يونيه .. ذكريات لن تضيع

05/06/2008 - 08:40:20 CEST


بقلم: شفيق بطرس
كان الحر غير عادي، والهواء يقف في حلق السماء ولا يتحرك، كآبة غامضة وضيق لا مبرر له، بالرغم من أنَّ الجو صحو والسماء صافية زرقاء ولكن نوع من السواد والوجع كان يطبق على أنفاسي، هذا كل ما أذكره صباح 5 يونيه 67.
كنت قد تركت عمر الطفولة البريئة، بكل ما فيها من مرح وسعادة وانطلاق، وبدأت أدرك أنَّ هناك، في هذا الكون قوانين للعيب والحرام وغير اللائق والنواهي والممنوعات.
كرهت أن أترك عالم طفولة الأمس القريب، وأدخل في عالم آخر كله محاذير وتوقع هجوم من إبليس، عدو الخير في أي لحظة ليجرف الفكر والعقل والروح بعيداً عن الطريق المفروض والمقرر لي أن أسير فيه.
نصائح في البيت من أختي التي تكبرني بعشر سنوات، بعدم اللعب مع بنت الجيران الجميلة الدلوعة الشقية.
" إنت دلوقتي بقيت راجل"
تقولها أمي ذات البشرة البيضاء وكأنَّها بدر مستنير وسط سمراوات الصعيد، ولكنها بلهجتها الصعيدية القوية ترغب دائماَ في أن تصقلني وتنحتني كالتمثال.

