بقلم- مجدي ملاك
إذا أردت أن تصف ما تمر به مصر في الفترة الحالية من أحداث، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فكيف لك أن تصفها ؟
هذا ما أصبح البعض يحاول أن يتأمل فيه، وهذا ما كتب عنه الأستاذ نبيل عبد الفتاح في مقال له بجريدة الأهرام يوم الخميس، حيث ساق في مقدمة مقاله محاولة للتصنيف ما بين" حالة توتر دينية، أو فتنة طائفية، أو أزمة اندماج قومي أو ما أسماه في النهاية أزمة دينية، ولكن السؤال الذي نحاول أن نطرحه نحن في هذا السياق هو، أيهما أهم، توصيف الحالة |أم البحث عن حل لها ؟
على أي حال، طرح الأستاذ نبيل عبد الفتاح في بداية مقاله صيغة توافقية لكل من المصطلحات وعكف على تفنيد محتواها وربما معناها الحقيقي أو العلمي وذكر في هذا الشأن" أنَّ وصف التوتر الديني مستمد من اللغة النفسية".
ومن ثم أشار إلى عدم الاستقرار النفسي وإثارة الإحساس بالقلق' الفردي والجماعي، ولا يعني البعد النفسي الداخلي نفس البعد السوسيو- نفسي والمادي ومن ثم انتقال التوتر من البنية النفسية" الفردية" والأخرى الشخصية- والجماعية إلى أشكال سلوكية أو لغوية تتمثل في العنف اللغوي والعنف الخطابي من حيث سيادة ألفاظ متفجرة أو لغة نافية للآخر الديني أو تحقير من شأنه أو نسب إليه صفات سلبية وقدحية أو تحويله إلى شيطان رجيم موشوم بالخطايا إلى آخر هذا النمط من العنف الخطابي أو اللغوي،سواء ظهر في خطابات العوام أو بعض رجال الدين.
وأضاف، أنَّ التوتر في مراحله الأولى، يكون تحت إمكانية السيطرة والتوجيه عبر آليات عديدة عبر حل مصادر إنتاجه أو يتحول بعدئذ إلى عنف لغوي أو خطابي ثم إلى أشكال من العنف المادي، كالاعتداء على الأفراد أو الممتلكات أو دور العبادة أو رجال الدين، إلى آخر هذا النمط من العنف ذا الوجه الديني.
ثم تطرق الأستاذ نبيل إلى مصطلح الفتنة الطائفية حيث قال أنَّ مصطلح طائفة وطائفي يفترض وجود جماعية عرقية- دينية تنضوي تحت نطاق بنية هيراكية ونمط علاقات شبه إقطاعي وإيديولوجيا تدور حول الطائفة- العرق وتاريخها ودورها وبنية هيراكية ونمط علاقات داخلية ينطوي على التعاضد والتضامن والاندماج الداخلي والتعامل شبه الجماعي مع الطوائف أو الجماعات الأخرى على أساس المحاصصة الطائفية في إطار نظام للتمثيل الطائفي علي النمط اللبناني.
وغالباً ما تكون الطائفة جزءاً من خريطة جيو- طائفية على نمط الوجود الماروني والدرزي في جبل لبنان والشيعة في الجنوب والبقاع الأوسط وضاحية بيروت الجنوبية والسنة في طرابلس وبيروت.
واختتم نبيل عبد الفتاح مقاله بالقول أنَّ تحويل التوتر الديني الإسلامي المسيحي بين المصريين إلى مسألة طائفية- وهو أمر قريب وخطير- لن يجدي نفعاً، وساعتها لن تجدي تظاهرات بعضهم هنا أو في المهجر ولن تجدي خطابات المجاملة"والفتنة" نائمة لعن الله من أيقظها! الفتنة صناعة اجتماعية وسياسية ومذهبية ويجب التصدي لها عند الجذور والأهم من خلال المواطنة الكاملة والمعالجة الحقوقية وفرض قانون الدولة علي جميع المخاطبين بأحكامه دون استثناء وبعزم سياسي وحسم أمني رادع بحياد ونزاهة وإنصاف، حتى يعرف الجميع أنَّ رجال الدين أيا كانوا يطالهم القانون حال خروجهم علي أحكامه وأنَّ قانون القوة للأكثرية التعددية- الذي شاع كنتاج للتراخي والخلط بين المفاهيم الحديثة والتقليدية والأعراف والتأويلات المغلوطة- لن يسري بعد اليوم لأنَّ السيادة للدولة وقانونها الحديث.
وأنَّ ثمة حاجة موضوعية وتاريخية الآن، لتطبيق المادة الأولى من الدستور وإعمال مبادئ دولة المواطنة والمواطنين، والأهم تجديد النظم القانونية لرفع أي تمييز بين المواطنين علي أي أسس، تمييز يفرق بينهم ويشرخ الأمة المصرية الواحدة الموحدة وسلامتها ووحدتها التي يحاول بعضهم شقها على أساس ديني وعرقي.
إنها ساعة للعمل والحسم والردع باسم سيادة قانون الدولة واستقلال القضاء والمواطنة الكاملة.
ولا أكاد أختلف مع الأستاذ نبيل في كل ما طرحه من أمور خاصة ما جاء في الجزء الأخير المتعلق بتطبيق المادة الأولى من الدستور المصري وهي المتعلقة بالمواطنة، ولكن تعليقي الوحيد هو أنَّ المسألة في الحقيقة لا تتعلق فقط بإعمال تطبيق المادة الأولى من الدستور وهو ما سبق وأن كتبت فيه من قبل، وقبل إقرار المادة الأولى من الدستور، وهو أننا نحتاج إلى تغيير ثقافي جذري في المفاهيم الجيو ثقافية التي توارثتها الأجيال المصرية في عصور يمكن أن أطلق عليها عصور الظلام الثقافي، وانتشار المد الجيو راديكالي بين أفراد الأمة المصرية، وهذه النزعة هي ما جعلت من القانون بمفرده أداة كافية لتحقيق العدل والتعايش الحقيقي بين المواطنين.
فنعم للقانون أهمية كبيرة، ولكن إن لم يوازي تطبيق القانون، ثقافة حقيقية لتقبل الاختلاف والحياة مع الآخر، لن تجدي المادة الأولى من الدستور ولا أي قانون آخر، والدليل على ذلك الأحداث الطائفية أو كما شئت تسميها في الفترة الأخيرة، والسبب الحقيقي لهذا، ليس تطبيق القانون ولكن ثقافة التكبر، أو ما يمكن تسميته باللغة الانجليزية- وهو مصطلح أدق في هذه الحالة، الشعور بـ " superiority، وهو ما يعني الإحساس بالتفوق الإثني عن الغير نتيجة عامل الدين أو الجنس أو اللون أو أي من أوجه التفريق، وهذا كله وعائه الوحيد، الجانب الثقافي وليس أي من العوامل الأخرى.