بقلم- ماجد سمير
قالت أشهر نكتة ألفها المصريون عن المكفوفين إن أحد غير المبصرين صرخ في محصل الترام مجيباًَ على طلبه ثمن تذكرة أنه ليس على الكفيف حرج، فما كان من الرجل الذي يجلس بجواره وهو أعور بعين واحدة أن قال للمحصل: وأنا كمان والنبي نص حرج.
تذكرت هذه النكتة خفيفة الظل فجأة وانا أبحث وأقلب في بعض الأوراق القديمة ووجدت صورة تجمعني مع طارق الخواجة وطارق الشريعي، وهما أثنان مكفوفان الأول عازف اكورديون بارع والثاني عازف أورج متمكن جمعتنا الصورة في أحد الفنادق حيث كنت أعمل في مستهل حياتي خلال أوائل تسعينيات القرن الماضي.
صاحبت علاقتي بهما العديد من المواقف الضاحكة التي عكست مدى خفة ظلهما وسرعة بديهتمها الشديدة، فالأول كان يؤكد أنه يرى بأذنيه وإنه يفكر في الذهاب لطبيب عيون ليفصل له نظارة طبية طبقاًَ لمقاس سمعه لأنه قوي جداًَ ووقتها يستطيع أن يرى دبة النملة ولكن بأذنه، أما الثاني فكان يعشق معرفة ألوان وشكل ملابس جميع الزملاء فرداًَ فرداًَ، ويجد متعة غير عادية في إطلاق الإفيهات على نوع أو لون الملابس مثل قوله لإحدى الزميلات إنها من المؤكد تشعر في ذلك اليوم بخجل شديد لأن لون ملابسها حمراء، وفي حالة إرتداء الزملاء للون أخضر يظهر سعادته قائلاًَ: كويس أنك زارعها جرجير علشان هتنفع في السلطة الخضراء على العشاء.
وعلى المستوى الإنساني ظلت علاقتنا لفترة طويلة تتسم بالود والمحبة، وعندما ألم بي مرض أقعدني لفترة في المنزل أكدا لي أنه يجب عليّ الشفاء العاجل لأن المدافن الخاصة بعائلتي في الفيوم ولا يوجد لدى أي منهما إستعداد على حمل الصندوق كل هذه المسافة.
ولا أنسى شخصية الشيخ حسني وهو غير الشخيصة التي رسمها بمنتهى البراعة المبدع داوود عبد السيد وقدم من خلالها محمود عبد العزيز دور عمره في فيلم الكيت كات، فشيخنا كان من جمهور الزمالك وهو شخص كفيف وكان يحضر مباريات الفريق الأبيض بالإستاذ ويضع الراديو الترانزيستور على أذنه ويطلق تعليقاته اللاذعة منها عند قيام أحد لاعبو الزمالك بمرواغة للاعب منافس فيقول بلهجة أهل الريف المحببة : "الله ... الله ...شوف قطو إزاي ياوله".
وغير الطارقين والشيخ حسني جمعتني الصدفة لمدة عشرة أيام بشاب مهذب جداًَ إسمه عمرو أثناء قضائي لأجازة الصيف بمصيف جمصة منذ نحو خمسة عشر عاماًَ، كان عمرو يصر وهو يرتدي نظارة سوداء "بوليس" أنيقة جداًَ على عينه أن يقوم بتحكيم مباراة كرة القدم التي كنت ألعبها يومياًَ على الشاطى مع عدد من الشباب، إلا أن أصدقائه كانو يصرون على الرفض بشكل يثير تعجبي وفي اليوم الأخير إكتشفت أن سبب رفضهم يعود إلى أن عمرو كفيف وضحكت من كل قلبي لأني لم ألحظ طوال الأجازة أنه كفيف وأخذت أتذكر كل تحركاته لأنها فعلياًَ كانت بشكل طبيعي جداًَ.
حقاًَ أن كل المكفوفين فقدوا بصرهم لأسباب قد تكون خلقية أو قد تعود لأسباب أخرى إلا أن كل من قابلتهم يملكون بصيرة لا يملكها عدد كبير من المبصريين، وكما كتب لينين الرملي وقال محمد صبحي في مسرحية وجهة نظر إن الشوف مش نظر، الشوف وجهة نظر.
كلام حلمنتيشي
إستيقظت مفزوعاًَ..... ومن السرير قفزت ملسوعاًَ ..... فعلى الباب طرق شديد ...... بيد قوية مثل الحديد ..... فتحت الباب لأجد محصل الكهرباء ...... ينظر إلىّ بكبرياء ....... طالباًَ تحصيل الفاتورة ...... وحصد أموالي المقهورة ...... وبنظرة سريعة على الأرقام ...... سكت لساني عن الكلام ....... فالمبلغ يفوق الإستهلاك ..... وقال المحصل: أعلم انك شكاك ..... ولو علقوا مصباح على قفاك ..... لن ترى فكر الوزارة الفظيع ...... فهى تأخذ من الغني لينال الجميع ...... الحق في الإنارة ...... لأن القصر تماماًَ كالحارة ..... وعندما أبديت إعتراضي ...... إبتسم بشكل إفتراضي ....... وقال يجب أن يكون لي من التمثيل راتب وريع ...... إنها الكاميرا الخفية ...... ولو قلت ذيع هأذيع.
شكة
تعرف الوطن المحطم من إنهيار جزء من المقطم.