عرض: إسحق إبراهيم
يحتفل العالم في 26 يونيه من كل عام باليوم العالمي لمناهضة التعذيب، وتأكيد الالتزام بمساندة ضحايا التعذيب، وأنه لا يمكن القبول أو السماح بارتكاب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لا سيما أن التعذيب واحدة من أبشع الجرائم التي تنتهك كرامة الإنسان وحقه في الحرية والأمان الشخصي، بل قد تعصف في بعض الأحيان بحق الإنسان في الحياة وهو أسمى وأقدس حقوق الإنسان على الإطلاق.
في هذا الصدد أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي حول التعذيب في مصر والتي أكدت أنه شهد تصاعداً داخل أقسام الشرطة ومقرات مباحث أمن الدولة والسجون واتسعت الظاهرة لتمتد وتصل إلى المواطنين غير المنتميين لأي حركات سياسية فقد كان سابقاً قصراً على السياسيين والنشطاء المعارضين، وإن هناك سياسة منهجيه للتعذيب بحيث أصبح أسلوباً معتمداً للتحقيق في القضايا الجنائية والسياسية على السواء بل أيضاً يستخدم كعقوبة للمواطنين الذين يحتجون على سوء المعاملة من الضباط أو صف الضباط.
يتناول التقرير بالرصد والتوثيق واقع جريمة التعذيب في مصر، فضلاً عن الحالات النموذجية التي تم رصدها للتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، وحالات الوفاة الناجمة عن التعذيب، وتوثيق هذه الحالات من خلال شهادات حية من أرض الواقع لضحايا التعذيب مقترنة بتوثيقها من خلال محاضر تحقيقات النيابة العامة والتقارير الطبية التي وثقت آثار الإصابات الناجمة عن التعذيب.
رصدت المنظمة المصرية في تقاريرها السنوية (619) حالة نموذجية لتعذيب المواطنين داخل أقسام الشرطة من بينها (177) حالة وفاة توافرت لدى المنظمة شكوك قوية حول الوفاة جاءت نتيجة التعذيب وسوء المعاملة ،وذلك خلال الفترة من 1993 وحتى يونيو 2008، أما عن العام الحالي فقد رصدت المنظمة المصرية (29) حالة لتعذيب المواطنين داخل أقسام الشرطة من بينها (10) حالات وفاة توافرت لدى المنظمة شكوك قوية حول أن الوفاة جاءت نتيجة التعذيب وسوء المعاملة بالاضافه إلى (9) حالات اضطهاد واحتجاز داخل أقسام الشرطة، وذلك خلال الفترة من 1/1/2008 حتى 1/6/2008.
والتعذيب لم يعد قاصراً على المتعقلين والمعارضين السياسيين، بل امتد ليشمل المواطنين العاديين، ومما يجعل التعذيب ظاهرة في المجتمع المصري، مجموعة من العوامل القا نونية والإجرائية والأمنية التي توفر بيئة خصبة لانتشار التعذيب، هذا بخلاف تقييد يد ضحايا التعذيب في تحريك دعاوهم عن طريق الإدعاء المباشر، فالمسلك الوحيد أمام هؤلاء الضحايا هو التعويض المدني.
تبدأ دراسة المنظمة المصرية "التعذيب جريمة ضد الإنسانية… أوقفوا التعذيب" بعرض الإطار التشريعي المنظم لجريمة التعذيب في مصر لا سيما أن العديد من المواثيق الدولية حرصت على محاربة تلك الجريمة حتى وصل الأمر إلى توقيع اتفاقية دولية لمناهضة التعذيب، فقد نص كلاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية واتفاقية مناهضه التعذيب العديد من النصوص التي اهتمت بجريمة التعذيب والحد منها وتجريمها، ومن هذه النصوص جاءت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه". وكذلك المادة الخامسة "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الحاطة بالكرامة". وكذلك المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية للأمم المتحدة في 16/ديسمبر 1966 "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للعقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المعاملة الحاطة بالكرامة". والمادة العاشرة "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة في الشخص الإنساني "أما على صعيد التشريع الداخلي فقد نص الدستور المصري في متن مادته 41 على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تُمَس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل لا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع ويصدر الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة وذلك وفقا لأحكام القانون ويحدد القانون مده الحبس الاحتياطي"، و ( 42) من الدستور "كل مواطن يُقبَض عليه أو يُحبَس أو تقيد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً كما لا يجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون وكل قول يثبت أنه صدر من مواطن تحت وطأة شيء مما تقدم أو التهديد بشيء منه يهدر ولا يعول"، والمادة ( 57) من الدستور "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم وتكفل الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء".
تعرض التقرير في الجزء الثاني إلى بيان الحالات التي رصدتها المنظمة من الوفاة والتعذيب والاحتجاز والاضطهاد وسوء المعاملة خلال الفترة من 1/1/2008 حتى 1/6/2008، فضلاً عن الأحكام التي تم رصدها في الفترة من يونيو 2007 حتى يونيو 2008 في حق مقترفي جرائم التعذيب، وعلى سبيل المثال تمت معاقبه ضابط وأمين شرطة بالحبس ثلاث سنوات في قضية عماد الكبير بتاريخ 5 نوفمبر 2007 إذ أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها في القضية المتهم فيها كلاً من "أسامة نبيه عبد السلام" ضابط مباحث بقسم بولاق الدكرور و"رضا فتحي السيد" أمين شرطة بقسم شرطة بولاق الدكرور لاتهامها بهتك عرض المواطن "عماد محمد علي" الشهير بعماد الكبير، وكذلك تصوير وقائع التعذيب عن طريق كاميرا موبايل.
وتناول التقرير القضية الأشهر والمتهم فيها كلاً من النقيب "محمد محمود" (معاون مباحث مركز شرطة المنصورة) أحمد عبد العظيم - ياسر المكاوي إسلام (مخبرين ) وشريف سعد شريف (غفير نظامي) والتي أصدرت محكمة جنايات المنصورة حكمها بتاريخ 27/11/2007 وذلك بالسجن المشدد 7 سنوات لكل من الضابط والمخبرين والسجن لمدة ثلاث سنوات للغفير مع العزل من الوظيفة لجميع المتهمين وجاء الحكم لاتهام المذكورين بتعذيب المواطن نصر أحمد عبد الله بضرب أفضى إلى موت. وتعود الوقائع إلى تاريخ 31/7/2007 حيث فوجئ المواطن / نصر أحمد عبد الله المقيم في قرية تلبانه التابعة لمركز المنصورة بقوة مكونة من ضابط واثنين مخبرين من أفراد الأمن بمركز شرطة المنصورة تقتحم منزل شقيقه وتقوم بالاعتداء على زوجته وبناته الخمس بالضرب والسب، وحينما سأل المجني عليه عن سبب ذلك الاعتداء فوجئ بوابل من الشتائم والسباب من قبل الضباط وقام الضابط محمد معوض بضربه بظهر الطبنجة على رأسه ورطمه في الحائط عدة مرات وتم شل حركته بتكتيف اليدين واستمر الضرب من قبل القوة المرافقة وعقب ذلك قاموا بسحله من أمام منزله حتى السيارة الميكروباص التي كانوا يستقلونها ثم اقتادوه إلى مركز الشرطة، وعقب ذلك تم العثور عليه تحت أحد ضباط المباحث حيث كان يسارع الموت وتم نقله إلى مستشفى الطوارئ بالمنصورة، وهناك قرر الأطباء أنه يعاني من نزيف بالمخ ويجب إجراء جراحة عاجلة ولكنه فارق الحياة بعد ساعة من وصوله المستشفى.
عرضت التقرير للحالات التي ذكرها وظروفها وملابسات الوفاة أو التعذيب الذي تعرضت له، ونعرض منها حالتين الأول وفاة تامر حامد خليل حيث قامت قوة من أمن القليوبية باستيقافه وسؤاله عن تحقيق هويته إلا أنه حدثت مشادة بينهما قام على أثرها المذكور بالهروب وذلك عقب مطاردته من قبل الضابط واثنان من المخبرين حيث قام بإلقاء نفسه في الرياح التوفيقي. وحسب ما ورد بأقوال أسرة المذكور أنها عقب ذلك قامت بالبحث عنه فلم تجده وقامت بتحرير محضر تغيب في قسم شرطة بنها بتاريخ 9/12/2007 وفوجئت بتاريخ 5/2/2008 باتصال تليفوني من قبل مفتش مباحث مركز بنها العام والذي أخبرهم بأنه تم العثور على جثه نجلهم في مياه الرياح وضرورة الحضور لاستلام الجثة من مشرحة بنها العام إلا أن الأسرة رفضت استلام الجثة، وقد أثير بداخلها شكوك قويه بأن الوفاة باتت نتيجة للتعذيب من قبل الضابط المذكور الذي قام بمطاردته لا سيما وإنهم وجدوا الجثة بكامل ملابسها وكانت واضحة المعالم، وعلى أثر تلك الشكوك قامت أسرة المذكور بتقديم بلاغ إلى النيابة العامة والتي قررت عرض الجثة على الطب الشرعي للوقوف على سبب الوفاة.
أما الحالة الثانية لواقعة تعذيب المواطن سمير حنين جرجس من محافظة القاهرة حيث ألقى القبض على المذكور بمعرفة قوة من قسم شرطة الشرابية على أثر حدوث مشاجرة جماعية وتم اقتياده إلى قسم شرطة الشرابية، حيث تم عرضه على النيابة بتاريخ 10/1/2008 والتي قامت بإخلاء سبيله وظل محتجزاً داخل قسم شرطه الشرابية. وبتاريخ 12/1/2008 تم اصطحابه إلى غرفة نائب المأمور بالقسم وبداخلها تم التعدي عليه بالضرب بالأيدي والإقدام بأماكن متفرقة بالجسم والضرب المبرح على منطقه الظهر وأسفل الظهر باستخدام حزام ميري (القايش) ذلك من قبل كلا من نائب المأمور وضابط يدعى محمد وأمين شرطة يدعى عمر وآخرين.
وطالبت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في توصياتها بضرورة التحقيق الفوري من قبل النيابة العامة في البلاغات المقدمة من الهيئات والأفراد عن الاعتداءات التي يتعرض لها المحتجزون في السجون وأماكن الاحتجاز فضلاً عن ضرورة التفتيش الدوري من قبل رجال النيابة العامة على أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز وضبط الأدوات المستخدمة في التعذيب ومحاسبة مستخدميها. وكذلك اتخاذ الإجراءات الجنائية العاجلة ضد المتهمين بارتكاب جرائم التعذيب والاحتجاز الغير قانوني وإحالتهم إلى المحاكمات الفورية، وضرورة قيام النيابة العامة بالتفتيش الدوري لأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز للتعرف على الأوضاع القانونية للمحتجزين، كما دعت المنظمة في تقريرها إلى الاعتراف بالمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والتعاون معها والتحقيق في جميع البلاغات المقدمة منها إلى السيد المستشار النائب العام والسيد اللواء وزير الداخلية وتزويدها بالمعلومات ونتائج التحقيقات، ووضع ظوابط ومقاييس محدده مراقبة أداء ضباط الشرطة وخاصة في إدارات المباحث وان تكون هذه المقاييس مستقلة عن مدى توصلهم للفاعل في الجرائم التي يقمون بالتحري بشأنها.