" إنت لازم تعرف إنك دخلت عمر الشباب". ولكني كنت مراوغاً مناكفاً وعنيداً لا أقُنع بسهولة.
 وكان الموجه الآخر لي هو"أبويا  جوزيف" وهو شاب أسمر نحيف ذا عيون عسلية لا تتماشى مع سمرة بشرته، كان شعره كثيفاً أسوداً وناعماً، وكان يسرحه بطريقة عبد الحليم حافظ المطرب الشاب، الذي قفز على القمة بسرعة عجيبة ودخل قلوب الصبايا والشباب.
جوزيف هو ابن عم والدي، وتلقائياً هو في مكان عمي تماماً، لذا وجب علينا أن نناديه بلقب" أبويا  جوزيف" وهو تقليد الصعايده، فلا نقول عمي فلان بل نقول أبويا فلان، ومهما كان عمر العم أو من كان في مكان العم، يجب أن نناديه بلقب" أبويا  فلان".
كان" أبويا جوزيف"، أستاذي في مدارس الأحد، وكنت أتعلم منه حب الوطن وحب التاريخ وعظمة الفراعنة والأقباط  الثوار، وكان يخلط كل دروس مدارس الأحد بالتاريخ  القبطي، ومنه نمت محبتي لكل كتب التاريخ القبطي، وحب اقتنائها إلى الآن،  وحبنا لمصر بلدنا العظيمة التي تستحق أن نفتخر بها وبحضارتها.
كان" أبويا جوزيف" هذا، من أحسن من يصنع فورمات الأحذية الفخمة، وكان يعمل في محل  خاله، وبرغم  شهادته المتوسطة، إلا أنَّه كان واسع الإطلاع وكثير القراءة، اكتفى بالعمل في مصنع خاله الصغير، لصناعة الأحذية" العمولة" ولذا كان على الزبون أن يذهب للمحل، ليؤخذ مقاس قدمه، وليُتفق معه على نوع الجلد ونوع النعل والفورمة ونوع الحذاء، إن كان برباط  أو من نوع البنص، وكل شيء بثمنه. كنت تجد هناك النوع الرخيص العادي والمتوسط بالإضافة إلى الأنواع المفتخرة التي يقتنيها الأغنياء وكبار الأفندية والبهوات.
تذكرت البنص الأبيض الجديد الذي في قدمي، وهو من أفخر أنواع الأحذية ومن أجود الخامات وأغلاها وقد صنعه لي" أبويا جوزيف" مخصوص لأنَّه كان يرى فيَّ الأمل، في مستقبل العائلة، ليس لكوني مجتهداً في حفظ الألحان ودروس مدارس الأحد فقط، لكن لحبه الشديد لوالدي، ولأنه أيضاً كان مولعاً بانخراط والدي في سلك السياسة والترشيح للانتخابات وكان من أكبر المناصرين له، وكان يقوم بالدعاية المجانية وطبع الملصقات له، ويوزعها بنفسه، عندما يحين موعد ترشيح الاتحاد القومي، وبعدها الاتحاد الاشتراكي، وترشيحات مجلس المدينة.
 وكان أبي بدوره، يحظى بحب الناس له، وغالباًً ما يفوز في الانتخابات، فيحصل على أعلى ترشيح وأعلى أصوات.
كنت على الجسر المطل على الترعة الغربية، التي كانت تحتضن الغيطان وكان مكاني المفضل تحت شجرة الجميز العجوز، وقد صنعت لنفسي مقعداً من الحجارة وكأنه ملاذي أو صومعتي التي أتمتع بالانعزال فيها وحيداً وخصوصاً في ساعات العصرية ولحظات الغروب الساحرة.
 كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحاً، جلست مكتئباً، لم أكن أستمع حتى لزقزقة العصافير التي كانت تملأ الشجرة ولا إلى صوت اليمام الرخيم العميق الساحر.
سألت نفسي،  أين ذهبت المخلوقات حتى قفزات السمك الصغير التي كنت أتابعه وأراقب قفزاته الشقية، لم تعد موجودة، وموج الترعة قد سكن وكأنه يختبئ من شيء مزعج أو غدر مارد قد سيطر على الأفق وكتم على أنفاس مصر كلها.
فجأة، مرت فوق رأسي وعلى ارتفاع منخفض وواضح طائرات حربية مخيفة، ذات صوت غريب وأحمق، كأنها كرابيج تلسع ظهر مصر الطاهر، الأمر الذي لفت انتباهي، فهذه الطائرات المرعبة متجهة من الشمال إلى الجنوب.
" يا رب ما هذا؟"
" معقولة دي طائرات العدو الإسرائيلي؟"
" ولماذا هنا في قلب الصعيد؟"
" وكيف أفلتت من دفاعاتنا القوية؟"
" أين الظافر والقاهر؟" صواريخ عبد الناصر التي شاهدناها كلنا في العروض العسكرية".
" أين أسود عبد الحكيم عامر؟"
" أبن بلدنا وموضع فخرها والذي نفخر ببسالته وشجاعته حتى أنَّه نشر جيوشه من الشام إلى اليمن".
 كنت أفخر برؤية صوره بالزي العسكري المُهيب، والتي كانت تملأ المجلات والجرائد  الخاصة بوالدي، كنت أقول بلهجتي الصعيدية" يخليك يا  بوعامر".
" أين كل هؤلاء؟"
" كيف فلت الأوغاد من كل هذه البروج الحصينة؟"
تذكرت" أبويا جوزيف" الذي ودعني منذ شهور ونصحني بأن أكون عند وعدي له بأن لا أنسى دروسي  العلمية والدينية ومداومة الإطلاع والقراءة وخصوصاً كتب تاريخ مصر القبطية والأدب والشعر والفلسفة.
تذكرت يوم ودعناه على رصيف  محطة السكة الحديد الواقع في قلب مدينتنا الصغيرة في قلب الصعيد.
تذكرت يده القوية وهو يصافحنا عند  سماعنا لصفارة القطار معلنا تحركه.
تعلقت يد" أبويا جوزيف" في الهواء، يلوح بالوداع، وكانت آخر شيء رأيته في الأفق المُلبد بغبار المحطة ولم تفارق هذه الصورة مخيلتي.
 تذكرت كل هذا بمجرد رؤيتي للطائرات الحربية المخيفة، فتركت محرابي ومكاني المفضل على شاطئ الترعة، وانقبض قلبي وعدت للمنزل أفتح المذياع لأستمع إلى صوت العرب، وانطلق صوت أحمد سعيد، بشرى يعرب، وبدأنا نحصى عدد طائرات العدو المتساقطة.
وبعد ساعات، قال لي أبي:" عُد لقصة كليوباترة واقرأ أنباء النصر المزعوم وكذب أبواقها للشعب الجاهل بكل شيء، التاريخ قد أعاد نفسه يا ولدي، إنَّه النصر الكاذب، لقد انهزمنا وانكسرنا."
ومرت الشهور حزينة ولم يحضر" أبويا جوزيف"، استشهد، وفقدت أمه الحزينة بصرها ومات والده بحسرته وعاد ابن عمى الكبير ليقص علينا فظائع وهول ما حدث.
وتعاملت مع البنص الأبيض وكأنَّه جوهرةٌ قٌد اقتنيتها من يد الشهيد، واحتفظت به في علبة فاخرة ولم يمس الأرض بعدها، ولكنه قبع في علبته القطيفة، كأجمل هدية وأغلى تذكار من يده، التي صنعته لي بكل محبة، وأهدته إلي يوم نجاحي، إنَّه شهر يونيه، ولكل من عاش في ذاك الجيل ذكريات حزينة مؤلمة لن تضيع.    






























12 Jun 2008 - 01:50

14- الراسل : Coptic Rambo

Again, Everey Nation or People deserve the Government they have...LOL (If you do not stand up for youeself you will always have idiots and half brains AS YOUR RULERS ) Egyptians, you have nobody to blame but yourselves for past and current disasters. WAKE THE HELL UP

12 Jun 2008 - 01:49

13- الراسل : Coptic Rambo

Again, Everey Nation or People deserve the Government they have...LOL (If you do not stand up for youeself you will always have idiots and half brains AS YOUR RULERS ) Egyptians, you have nobody to blame but yourselves for past and current disasters. WAKE THE HELL UP

6 Jun 2008 - 21:28

12- الراسل : عاشت مصر

عاشت مصر مسلمة ومسيحيه حرة وتحية للمسلمين والاقباط الطيبين الذين اختلطت دماؤهم بدماء بعض فى سيناء 1973

6 Jun 2008 - 20:11

11- الراسل : بول المصرى

نكسة مبارك يااخويا شفيق اكبر بكثير من نكسة يونيو67 لانه جبلنا الاعراب لحد حدانااتملكوا كل حاجه فى البلدوالمال وثقافة البدواستعمرتنااكتر من استعمار اليهود لسيناء يريضك ياعمده؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

6 Jun 2008 - 18:37

10- الراسل :

You break my hesrt ;
which is already broken hundred of times because of what is happining to Egypt.
GOD bless you and GOD bless EGYPT

6 Jun 2008 - 09:19

9- الراسل : خفرع

الاعلام المصري خاصتا والعربي عامتا إعلام (((((( صحافي _ علوجي ))))) وكل حكام ووزراء إإعلام الوطن العربي عبارة عن ((((( محمد سعيد الصحاف ))))) الذي أسر الامريكان داخل دباباتهم في العراق !!! وفي النهاية طلع عميل أمريكي !!!! وهذا الصحاف هو تلميذ نجيب لمذيع نكسة 1967 وأخيرا ((((( .... ... لا تتنحي يا عبد الناصر ))))))

6 Jun 2008 - 05:59

8- الراسل : الزفتاوى

ياه ذكريات صعبه يابا العمده شفيق بس تصدق بقى كانت ايام خير وحب وتسامح وصدق اللى قال نكسة مبارك بألف نكسه زى 67 وازفت

6 Jun 2008 - 05:56

7- الراسل : سامى وليم

لم نعرف فى الصعيد زمان التعصب الخليجى البدوى اللى جانا فى عهد المقحوم السادات وكان عندنا فى كل مدينه اكتر من النص نواب اقباط ومجالس القريه والمدينه والمحافظه وفى سنين مبارك السوده عرفنا السواد والحقد والكراهيه وما حدش بيتعب نفسه قبطى ويترشح كان زمان فى ايام الخير خليكم عيشوا فى الشر الكراهيه لما تموتوا جعانيين وخلى الوهابيه تنفعكم

6 Jun 2008 - 05:50

6- الراسل : عبد الشهيد

شهدائنا يتمتعون بالنور الألهى وهم بالروح فرحين فى حضرة الرب فى الفردوس لا يزوجون ولا يتزوجون سيبنهالكم الجنه بنجاستها بملايين الحور تتزوجوهم وبقدرة قادر يصيروا عذارى من جديد جنة الجنس والعسل والشهوه ليست جنتنا ياسيدى ولا نريد لقب شهيد الحوريات سنتركه لكم تتهنوا به

6 Jun 2008 - 05:06

5- الراسل : جوزيف!!!

منين إسمه جوزيف، و منين اتشهد؟ قصدك مات؟

6 Jun 2008 - 02:35

4- الراسل : رؤوف رياض

اتذكر وقد كنت صغير وقتها كل الاصدقاء والجيران وشعب الكنيسة الذين ذهب اولادهم او ازواجهم او اولياء امورهم ولم يعودوا ولم يتقرر امرهم فهم لم يعودوا بعد انتهاء الحرب ولا احد يعرف ان كانوا احياء او اموات وظلوا علي هذا الحال سنين وحتي الان حالتهم مفقودين في الحرب. طبعا لو كانوا من المسلمين تلاقيهم دلوقت قاعدين علي الاريكة في الظل ولابسين حرير وحور العين نازلين خناق وشد شعر بعض علي من علية الدور والغلمان المخلدون ماشين مقنبرين وحالة من السكر والعربدة ما يعلمش بها الا اللة, لكن لو كانوا من الاقباط فهم قد صاروا مثل ملائكة اللة لايزوجون ولايتزوجون في السماء.

6 Jun 2008 - 02:15

3- الراسل : كاريكا

فين ايام احترام الشباب للعم ولكبار العائله ايام كانت كلها خير راحت وراح الخير والحب معاها خساره ياريت الأ يام دى ترجع ويرجع السلام لمصر والخير من جديد

6 Jun 2008 - 02:12

2- الراسل : قبطى للنخاع

مفروض يعرف المسلمين ان المسيحى مواطن يدافع عن بلاده زيه واكتر ويستشهد وبيروى بدمائه الذكيه ارض مصر الغاليه افتكروا الذكريات دى واتكسف يا محافظ ويا بتوع امن الدوله

5 Jun 2008 - 23:31

1- الراسل : بطرس النمس

البقية ف حياتك يا عمدة وخسارة دماء العم جوزيف لأجل الدفاع عن شوية بلطجية ..وبلطجية كانوا وبلطجية ظلوا وبالبلطجة عايشين سيان مفروضة بأسم دين أو منهج في إثبات عجزهم الدفين علي التعايش في حب وود متين...

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح