بقلم / شفيق بطرس
كان عليَّ أن أقوم ببعض الأعمال الإشرافية على مجموعة من شبابنا القبطي الأمريكي بالولاية الواقعة شمال وسط أمريكا، حيث يكون الطقس في شهر يوليو من أبدع ما يكون على مستوى القارة الأمريكية كلها، ويكثر لذلك عدد المعسكرات في الغابات المنتشرة بطول وعرض الولاية وتمتلئ هذه الكامبات الصيفية بكل أنواع وألوان الخيم والموبيل هاوم والأتوبيسات المخصصة للرحلات والكامبات، لمحت من وسط هذه الرؤوس الشابة وجه يشع بالذكاء وعيون ضيقة حادة تنطق بالعبقرية المبكرة، وما يميزه بشرته السمراء الغريبة عن باقي أبناء وأحفاد أقباط أمريكا، هي سمرة النيل وأرض وأهرامات مصر سمرة تقول أنا قادم من أرض الفراعنة لتوي، شعرت بكل ذلك وتقدمت منه لأكسر وحدته وأشاركه المائدة الكبيرة التي جلس عليها وحيداً لعدم تفاعله مع باقي المجموعة، قلت له حمد لله على السلامة يا مصراوي الوجه، فقال وأزاي عرفت أني لسة جازى من مصر من أسبوع؟ قلت له طريقة سلامك بكل اليد وطريقة شدك على أيادي مَن يصافحك طريقة مصرية صميمة ولا يفعلها شاب مثلك في نفس عمرك هنا في أمريكا، قال أحترم في حضرتك أنك لماح وسريع البديهة، قلت ودي كمان تأكيد تاني لمصريتك وهي كلمة حضرتك دي.
عرفت منه أنه قد أنهى دراسته الإعدادية وفي سبتمبر القادم سيبدأ أول قطار الثانوي ويبدأ معه عامه السادس عشر، بصراحة وجدتها فرصة عمري أن أعرف ماذا يدور في أذهان شاب قبطي في هذه المرحلة العمرية، سألته: حاول تتذكر أول مرة قد شعرت فيها بأي تغيير في المعاملة من تجاه زملائك أو مدرسيك من الإخوة المسلمين؟ قال: لأن مدرستي مدرسة خاصة ولا يدخلها إلا أولاد الأغنياء فأن مستوى أدب وأخلاق التلاميذ ممتاز جداً ولم أشعر في طيلة المرحلة الابتدائية بأي تغيير ملحوظ من تجاه زملائي المسلمين فكلنا كنا أطفال أبرياء وفي مستوى عالي من التربية والأخلاق والمعيشة، ولكن ما أذكره في هذه المرحلة قصة مؤلمة وكانت أول مرة أشعر فيها بالغبن والضيق، باختصار كنّا في سنة سادسة إبتدائي، وكان فيه امتحان وأثنين من التلاميذ المسيحيين كانوا بيغشوا وضبطتهم المُدرسة وكانت مسلمة ومحجبة، المُدرسة المُحجبة أوقفت التلميذان وبدأت تؤنبهما بقولها: أنتم مسيحيين تستحلوا الغش ولا تحرموه، أما نحن المسلمين وأولادنا نحرم الغش وديننا يمنعنا عنه أم دينكم فيحل لكم الغش، بكى التلميذان بشدة من وجع الكلام وشعرت أنا وباقي التسعة تلاميذ من المسيحيين بالضيق وفهمنا لأول مرة إنه هناك كراهية لديننا المسيحي ونظرة دونية وتحقيرية من المسلمين لنا، شكى كل تلاميذ الفصل المسيحيين لأولياء أمورهم وعملنا مشكلة مع المُدرسة وكان من بين أولياء الأمور ضابطاً من الشرطة مسيحي واعتذرت إدارة المدرسة وتم نقل المُدرسة إلى فصل آخر وبالمناسبة كان عدد تلاميذ الفصل وقتها 25 تلميذاً ومنهم تسعة تلاميذ مسيحيون.
أما غير ذلك فلم أعرف أي تغيير في المعاملة من ناحية زملائي المسلمين، انتقلنا للمرحلة الإعدادية وكان أول العام الدراسي وطلب مدرس الألعاب من أحد الزملاء المسلمين أن يكوّن فريق للباسكيت بول وتقدم كل من أراد أن يلعب هذه اللعبة وكَوّن الكابتن زميلنا الفريق وتقدمت له وقلت أنا أعشق كرة السله وعايز أشارك مع فريق الفصل فقال لي لأ.. ماينفعش.. قلت له ليه أنا مش قصير ولا عندي عاهة. قال ولكن أكبر عاهة عندك أنك نصراني وأبويا قالي أن لا ألعب مع النصارى ولا أشاركهم أي شيء ولا أسمح لك أن تنجس الفريق وباقي أعضائه المسلمين، تعجبت وكنت أول مرة أعرف فيها أنني شيء نجس، الناس بتحذر أولادها مننا، وكمان باقي زملائي هايخافوا أننا ننجسهم، كلام أزعجني وهز محبتي لزملائي المسلمين، قلت له أنت بتتكلم جد ولا بتهزر؟ قالي ودي فيها هزار يا كابتن روح اعملك فريق من النصارى، فقمت للتو إلى المدرس المسئول وقصصت عليه كل القصة، لم يعترض المدرس ولم يواسيني أو يحايلني بكلمة حلوة تري خاطري لأني كنت مُحبط ومتضايق وبكيت أثناء الحديث مع مدرس الألعاب، رد عليَّ بقسوة وقال بص شوف دي ديمقراطية الفصل أنا أعطيت لزميلك كل الصلاحيات لتكوين الفريق ولا أتدخل في شغله ولا أستطيع أن أغيّر أفكاره ومعتقداته وهو حر دي كمان حرية شخصية طالما أنه لم يؤذيك ولا ضربك مثلاً، علمت في هذه المرحلة المبكرة أن أبلع غيظي وأن أشعر بالمهانة وأصمت وأن أستمع للقرآن والأحاديث الدينية الإسلامية في كل يوم وبالأخص في طابور الصباح وأن أصغي بكل أدب واحترام وأن لا أتحرك في أثناء تلاوة القرآن وأن أسمع منهم من يقول أولاد القردة والخنازير ويشتم ويسب في كل من لم يعتقد بدين الإسلام وتعودت أن أصمت وأبلع لساني وأبلع غيظي وأشعر إنني مواطن درجة ثالثة أو أقل و... وطال الحوار مع أبن الفراعنة ولنا بقية..