بقلم / باسنت موسى
منذ أيام قليلة أعلنت الداخلية عن إلقاء القبض على "سفاح المعادي" الذي ظل طوال أربعة عشر شهر مختفي عن أعين وتحريات رجال الأمن، حيث لا يظهر الحديث عن"السفاح" في وسائل الإعلام إلا عندما تصاب سيدة بجرح من مجهول في أعضاء حساسة في جسدها لتؤكد بصمات الجرح أن مرتكبه إنسان مريض نفسياً لأنه لا يهدف من إيذاء الضحية السرقة أو الحصول على منفعة مادية كانت وإنما فقط رؤيتها تتعذب مشوهة الأعضاء التي تبرز أنوثتها بشكل أو بأخر.
قامت جريدة"الجمهورية" في عددها الأسبوعي بزيارة أسرة ذلك السفاح الشاب الذي يقطن في حي"الشرابية" بأحد أكثر المناطق شعبية هناك والجميع أكد لمحرري"الجمهورية" أن ذلك الشاب هاديء الطباع لم يسبق له التحرش ولو لفظياً بسيدة في منطقة سكنه يصلي ويصوم ويعمل في محل لتصفيف الشعر للرجال بأحد الأماكن بحي"الدقي" الراقي ويحصل من عمله هذا على ما يقرب من عشرون جنية يومياً غير الإكراميات الخاصة من الزبائن أي أنه ووفق تقييمهم"ولد مبسوط وغلبان".
ولهذا فمن غير المتوقع بالنسبة لهم ووفق المفردات التي لمسوها بأنفسهم أن يقوم هذا الشاب بالأفعال القبيحة التي أتي بها لذلك هم يعتقدون أن السفاح المقبوض عليه ما هو إلا كبش فداء لأخر لا يستطيع الأمن إلقاء القبض عليه لذلك تم البحث والتنقيب عن شاب ضعيف لتحقيق انتصار أمام المجتمع.
قد يكون انطباعهم سليم فكل التصورات وارد جداً أن تكون سليمة خاصة وأن الأمن كجهاز في الفترة الأخيرة أصبح يكثر من المظاهر التي تؤكد أنه ينظر لعقول الناس في مصر على أنها عقول "للزينة" على اعتبار أن أصحابها ليستخدمونها للتفكير وبالتالي يمكن أن يصدقوا القصص الأمنية التي روجت في الماضي القريب لخزعبلات من قبيل أن مختل نفسياً يقتل ويمثل بجثث أفراد عائلة كاملة وبعد سنوات يظهر أن ذلك المختل ليس مختل أو مجرم بل أنه غير قادر على قتل ذبابة!!أو أن شاب أخر ضعيف البنية يذبح فتاة ويقتل الأخرى بطعنات متفرقة في جسدها ثم يجلس هاديء الأعصاب"ليشفي بمزاج عالي"كالجزار الضحيتين.
ما أثار انتباهي فيما ذكره محرري"الجمهورية" هو حديث "أسمهان حنفي" جده الشاب الحاصل أمنياً على لقب"سفاح" حيث قالت أن حفيدها لا يعرف سوى المشايخ ولا يضع على باب دولابه إلا صورهم.....بعد أن ذكرت الجدة ذلك تحولت كل انطباعاتي الأولية المائلة إلى أن تكون قصة ذلك الشاب شبيهه بغيره من قصص الخيال العلمي التي تصدر لتفسير كل حادثة كبيرة مجموعة عوامل خائبة غير مترابطة.
أصبحت أميل إلى أن هذا الشاب ربما يكون فعلياً هو"سفاح المعادي" لماذا لا؟ فقدوته في الحياة الذين يحتلون دولابه ويرى سحنتهم بمجرد أن تتفتح عينيه على يوم جديد هم"المشايخ" رجال الدين الذين يحرمون ويكفرون بأفواههم الغير نظيفة العباد ليحللوا الاعتداء الجنسي على السافرات بمنظورهم ويحللوا سرقة أموال الكافرين وما شابة ذلك من أمور متدنية حقيرة تأخذ الطبيعة الإنسانية التي قد تكون في جانب منها إيجابية بالفطرة إلى أسفل وأظن أن هذا الشاب الذي يعاني حرمان عاطفي ومادي من ضحايا هؤلاء المشايخ الغير أجلاء فنزل للشارع لينفذ ما يسمعه ويظن أنه الصواب بل أنه ربما يكون شعر في داخله أن الله سيكافئه على أفعاله القبيحة فالكثير من رجال الدين يصوروا الله على أن رمز للقبح والتدمير وليس للحب والتسامح والقبول والحرية.
الأهالي يسعدون في كثير من الأحيان بتدين أبنائهم المفاجيء حيث صور الرموز الدينية وكتب الصلوات تملأ أجواء حياة أبنائهم بل والكارثي بحق أنهم- أي الأهالي- قد يشعرون أن الارتماء داخل حضن"الدين"إنما هو الحماية المثلي للأبناء وحقيقة الأمر ليست كذلك،فالتدين بمعناه المعروف في مجتمعنا مدعاه للقلق ومؤشر خطير على أن هناك خلل ما بالشخصية ينبغي الوقوف عليه لتصحيحه ليس فقط من مؤسسات المجتمع المختلفة وإنما من الأهل أيضاً فليس كل صلاة أو شكل ديني يؤدى للسماء أو الرقي الأخلاقي فتلك المظاهر تدفع أكثر لأن يكون صاحبها"سفاح" أو "قاتل" أو "منافق" بأمر من نظن المعرفة به"الله".