|
عرض -باسنت موسى
نحتاج في حياتنا أن نكون أطباء لأنفسنا، وبالطبع لا أقصد هنا بأن نصف لذواتنا علاج أمراضنا الجسدية وإنما أن نتفهم نفوسنا ودوافع سلوكياتها لتسير حياتنا بشكل أفضل، كتاب "عقلي وعقلك" محور عرضنا اليوم للراحل "سلامة موسى" به الكثير من الأفكار النفسية التي تستحق التأمل وتقدم لنا بسهولة عرض مبسط لمفاهيم نفسية معقدة.
"طبيعة التفكير"
التفكير البشري درجات بعض تلك الدرجات ما ينزل لمرتبة الحيوان، كالحركات الانعكاسية كما يحدث حين نسحب أيدينا بسرعة إذا اقتربت من النيران أو رجفة الجسم للصوت المفاجئ، يقول "بافلوف" أن كل تفكيرنا مهما أرتفع إنما هو حركات انعكاسية قد تكيفت بظروف جديدة بمعنى أن تفكيرنا يقوم على قواعد الحواس العشر التي نولد بها، فحواسنا كثيرة وليست قاصرة على النظر والسمع واللمس والشم والذوق فهناك على سبيل المثال الحاسة الجنسية التي يلتفت من خلالها الذكر للأنثى والعكس، وهناك حاسة الاتزان التي تجعلنا نسير باعتدال فلا نسقط ونحن في حالة المشي أو الوقوف، هناك أيضاً الحاسة التي تجعلنا على وجدان بأعضائنا الداخلية وتحسس حركتها ومعرفة الجوع والشبع والغثيان وما إلى ذلك من حالات، السبب في كوننا نجهل تلك الحواس هو أننا لم نحدد لها أسماء.
الانفعال يرتبط بشكل مباشر بالغرائز البيولوجية والعادات الاجتماعية التي تشبه الغرائز، نشاطنا وقت الانفعال الذاتي ينبع ويتفق مع إحساسنا فقط أما نشاطنا في الوجدان "التفكير" هو موضوعي أي من خلاله يخفت الإحساس أو يلغي وينتقل نشاطنا العقلي للموضوع الذي نحن في مواجهة معه لنفكر فيه في منطق ورؤية.
"طبيعة الذكاء"
المخ في الحيوان ينمو ليدبر لهذا الحيوان الخدمة في إشباع غرائزه وامتيازنا عن الحيوان هو الوجدان والمنطق، بل امتياز أحدنا على الآخر راجع لكيفية هذا الوجدان والمنطق والذي نسميه "ذكاء"، والذكاء هو القدرة على الانتفاع بالاختبارات بحيث يصبح الفرد قادر على استخراج المغزى من تلك الاختبارات والسلوك في ضوئها بالحياة، كما أن الذكاء هو القدرة على التفكير المجرد في العلاقات البشرية ومفاهيم كالمروءة والجمال والشهامة، الذكاء هو القدرة على زيادة القدرة مثال على ذلك إذا بدأت في دراسة الرياضيات يكون من الذكاء أن تستطيع زيادة فهمك لها بالدراسة، الذكاء هو القدرة على الملائمة بين الفرد والوسط الجديد الذي لم يتعوده وذلك يظهر في الكيفية التي يعالج بها الفرد الحالات الطارئة التي يقابلها في حياته.
كل أنواع الذكاء تلك مازالت في خدمة الغرائز حيث أن عواطفنا لم تتغير مثل عواطف الحيوان ولو نقصت في حدتها لأستطاع ذكاؤنا أن يتحرر ويسير وفق قواعد المنطق لكننا في شهوتنا للجنس الآخر والطعام والخوف والغضب لا نختلف عن الحيوان لذلك تسوقنا تلك العواطف وتخفت من ذكائنا وأحياناً تلغيه تماماً،تلك الناحية الغير إيجابية للعواطف تقابلها ناحية أخرى إيجابية وهي أنه لا قيمة للذكاء بلا عواطف تحركه وتنشطه والعبقري هو ثمرة الذكاء والإرادة العظيمة وذكاء بلا إرادة يركد ولا ينتفع به.
"اللغة والتفكير"
"واطسون" زعيم السلوكيين يرى أن التفكير هو كلمات غير منطوقة والكلام هو تفكير منطوق، والكلمات هي بعد كل هذا رموز كما أن النقود هي رمز للقوة الشرائية وكما تكون النقود زائفة أو ممسوحة كذلك تكون الكلمات فالإنسان حيوان لغوي وعلى حجم ارتقاء لغته بالكلمات الموضوعية الوجدانية يكون حال رقي تفكيره وسلوكه الاجتماعي بل أنه إلى حد ما وفي ظروف بعينها يمكن أن تكون اللغة مقياساً للذكاء وسبباً لأمراض نفسية عندما تحمل شحنات عاطفية قوية تكون كالسم في النفس وبالنهاية المتعصب الذي قد يتجه للقتل للتخلص ممن يخالفه في الدين إنما يفعل ذلك من أجل كلمات.
