لحظات الغروب

15/05/2008 - 08:46:00 CEST


بقلم: شفيق بطرس
جلست على الشاطئ الفضي المعروف بأنه من أنظف وأنعم شواطئ الساحل الأمريكي المطلة على خليج المكسيك، كان الوقت يقترب من أجمل لحظات أعيشها كل يوم أو كلما أستطعت لا أفوتها، وهي لحظة الغروب. فما أجملها من لحظة! وخصوصاً لو كان الغروب على شاطئ بحر أو محيط أو خليج مثل خليج المكسيك، نسمات العصرية من أرق نسمات اليوم بأكمله وكأن الطبيعة تهمس في أذن البحر وتنفخ فيه بنسمة عاشقة كما ينفخ العاشق في أذن عشيقته مداعباً إياها بكلمات الغزل الرقيقة والحب الساخن، كأن الطبيعة تداعب البحر وتطبع قبلة وداع على جبين كل موجة تتهادى وتتراقص في سيمفونية ساحرة لا مثيل لها ولا يتجرأ أكبر رسام أو أقوى مخرج أوركيسترالي أن يجسدها، هذه اللحظات التي ولِدَت للعشاق لكي يعيشوها ويستقوا من جمالها الخلاب هذه اللحظات قد ولِدَت للشعراء لكي يستقوا منها المعاني والإبداع الشعري الرقيق، ولِدَت للرسامين لكي يغمسوا فيها فرشاتهم ويتعلمون من الخالق العظيم ومن الطبيعة الساحرة كيف يتناغم اللون الأحمر مع اللون الأزرق ويتدرج اللون البرتقالي مع اللون البنفسجي وينعكس كل وميض اللحظة الشاعرية على كل نقطة من مياه الخليج، وكأنها تحزم كل موجة بحزام بنفسجي رقيق ساحر يفعل مفعوله في كيان الموجة الرقيقة فتتجاوب وتتمايل بعذوبة ما بعدها عذوبه وتصنع مع باقي الأمواج أبدع لوحة لأبدع حفلة وداع لهذا المارد المشتعل الشمس وكأن البحر يريد أن يغسلها من كل تعب النهار ويكافئها بهذه الحفلة الساحرة نظير ما أعطت للبشر والحيوانات والطيور والنباتات وجميع المخلوقات وكل ما في المسكونة من طاقة ودفء وحرارة ونضج وحياة لجميع الكائنات وتطهير ونقاء من كل ما هو ضار، بعد كل هذا العناء، من حقك أيها المارد البرتقالي المبدع أن تغتسل من أوجاع وتعب وهموم كل النهار وتغسل معك أتعاب البشر وتغطس بها في عمق الأفق الرمادي وكأنك تقبل توبتهم وتغسل وجعهم وتجدد لهم مشاعرهم لتتولد بداخل شعراء وفنانين الكون طاقات الإبداع، وتنفتح في لحظات الوداع اليومية كل قنوات الاتصال بين أدباء ورسامين وموسيقيين وبين شيطان الوحي وسلطان الجمال والرقة والخلق والإبداع، تدمع عيون المرضى مع لحظات الوداع وكأنهم يريدون أن يودعون الألم ويغتسلون مع بنفسجية الأفق الساحرة وينقون أنفسهم العليلة والتي ترنوا إلى لحظات الشفاء، تدمع عيون هذه العجوز والتي تجلس بمفردها تنتظر هذه اللحيظات وتتذكر معها وداع حبيب قد سبق ورحل عنها، تتذكر كل ما فاتها من أيام وذكرياتها مع زوج أو عشيق أو أولاد وهي الآن جلست وحيدة مع ذكرياتها تجترها وتتابعها في عقلها وكأنها تريد لحظة لها تنتهي فيها من هذه الآلام وتودع أوجاع الذكريات ونيران الوحدة كما ودع العملاق البرتقالي يومه وأنهى رحلة سفره وغطس في أكفان رمادية تتماوج مع أمواج البحر الذي غلب عليه لون الحزن والعتمه، يمسك العاشق المحطم الفؤاد وردته التي مزقت أنامله بأشواكها ولم يجد رفيقة عمره وعشيقته وحبيبة قلبه وهي بعيدة كل البُعد عنه، وقد جلس يتابع لحيظات الغروب الساحرة ويشكو وحدته وقسوة الزمان على قلبه المحطم الوحيد، يرمي العاشق وردته القرمزية والتي فقدت بريقها وفقدت زهوتها بفقدان شمس النهار، يقذف بها لتحتضنا أمواج البحر الرمادية وتسكب لها كل مشاعر العاشق الكسير وتحكي لها قصته ومرار وحدته وحكم زمانه بالبعد عن عشيقته، تختلف الأحاسيس ويختلف رد فعل كل هؤلاء تجاه هذا الحدث الساحر والذي يتكرر كل غروب، ويقبض الحبيب على أيدي حبيبته ويهما بالرحيل إلى ليلة دافئة يتبادلا فيها الحب والحنان ليغلبهما النُعاس وتشرق عليهما الشمس من جديد لتصنع لهما أياماً وعمراً وأحداثاً تتكرر وتكون ذكريات تتفجر في مستقبلهما مع لحظات الغروب.

إطبع الصفحة اخبر صديقك عدد التعليقات: 6






























16 May 2008 - 15:18

7- الراسل : بطرس النمس

أهل الهوي يا ليل......................

16 May 2008 - 13:28

6- الراسل : Madoona

أبدعت يا فناننا المحبوب كالعادة بريشتك الساحرة التى لا يستعصى عليها أمر . ورسمت أجمل لوحة لغروب جميلة الجميلات الملكة المتوجة شمس الوجود . وسلبت عقولنا وقلوبنا لعالم حالم كل ما به جميل ورقيق وعذب يعكس تلك المشاعر الفياضة المرهفة والأحاسيس الجياشة . والعيون الجميلة التى ترى ما لا يراه الآخرين ويمكنها إستخلاص الجمال من أى موقف من أى حادثة . أو أى منظر عابر لم يلفت نظر الآخرين ولو من شيئ ليس ذو قيمة أو منفر تستطيع تلك العيون الفنانة أن تراه حتى وهو خلف الستار أو فى الخيال .
من الرائع ومن الصعب أيضاً أن يستطيع المرء التعبير عما يدور بداخله أو حوله . ليخرج لنا فناً متميزاً ينعش به حياة الآخرين ويتعلم منه الكثيرين فلا شك أنها نعمة إلهية لا يحظى بها الكثير من الناس . ويجاهد الكثيرين من أجل الوصول إليها ولا يستطيعون . فشكراً لفناننا الجميل شفيق بطرس على إبداعاته الفنية المتنوعة .

16 May 2008 - 11:30

5- الراسل : مرقس سيدهم

تابعت المقال منتظراً أن يتكلم الكاتب عن نهاية الحياة والإنتقال للسماء وأن حياة الإنسان أشبار ، واننا سنترك الأرض والوطن الأرضى ونذهب لوطننا الأبدى ، وأن ماذا فعلنا لندخره للحياة الأبدية فى الوطن الأبدى ، وهل الوطن الأرضى الزائل يشغلنا عن ميراث الملكوت ، إلخ إلخ

16 May 2008 - 09:39

4- الراسل : البير ثابت

الأستاذ / شفيق .. كلماتك وتعبيراتك ومشاعرك رقيقة ، فأنت فنان عظيم وموهوب .. بعد قراءة مقالتك تذكرت ، كما كانت روعة وجمال لحظات غروب الشمس في مدينة الاسكندرية ، لسنوات طويلة وعقب تخرجي من الجامعة كنت أجلس على شاطئ الاسكندرية ، أتأمل تلك الطبيعة الساحرة مع تلاحق الأفكار والخواطر والذكريات ، في انتظار لحظات قرص الشمس وهو يغوص فى مياه البحر معلناً الغروب، وتصطدم مياه البحر الثائرة بصخور الشاطئ فى عنف صاخب وكأنها تحتفل بهما ، يعقبها لحظات وتعلن أن النهار أخذ يودع ليحل المساء محله .

16 May 2008 - 08:16

3- الراسل : المهندس نبيل المقدس

الأخ المبدع شفيق بطرس
سوف أعيد كلامك الجميل الذي جعلني ابكي علي أيام مصر ومصايف مصر زمان [جلست على الشاطئ اللي كان ذهبي والذي كان معروف بأنه من أنظف وأنعم شواطئ الأسكندرية المطلة على حوض الأبيض المتوسط، كان الوقت يقترب من أجمل لحظات أعيشها كل يوم أو كلما أستطعت لا أفوتها، وهي لحظة الغروب. فما أجملها من لحظة! وخصوصاً لو كان الغروب على شاطئ بحر المتوسط، نسمات العصرية من أسود نسمات اليوم بأكمله وكأن الطبيعة تهمس في أذن البحر وتنفخ فيه بنسمة كره كما ينفخ الكاره في أذن مكروهته مداعباً إياها بكلمات الهم الرقيقة والمعارك الساخنة، كأن الطبيعة تداعب البحر وتطبع قبلة الغدر على جبين كل موجة تتهادى وتتراقص في سيمفونية مكتومة لا مثيل لها ولا يتجرأ أكبر رسام أو أقوى مخرج أوركيسترالي أن يجسدها، هذه اللحظات التي ولِدَت للكارهين لكي يعيشوها ويستقوا من قبحها الخلاب هذه اللحظات قد ولِدَت للشعراء لكي يستقوا منها المعاني والإبداع الشعري المفروض انه رقيق، ولِدَت للرسامين لكي يغمسوا فيها فرشاتهم ويتعلمون من الخالق العظيم ومن الطبيعة الساحرة كيف يتناغم اللون الأحمر مع اللون الأزرق ويتدرج اللون البرتقالي مع اللون البنفسجي وينعكس ] منين يا حسرة .... هذه هي شواطئنا اليوم .
أفتخر دائما بكم عنمدا أشاهد فنك الدقيق المرهف. ولعلم سيادتكم أنا أول شيء أشاهده في هذا الموقع رسوماتك , لكي أويح كل هم وغم طول يومي. ربنا يباركك ويستخدم فنك في رفع إسم الرب عاليا.
أتأسف لتشويه كلماتك وأعذرني !!!!!

16 May 2008 - 04:58

2- الراسل : to copts

وصف رائع جميل لفنان متعدد المواهب.

16 May 2008 - 00:30

1- الراسل : شريف منصور

قلمك ريشة ترسم الوان وكلمات تضيء في قلب الانسان
جعلت من الغروب شروق في قلب التعبان
ورسمت برشاقة ابتسامة علي وجهي مع أني في هموم الوطن غرقان
وجعلت من الغروب نهايه ليوم شاق واقترابا ليوم جديد فيه اشراقة آمل من بعيد
اخي شفيق لو لم تكن موجودا لوجب علينا اختراعك لاننا في اشد الحاجة لمن يذكرنا مثلك اننا مازلنا بشر واحياء.

الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح