أطول نهار في السنة

21/06/2008 - 09:40:31 CEST


بقلم:  شفيق بطرس
في الواحد والعشرين من يونيه تحتفل الطبيعة بقمة الوصول لذروة النشوة والانتصار على الظلام والليل وكآبة العتمة، بالرغم ما في الليل من جمال وسحر وهدوء يجعل الشعراء والأدباء يحلقون في موجاته الرمادية ويغوصون بين طيات عباءته السوداء والمرصعة بأجمل اللآلئ والنجوم  ليخرجوا لنا أجمل كتاباتهم وأرق لوحاتهم، ولكن الطبيعة تقول أن الظلام غامض ومخيف ومُقبض ويتربص فيه الشر ويختفي ليقفز فوق أعناق الخير يقتله ويطيح به من طريقه، ولذا نستطيع القول أن للنهار والنور ما يميزه ويعلو من شأنه فالنهار والنور هو الوضوح والصراحة والنشاط، هو السعادة والانشراح والتمتع بكل ما في اليوم من متع وفسح ونزهات، يأتينا الصيف في هذا اليوم ليعلن للتلاميذ والطلبة بداية التمتع بالمصايف والبلاجات واللعب في الحدائق العامة أو حدائق منازلنا الخلفية، ومن هنا نقول أن أطول أيام العام نوراً وأطول نهار في السنة هو الذي يتمتع فيه الكون بأقصى الساعات المسموحة من الخالق العظيم بالنور والبهجة فاليوم 21 يونيو هو أطول  نهار في السنة، ويُقال أن مسار الشمس منذ بزوغ الفجر إلى أن تسحب آخر شعاع  لها من الأفق البنفسجي في لحظات الغروب سيكون مستقيماً وفي أقصر مسار لها في الاعتدال الربيعي في 21 مارس حيث يتساوى الليل مع النهار ويقتسما عدد ساعات اليوم وبعدها  يبدأ مسار الشروق والغروب للشمس في الانحراف شمالاً إلى أن يصل إلى أقصى نقطة ابتعاداً عن خط الاستواء في الانقلاب الصيفي 21 يونيو حيث تتعامد على خط السرطان ويكون فيها النهار أطول لأن مسار الشمس منذ لحظات الشروق إلى لحظات الغروب يأخذ منحنى أطول فتكون رحلة الشمس من الشروق إلى الغروب أطول على حسب دوران الأرض حولها وبذلك يكون أطول نهار في العام ويصل إلى 15 ساعة و45 دقيقة فوق القاهرة.

وتريد الطبيعة أن تعطنا درساً في أن نتمتع بالحياة ونتمتع بالنور ونسعد بقدر إمكاننا بهذه الدنيا التي نحياها رضينا أم أبينا، فقد تعرف هذا اليوم من أول نسمات الفجر الجميلة، ومن أول شعاع يخترق أستار الظلام ويهزم العتمة ويلون الأفق بلون رمادي يميل للبرتقالي رويداً رويداً، فيكون خروج الشمس من مكمنها الشرقي أقوى وكأنها في هذا اليوم تعلن أنها ستقوم بأطول رحلة لها طوال العام، وكأنها قد استعدت بكل فرح ونشوة لهذا اليوم الجميل الذي ستمتع فيه المسكونة بأقصى ما لديها من نور وضياء ونشاط يبهج البشر، تخرج شمس فجر هذا اليوم عفية متعافية قوية وكأنها مولود عملاق غير عادي قد وُلد لكي يقوى، ولد لكي ينتشي ويسعد المخلوقات، تعرف هذا اليوم من الشوارع والطرقات والطرق السريعة حيث تلاحظ اختفاء أتوبيسات المدارس  وتجدها قد سكنت جراجاتها مستريحة من طوال عناء وتعب مع التلاميذ والطلبة طوال العام الدراسي فتأخذ حقها هي الأخرى من الراحة والسكون حيث قد انتهت الدراسة في المدارس وأخذ الأطفال وقتاً أطول في النوم والراحة وكل ما يهمهم هو الاستمتاع بالأجازة بأقصى ما في إمكانهم، تنتعش الطيور وتطمئن على أفراخها فلا برد ولا ثلوج يجمد أجنحتهم الرقيقة ولا جفاف للأغصان ولا جوع فقد أخضرت وازدهرت كل الأشجار ولبست الروابي أجمل أثوابها وأنتشر الزهر والخير والحبوب في كل الأرجاء ليطعموا الأفراخ ويتمتعوا بأطول نهار في الصيف، تشعر المسكونة كلها بالفرح وتزغرد الأنهار وتتراقص الأمواج وتشكر الرب القدير على نعمه وأفضاله فهو لم يخلف ميعاد وهو لم يؤخر وقت فجر أو بزوغ شمس أو سطوع نجم، تشكر الطبيعة الصماء والتي بلا عقل خالق الكون المبدع، تشكر الطبيعة الصماء والتي بلا أحاسيس ولا مشاعر من خلق لها السحر والنور والجمال، ولكن دعنا نرى الإنسان والذي خلقه الخالق العظيم  كأحسن ما يكون وخلق له العقل والفكر والإرادة والاختيار، خلقه على أحسن وأبدع صورة وخلق له النور والدفء والسعادة ليتمتع بها، خلق لنا النور ولا نراه، خلق لنا السعادة ولا نشعر بها ولا نتمتع بكل لحظة من لحظاتها، خلق لنا النسمة الرقيقة المنعشة ونحن قد ملأناها بالدخان والتراب والشرار الخارج من فوهات المدافع والرشاشات والمسدسات، خلق لنا النقاء والصفاء ولكننا نملأ هذا بالأوبئة والأمراض والقذارة واللا مبالاة ونشكي مُر الشكوى بعدها من تلوث البيئة وتكدس الأدخنة وعوادم السيارات والمصانع في هواء سماء الطيور الملاصق للأرض، نملأ نقاء وروعة المسكونة بالأمراض والشر، نطبع فوق جباهنا تكشيرة لا تفارقنا نهاراً وليلاً.