"العواطف المكظومة تلد العمل الفني"
الأدباء والشعراء والفنانون يختلفون في أساليبهم وأهدافهم ونحن نستفيد بما يؤلفون لنا دون أن نعرف دوافع استخدامهم لتلك المناهج والأساليب، المؤلف تحديداً في مجال الفن لا يؤلف إلا إذا وجد في حياته ما يحمله لأن يتخذ خطة دون أخرى وهدف دون آخر لذلك نحن عبر القصيدة والرسم واللحن والكتاب نتعرف على حياة المؤلف وتفاصيلها الخاصة وما لقاه من أفراح وأحزان وما نزل به من كوارث ومصادمات وشكل علاقاته الاجتماعية والعائلية وذلك لأنه عبر مؤلفاته ينقل للجمهور إحساساته لأنه يتخيل الخيال ويحلم الحلم الذي يسد ما يشعر به من نقائص في حقائق واقعه، هناك دوماً ارتباط بين حياة الكاتب وإبداعه الفني وأحياناً نجد كتاب يشاركون بفاعليه في الدفاع عن الحرية حتى نشعر بأنه خرج عن المألوف في دفاعه هذا عن تلك القيمة ،هذا المؤلف إنما في دفاعه عن حرية الشعب وكراهية الحاكم المستبد إنما يدافع في الوقت ذاته عن كراهيته للأب القاسي الذي عرفه في طفولته ولقواعد الوقار الذي قيدته وهو مراهق.
الفن هو تفريغ عن عواطف محتبسة ومكظومة ليس من الممكن تفريغها في الواقع مما يدفع بالمؤلف للتفريغ عنها في الخيال وهو إن لم يفعل ذلك لقام بتفريغ شحنته تلك في الخمر أو الجريمة أو الجنون، وفرويد قال "كلنا مرضى" أي أن لكل منا ما يكظمه ويحتبسه، فالحب على سبيل المثال هو ما يجعلنا نؤلف الشعر وإذا أحسسنا بالعجز في حياتنا الشخصية فأننا نتجه للتفوق الاجتماعي والفني ،لكن هذا التعمق السيكولوجي للفنانين والمؤلفين لا يمكننا نحن القراء أن نصل له إلا إذا استطاع هؤلاء المؤلفين أن يؤلفوا عن حياتهم الشخصية وللأسف فأن الترجمة الذاتية مازالت بعيدة عن الوجدان الأدبي.
"الضمير"
لابد لنا من التمييز بين الوجدان والضمير فالوجدان هو أن نجد أنفسنا نفكر ونحس وهذا الوجدان يؤدى إلى شيئين هما:
** التفكير القائم على اعتبارات منطقية موضوعية.
** الضمير أي المسئولية الاجتماعية واعتباراتها فالوجدان يؤدي إلى المنطق والضمير وإن كان المنطق تفكير محض لا تدخل فيه الاعتبارات الأخلاقية فإن الضمير تفكير اجتماعي تدخل به الاعتبارات الأخلاقية.
الضمير هو في كل الحالات صراع يضعف ويقوى بين عاطفتين أو أكثر من ذلك وحين نقول: رجل ليس له ضمير إنما بهذا القول نعني بأن غرائزه الانفرادية تغلبت على غرائزه الاجتماعية أي يراعي مصالحه الخاصة دون مراعاة مصالح المجتمع، الضمير مؤلف من ثلاث ذوات:
** الذات البيولوجية: ما ورثناه من الحيوانات كالطعام والأنثى والسيطرة، وعلى الرغم من تدني تلك الذوات إلا أن دوافعها أقوى الدوافع عندنا لكونها غرائز وشهوات.
** الذات الاجتماعية: تتألف من العادات والتقاليد والأفكار الاجتماعية التي نستخدمها لصالح الذات البيولوجية.
** الذات العليا: تتألف من الدين والأخلاق والمثاليات التي تدفعنا لإنكار بعض المباهج عن أنفسنا.
ضميرنا يتألف من كل تلك الذوات لكن الذات الأولى تتغلب على المجرم وتجعله أنانياً لا يكترث للمجتمع، أما الإنسان العادي فإن الذات الثانية تتغلب عليه فلا يتدنى سلوكياً أو يرتفع، الذات الثالثة تؤثر في صفوة الأمم، وبالنهاية وخز الضمير ما هو إلا الألم الذي نشعر به عندما يحدث صراع بين ذواتنا الثلاث.
|