قراءة- سامح سامي
سطور مستقيمة بأحرف متعرجة، عنوان غريب لكتاب، فكيف تكون السطور مستقيمة والأحرف متعرجة ولكن اللبس في المعنى ينتهي حين نعرف أنَّ هذه السطور المستقيمة والأحرف المتعرجة تخص العلاقة بين المسيحيين والمسلمين. حمل هذا العنوان، كتاب الدكتور طارق متري وزير الثقافة اللبناني:" سطور مستقيمة بأحرف متعرّجة: عن المسيحيين الشرقيين والعلاقات بين المسيحيين والمسلمين" وذلك عن دار" النهار" اللبنانية و" منشورات جامعة البلمند".
يوضح المؤلف أنَّ غالبية الكتّاب الذين تناولوا العلاقات المسيحية- الإسلامية، لديهم ميل للإغلاق عليها إما بثنائية الغالبية والأقلية، أو عبر الإشادة بروح التسامح والعيش المشترك، وبالتالي إخفاء تلك الجوانب من التاريخ، وفي الحالتين خروج على الحقيقة.
ويستخدم صفة" التعرّج" في عنوان الكتاب هو للإشارة إلى الأزمات التي حلّت بالعلاقات بين المسيحيين أنفسهم، وبينهم وبين إخوانهم المسلمين.
يحتل موضوع الحوار بين الأديان عموماً والحوار المسيحي- الإسلامي خصوصاً، موقعاً مهماً في كتابات طارق متري، وهو العامل في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ولعل من ينظر إلى مؤلفات متري، يجدها تدور حول فكرة الحوار بين المسيحيين والمسلمين.
منذ عام 1979 مارس متري التدريس الجامعي في لبنان وسويسرا والولايات المتحدة، وعمل في مؤسسات ذات علاقة بموضوع الكتاب مثل مجلس الكنائس العالمي في جنيف، حيث كان مسئولاً فيه بين عامي 1991 و2005 عن العلاقات المسيحية- الإسلامية.
وعمل كذلك في مجلس كنائس الشرق الأوسط بين عامي 1984 و1991، كما أنَّه من مؤسسي اللقاء اللبناني للحوار، والفريق العربي للحوار الإسلامي- المسيحي.
فمن موقعه الفاعل في الحوار المسيحي- الإسلامي، يشير طارق متري إلى الصعوبات التي واجهت هذا الحوار ولا تزال، حيث لم يكن يسيراً أن يبدّل المسيحيون نظرتهم إلى ذواتهم وإلى المسلمين، كما لم يكن سهلاً أن يضرب المسلمون صفحاً عن الماضي المليء بمشاعر الريبة والعداء تجاه المسيحيين، وأن يحلّوا تالياً الثقة محل الشك في نيات الكنائس حيالهم.
يلخص طارق متري مضمون الكتاب بالقول أنَّ هذا الكتاب مجموعة دراسات، يتناول بعض منها مسائل دقيقة جداً شغلت بال المسيحيين في المنطقة العربية، والمسلمين أيضاً في علاقتهم بهم.
لكن الكتاب يحاول القول أنَّ مصير المسيحيين في هذه المنطقة غير منفصل عن المسلمين، ويحاول كذلك النظر إلى المشكلات، كمشكلة هجرة المسيحيين في فلسطين والعراق ولبنان التي تكاد تكون مأسوية، لكنه ينظر إليها من دون تفجع أو خوف بل بعقلانية، لأنَّ الخوف والتفجع يستعجلان تحقيق ما نخاف منه.
يقول الكاتب في فصل بعنوان" الحضور المسيحي: أفول أم كسوف؟" إنَّه حتماً كسوف وليس أفول، التناقص في العدد ربما لا رجعة عنه.
لكن انحسار التأثير في المجتمعات العربية، أو تراجع قبول الغالبية واستدعائها لدور مسيحي عربي، أمر ممكن.
مخاوف المسيحيين وكيفية تصرفهم تبعاً لتلك المخاوف، هي أيضاً عملية متغيّرة. أعتقد بأنَّ الخوف يستعجل تحقيق ما نخافه، وأحمّل المسيحيين المسئولية، لكني قاسٍ، خصوصاً مع النخب المسيحية، التي ترهن مصائر المسيحيين بالسلطة، سواء كانوا شركاء فيها أم سلطة تحميهم.
يقول د.متري:" في مصر، مثلاً، أعرف بأنَّ ثمة مشكلة في العلاقة بين الأقباط والدولة، لكن ما يشغلني أكثر هو انحسار مساهمة الأقباط في قطاع السينما المصرية.
منذ ثلاثين سنة مثلاً كنت تقرأ أسماءهم في غالبية الأفلام المصرية، من المخرج إلى المصوّر إلى مهندس الصوت. بالنسبة إلي هو أمر مقلق، أكثر من المشاكل التي تعتري علاقة الكنيسة القبطية، كمؤسسة جامعة، مع الدولة المصرية.
كذلك الحال بالنسبة إلى الإقبال على الإبداع الأدبي، سواء في مصر أو في بعض البلدان العربية.
تتحمّل مسئولية ذلك النخب المسيحية جزئياً، بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية والتربوية التي تنتج تلك النّخب".
وقد قدم للكتاب المفكر اللبناني المعروف رضوان السيد بالقول: إنَّ دراسات الدكتور طارق متري المجموعة في هذا الكتاب، لا تأتي حساسيّتها ومسئوليّتها العالية من قراءاتها الاستطلاعية لمصائر المسيحيّين والمسيحية في المشرق وحسب، بل ومن فهمها العميق وغير المتفجّع للمتغيّرات الصاعقة التي نالت من المسيحيّين ومن المسلمين في هذه المنطقة من العالم، منطقة الوجود التاريخيّ الأوّل لأكثر المسيحيّات المعاصرة".
يرصد المؤلف عبر مجموعة من المقالات المتخصصة في أغلبها، حركة التعايش الإسلامي- المسيحي عبر قرون، ويستخلص منها منطلقات هادية لحل معضلات هذا التعايش في أيامنا هذه، على المستويين الإقليمي( المسلمون- مسيحيو الشرق) و( الإسلام والغرب - المسيحي)، أو حوار الحضارات وصراعها.
ومن الأمور المثيرة التي يتعرض لها المؤلف، مسألة الفكرة النمطية عن ارتفاع مقدار مساهمة الأرثوذكس في الحركة القومية العربية مطلع القرن الماضي والتقليل من مساهمة الموارنة فيها بل عدائهم لها، ويعطي أمثلة ملموسة تثبت عكس ذلك وعدم صحة هذا التقسيم النمطي.
" قواعد الحوار البناء"... تحت هذا العنوان يقول المؤلف:" إنَّ الحوار محاولة للوصول إلى مقاربة مشتركة للحقيقة. ووضع شروط للحوار وهي:
- النزاهة الفكرية، أي: الاطلاع المتبادل على تراث الآخر من مصادره.
- حذر الوقوع في فخ الكيل بمكيالين.
- أهمية تحرير الحوار من موازين القوى السياسية والعددية.
- التمييز بين الديني والسياسي.
وفي هذا الإطار، يقول المؤلف طارق متري:" شكل الموقف من المسيحيين العرب حلقة أساسية في توجهات المشروع الأصولي الصاعد، فربط المتطرفون الإسلاميون بين الغرب والمسيحيين، فصنّفوهم كتلة واحدة ووضعوهم في خانة العداء.
استعيدت فتاوى تستند إلى آيات الحرب في النص الديني، نزلت خلال الصراع مع الروم والفرس في المراحل الأولى من صعود الإسلام، وأعطيت هذه الفتاوى رهنية، كانت ترجمتها ممارسة عدائية ضد المسيحيين هدّدت مصيرهم الكياني في الوجود وعلى الصعيد الشخصي، مع إقرار الباحث بالأسباب الموضوعية لتراجع الدور المسيحي، إلا أنَّه يشير إلى أنَّ بعضاً من أجوبة الكنائس المسيحية تركز على تأكيد الانتماء والإحياء الديني وتوظيف المؤسسات الحديثة في الحفاظ على روابط الانتماء الطائفي وتوثيق عراه كوسيلة وحيدة لتماسك المسيحيين واستعادة دورهم".