نقطب الجبين ونصنع من حواجبنا أرقام ثمانية وثمانون في وجه الجار والابن والزوج والصديق وزميل الدراسة وزميل العمل، ننسى الحب والتسامح والصفاء النفسي ونلتزم بقوانين التعصب والكراهية والحقد والبغضاء ونبذ الآخر، نكره النهار والنور والبهجة ونخنق الضوء وننتظر عتمة الليل لنتربص بعضنا لبعض بالحقد القاتل والكراهية، نهجم على الضعيف ونقتل ونروع ونسحل ونجلد البسطاء بدون ذنب، نخطف بنات الناس ونجبرهن على الرذيلة والفجور وتضييع مستقبلهن، نقتل البريء وننشر الرعب والدم والحقد ونشعلها نيران لن تنطفئ، نؤجج اللهب كل يوم بعدم الالتزام بالعدالة والوقوف مع الجاني في وجه المجني عليه، تتستر جهات العدالة والأمن على القاتل والخاطف والظالم والمُغتصِب، نؤجج مشاعر الكراهية ونبذ الآخر بالخطب والمسلسلات والأفلام وجميع أبواق الإعلام المرئي والمقروء، نداء بالحب وبكل حب أن نتمتع بنشوة النهار وجمال النور ونعيش فيه لنتعلم النقاء والتسامح وننبذ التعصب والكراهية، دعوة لنتعلم من أطول  نهار في العام أن نكون في النور ونعيش في النور مادام لنا النور.

إطبع الصفحة اخبر صديقك عدد التعليقات: 1






























23 Jun 2008 - 16:17

8- الراسل : مصطفى قمر

دائما ما تشبعنا مقالاتك الجميله واسلوبك السلس المتدفق بالمتعه والجمال نذداد بك تعلقا يوما بعد يوم فعلا انت ساحر الريشه والقلم نشكرك على ابداعاتك التى تسعدنا والى المزيد

22 Jun 2008 - 15:48

7- الراسل : كاريكا

استاذ شفيق نتمنى ان كل مصرى يقرأ كلامك الحلو ده ونقدر كلنا نعيش النور والفرح والحب وننسى ظلام الليل والتعصب والحقد يارب

22 Jun 2008 - 14:09

6- الراسل : عبدالحليم

وبلدنا على الترعه بتغسل شعرها
جاها نهار ماقدرش يدفع مهرها
هوه ده نهار مصر من زمن صلاح جاهين
كان ومازال نهار صعب وحزين
وزاد تعب وحتى العيش مش لاقيين وعجبى
عايز أطلق على حضرتك لقب أستاذ الزمان الجميل لو تسمحلى ونشكرك على حلاوة مقالاتك الممتعه

22 Jun 2008 - 10:01

5- الراسل :

اخي شفيق حضرتك دائما بتشبعنا بمعومات وحقائق جميله الرب يسوع يبارك كل خطاك

22 Jun 2008 - 07:50

4- الراسل : دميانه

اجمل ايام العام هو الصيف لجميع الناس ونتمنى ان نتمتع بالسعاده الحقيقيه من رب المجد الذى يحل بسلامه على ربوع مصر كلها وياريت نتعلم من الطبيعه الحب والتسامح ونتعلم ان نرفض التعصب وعدم قبول الآخر وفعلا مفروض ان نحيا فى النور مادام لنا النور مقال مفيد وممتع يا عمدتنا

22 Jun 2008 - 07:45

3- الراسل : صافيناز

نداء بالحب وبكل حب أن نتمتع بنشوة النهار وجمال النور ونعيش فيه لنتعلم النقاء والتسامح وننبذ التعصب والكراهية، هذا كلامك الجميل ولكن مع وضع مصر الحالى والذى نراه فى كل العالم هل ممكن تحقيق هذه الأمنيه ؟ نتمنى ان يسمع احد ويتعلم الحب والسلام

22 Jun 2008 - 07:25

2- الراسل : إبن صابر

هذا المقال ينطبق على كاتبة الأن تتنفس هواء نقى بدون تلوث فتخرج كل ما فى جعبتك من معلومات قيمة ومفيدة.

21 Jun 2008 - 22:31

1- الراسل : مونا

اول مرة اعرف المعلومة دي ان يوم 21 يونيو اطول نهار في السنة معلومة جميلة ومفيدة كعادتك بتفيد كل قراءاك بمعلومات جديدة وكلمات ثرية عميقة بتلمس الروح والوجدان .
عموما دي حاجة جميلة ان النهار يكون طويل رمز الإشراق والحياة والحضور والسعاد والاستمرار عكس الليل رمز الكآبة والنهايات ووقت تجمع الأحزان
ربنا يجعل ايامنا كلها بلون وجمال النهار ودفء الشمس وإشراقها وحيوية الصباح .
انحنائي لقلمك الرشيق الماهر

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح