد لإنسانيتها.

الزواج عيش مشترك بين أثنين، لذلك هو مشقة من بدايته لنهايته، خاصة إذا كانت الزوجة مستقلة في حياتها فترفض الطاعة العمياء للزوج، الزواج عند رجال الفن والفكر والهدف الإنساني شاق بل يعد مشكلة تجبرهم على التفاتات خاصة تنقص من التفاتهم لعملهم العبقري لذلك كثيراً ما يعزفون عن المعيشة الزوجية أو يؤثرون حياة العزوبية، وأساس المشكلة أن الزوج إن كان عبقرياً فأنه يفضل الأهداف الإنسانية على الأخرى الاجتماعية فهو ينشد الثقافة والفن ويضحي بماله وأحياناً بحياته في سبيل ذلك بينما الزوجة تفضل الأهداف الاجتماعية كالثراء والترف ومصلحة الأبناء وما هو نحو ذلك، هو يطلب الوحدة لينتج وهي تطلب الاجتماع هو إنساني وهي اجتماعية لذلك تصطدم أهدافهم مع بعضهم البعض وهناك في التاريخ رجال أكدوا صحة الأفكار المطروحة عن زواج العباقرة فـ " أناطول فرانس" عاش منفصلاً عن زوجته و"هنريك إبسن" فعل مثله تماماً وذلك لأن كلاً منهما وجد أن حياة العزوبية أكثر إنتاجاً من حياة الزواج، و"تولستوي "ختم حياته بمأساة حيث ترك منزله وفر من زوجته وأمضى ثمانية عشر يوماً في فراره إلى أن مات بإحدى القرى النائية، وكأنه يؤكد أن الحياة الزوجية لا تلائم العبقري.

"شو" عاش من أهل هدف هو تغيير الدنيا والمجتمع وقد تزوج من "شارلوت تونسند" لكن لم يتم بينهما اتصال جنسي و"شارلوت" كانت تكره الرجال لذا اشترطت على" شو" قبل الزواج أن تظل عذراء ولكن المرأة التي تنفر من الرجال تستطيع أن تعيش في عزوبة بعيداً عن الرجل، ثم أن "شو" كانت حياته حافلة بالاقتحامات الغرامية قبل الزواج فلما لجأ لهذه الرهبانية عند زواجه بعد الأربعين؟

يرى سلامة موسى أن "شو" شبع من المغامرات الجنسية بعد الأربعين ووجد أن الفن والثقافة ونزعته الإنسانية تستولى على كل كيانه النفسي والذهني ولكن وحتى لا يثير استطلاع الفضوليين تزوج و"غاندي" فعل ذات الشيء الذي فعله "شو" حيث تزوج وبقي أعزب مع زوجته ما يقرب من الثلاثين عام حتى وفاته وحتماً كان الزوجين في حالة "شو" سعداء لأن الحب أخذ مكان الاشتهاء فالحب حنان والاشتهاء عدوان وحنان الحب يحتاج إلى شخصية نعرفها ونستأنس لغتها أما الاشتهاء فيمكن أن نحسه نحو أي شخص لمفاتنه الجنسية فقط حتى لو كنا نجهل أسمه ولغته وقد كانت "شارلوت" سعيدة أن تعيش إلى جانب عبقرية فذة وإنسان نادر و"شو" كان سعيد بالعيش مع امرأة تجعله يتسامى بغريزته إلى أفاق الثقافة والفن بحيث يشعر بأنه جزء من القصد العام في التطور البشري ومثل هذا الزواج الذي يرفض الحيوان في الإنسان لا يمكن أن يتم إلا عندما يرتفع طرفاه إلى مستويات عليا من الحياة وهذا نادر في عصرنا وكل عصر.




























الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح