|
قراءة-فيولا فهمي
لا يقـو أحد على إنكار طبيعة الأزمات التي تشوب العلاقة بين الأقباط والمسلمين في مصر، وهو الموضوع الذي اتجه البعض لتفسير أسبابه وتحليل دوافعه بأسلوب لا يخلو من الواقعية والتنظير، وإنما جاء كتاب" الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين في مصر" للأديب والناقد الأدبي أحمد الخميسي، ليعبر عن أسباب تلك الأزمات بأسلوب روائي شيق، من خلال عدة مقالات رصدت على مدى عشر سنوات تقريباً مظاهر الطائفية والتمييز الذي يهدد الوحدة الوطنية في مصر، بينما قال الخميسي في مقدمة كتابه" لا أزعم أن تلك المقالات مساهمة نظرية أو فلسفية في موضوع العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها، وهو موضوع كتب فيه الكثير، ولكن ما أردته أن أدفع مع الآخرين الباب المغلق ولو دفعة صغيرة عله ينفتح في الضمائر والنفوس".
وكان" الباب المغلق " هو باكورة مقالات الخميسي الذي أوضح فيها بأسلوب أدبي رفيع المأساة التي تواجه علاقات الأقباط بالمسلمين في مصر، حيث كانت هدى ابنة بواب العمارة التي يقنط بها عم موريس وزوجته جانيت والاثنان تجاوزا سن الإنجاب دون أن يمنحهما الله بطفل لكنهما قانعان بحياتهما، بينما اعتبرا هدى ابنتهما التي يرعاها ويحسنوا تربيتها حتى توفي والدها بواب العمارة، فلم يجدوا أمامهما سوى احتضانها ورعايتها وتجهيز حجرة من المنزل لإقامتها، ولكنهما لم يسلما من نظرات الحقد والاتهام التي كانت تواجهما كل يوم من أبناء المنطقة وسكان العقار، فلقد اعتقد الجميع أن ذلك كان بهدف استقطاب الفتاة الصغيرة إلى اعتناق المسيحية، ولم يجد عم موريس أمامه سوى التخلص من الفتاة التي أحبها واعتبرها ابنته، حتى يتخلص معها من تلك النظرات التي تحاصره بالاتهامات أينما ذهب، واستجمع قواه ليقول للفتاة أنها تترك المنزل ولكنها لم تصدق ما سمعت، في اليوم الثاني، والثالث، والرابع، كرر موريس ما قاله وهو يوضح لها أنَّه يحبها مثل ابنته بالضبط ولكن البنت لم تعد تعير كلماته اهتماما، تسمع ما يقوله وتنصرف إلى الصالة تراجع ما علمته إياها مدام جانيت من حروف الكتابة، مرة وأخرى.
وأخيرا أخذ موريس يجذبها من ذراعها بقوة ويضعها خارج باب الشقة، البنت ملتصقة بالباب المغلق تخمشه كالقطة وتبكي" أنا زعلتك في حاجة يا عم موريس، والنبي دخلني، وفرت دموع عم موريس وراء الباب المغلق يقول" ما أقدرش يا بنتي و العدرا ما أقدر، والباب مغلق وخلف كل ناحية شخص وحيد في أمس الحاجة إلى الآخر ".
بينما حمل المقال الثاني عنوان" سعاد التي في خاطري" حيث ركز فيه أحمد الخميسي على مخاطر التفرقة التي يتشربها الأطفال منذ نعومة أظافرهم، من خلال سرد قصة الطفولة التي جمعته بـ " سعاد " الأخت الصغرى لأصدقائه ذات العيون الخضراوتين الساطعتين، والتي كانت ترافقهم اللهو واللعب في الصغر، وكان قلبه يخفق كلما رآها بالرغم من عدم تجاوزهما العاشرة، ولكن ذات مرة أشار أحد الأولاد إلى بيت سعاد وأخواتها قائلاً" هذا بيت المسيحيين " ليشعر الكاتب في طفولته أن هناك ثمة شيء ما مجهول يميز أولئك الناس عنا أو يميزنا عنهم، وعندما سأل جدته عن معنى الكلمة اكتفت بهزة رأس وقالت" نحن مسلمون وهم مسيحيون وخلاص"! ... ( نحن وهم ) تلك العبارة التي أسدلت الستار بينه وبين سعاد.
وتحت عنوان" الأقباط.. التعليم والإعلام " أدان الخميسي تعامل جريدة النبأ مع قضية الدجل الديني الذي اتهم فيها راهب مشلوح استغل مكانته لإقناع النساء بقدرته على شفاء الأمراض و طرد العفاريت عام 2001 ، حيث كانت القضية وقعت عام 1996 و شرعت النيابة في التحقيق وسارعت الكنيسة بإعلان" الشلح " ولم تخرج القضية عن إطار قضايا الدجل الديني الكثيرة المشابهة مثل موضوع الدجالة المدعوة " الشيخ نادية "، ولكن جريدة النبأ المصرية قررت فجأة أن تستخرج الحادثة القديمة من الملفات دون الإشارة إلى أن الكنيسة قد عزلت الراهب ونشرتها بشكل يلقي بظلال الشك على رجال الدين الأقباط والأديرة وخاصة دير المحرق في أسيوط الذي يتمتع بقداسة رفيعة لأن العائلة المقدسة عاشت فيه 800 يوما ، وكما أثارت " النبأ " بنشرها الموضوع أربع قضايا هامة، الأولى تتعلق بمفهوم حرية الصحافة والثانية تتعلق بتوقيت نشر الموضوع والجهة التي وقفت خلف ذلك وأمدت الجريدة بصور من سجلات تحقيق رسمي وأهداف هذه الجهة من ذلك في ظل ظروف اجتماعية وسياسية محتقنة، بينما تخص الثالثة انحسار الفكر العلمي بشكل عام مما يسمح مرة للشيخة نادية ومرة للراهب للجدل والحديث عن طرد العفاريت من أبدان الناس وغيرها من خرافات العصور الوسطى، والقضية الأخطر هي الطائفية التي اختفت مع أحداث الكشح لتعود إلى الاندفاع بقوة من جديد.
بينما انتقد الناقد الأدبي أحمد الخميسي تكبيل الإبداع الفني تحت مزاعم الاعتداء على الدين في مقال بعنوان " الدين و الأدب " حيث تقدم يوسف رشاد بصفته باحثا وكاتبا بشكوى إلى فضيلة رئيس لجنة الفتوى بالجيزة وجاء فيها إن هناك " ظاهرة خطيرة للغاية لأنها تمثل اعتداء صارخا على قدسية القران الكريم ، فبعض الشعراء يأخذون آيات كاملة من القران ويقحمونها في شعرهم ، كما فعل الدكتور صابر عبد الدايم في قصيدته المنفى داخل الوطن .. نرجو إبداء الرأي الشرعي" وردا على ذلك أفاد الشيخ الطلخاوى رئيس لجنة الفتوى والشيخ السرساوى عضو اللجنة بأن يراجع الرجل فيما قال فإن رجع فلله الحمد وإلا خرج من دائرة الإسلام ويستتاب وإلا قتل حدا .. أي أن الشيخين قدما فتوى بقتل الشاعر، وذلك بالرغم من أن علاقة الفن والأدب بالأديان علاقة قديمة، كما أن السعي لفرض نظرة دينية متشددة على الثقافة والفن سوف يرجعنا آلاف الخطوات للخلف ويصبح من العبث البحث عن أيى تقدم في قضايانا الأخرى الكبرى.
وحول انعدام وجود أعمال أدبية تتولى مهمة البحث وراء أسباب الأزمات التي يعيشها الأقباط وتكشف عن مخابئ وكهوف الاحتقانات، تذكر الكاتب قصة استوقفته عام 1965 بعنوان" الوشم " بطل القصة عامل مسيحي بسيط في مصنع يجتهد طول الوقت أثناء عمله في مداراة أو إخفاء" وشم " صغير على رسغه برسم الصليب، متسائلاً لماذا لا يقبل الأدباء الأقباط على صياغة مشاعرهم بالاغتراب وأزماتهم الطائفية في أعمال أدبية تلفت نظر المجتمع إليها مثل زواج الفتيات المسيحيات بالمسلمين وغيرها، هل يتولد لديهم شعور بالرهبة يمنعهم من الاقتراب من حقل قضايا الأقباط الملغم أم الرغبة في تفادي إثارة تلك المسائل، مؤكداً أننا أحوج ما نكون إلى أدب مستنير يتناول كل جوانب حياتنا ولا يجتهد طيلة الوقت في مداراة" الوشم " الصغير لأن مدارة الروح خطر على مستقبل مصر. وعلى أثر أحداث الاعتداءات المؤسفة على كنائس الإسكندرية كتب الخميسي مقالاً تحت عنوان" المسألة القبطية وما جرى في الإسكندرية " قال الخميسي إن التحقيقات النيابية التي كشفت عن ضبط 35 زجاجة مولوتوف وبعض الأسلحة البيضاء من سكاكين وجنازير أكدت إن أولادنا يرضعون التعصب منذ الصغر وإن على الدولة إن تبرز في مناهج التعليم إن الأقباط شركاء في الكفاح الوطني بدلاً من اعتبارهم غرباء أو دخلاء على الوطن، وكذلك مراجعة كاملة لما يتلقاه أئمة المساجد من علم لأننا أمام حالة اجتماعية و تربوية و ثقافية مشوهة ساهمت في تأجيج الاحتقانات الطائفية.
وذلك إلى جانب وجود العديد من المقالات الثرية التي تحاول كشف أسباب تعكير صفو العلاقة بين الأقباط والمسلمين في مصر، فضلاً عن محاولة الخروج من الأزمة وغيرها من الومضات التي تبعث رنين التحذير من خلال كشف الحقائق تارة وتحاول إن تكتب روشتة العلاج تارة أخرى.
|