قابلت مرات أبويا

22/08/2008 - 12:00:30 CEST


بقلم- ماجد سمير
طلبت من زوجتي أن تخبرني عن ما نحتاجة لوجبة العشاء حتى أذهب لشراءه قبل بداية مباراة مصر والسودان الأخيرة، وفور نزولي من المنزل انقطع التيار الكهربائي عن المنطقة، فقررت مشاهدة المباراة على إحدى المقاهي ونؤجل موضوع العشاء خلال الاستراحة بين شوطي المباراة، وبسسب انقطاع التيار الكهربائي عن مساحة كبيرة بالمنطقة كان هناك زحام على المقهى بالرغم من عدم أهمية المباراة.

ولأنَّ متابعة تعليقات وأحاديث الناس تلهمني أفكار جيدة للكتابة قررت تأجيل موضوع العشاء إلى ما بعد المباراة، وبدأت أتابع كل ما حولي بتركيز شديد ومع إحراز السودان الهدف الأول في مرمى مصر، حدث استياء عام من معظم متابعي المباراة فيما عدا عدد قليل من الحضور منهم- وكان يجلس على يميني-  من قال بصوت واضح: أحسن، وعندما سألته عن سر رد فعله الغريب أجاب متسائلاً هل من الممكن أن تخبرني عن سبب زيارة المنتخب المصري للسودان، دولة رئيسها مدان أمام المحكمة الدولية الجنائية في جرائم حرب ونحن نذهب لتعضيده، بل نحصل منه أيضا على نياشين وأوسمة، واعتدل في جلسته وبات ينظر مباشرة لي ونسي المباراة تماماً وأضاف ساخراً لعلها أوسمة دماء أبناء دارفور أو نياشين ضحايا الجنوب، وربما نكون قد حصلنا على نوط الفقر والجفاف والجوع للملايين من شعب السودان اللاجىء في دول العالم.

وتدخل في الحديث رجل أربعيني بدين يدخن الشيشة بشراهة يجلس على يساري قائلاً: يا بيه أنا اتخنقت" سمير زاهر" رئيس اتحاد الكورة بيفكر إنو يعمل ماتش وده يتبرع بدخله لبناء مبنى مجلس الشورى اللي اتحرق، ونفخ من فمه دخاناً كثيفاً وصرخ مضيفاً: أمال الشعب اللي بقاله سنين عمال يتحرق مين ها يطفيه؟! .
وترك" لاي" الشيشة جانباً مطالباً الجرسون باحضار حجر آخر ووجه الكلام لي مباشرة أنا بشتغل سواق تاكسي وطالعة عنيا مرة من الطرق اللي زي الزفت ومرة من البنزين اللي بيغلى وكمان مش لاقينه ومرة تالتة من قانون المرور والمثلث والمربع لما الواحد دماغه بقت" دايرة"، ولا شنطة الإسعاف مش بعيد الحكومة تتطلب منا نركب معانا ممرضة، وخلال حديثه أحرز السودان الهدف الثاني فقال: جون تاني، يالا خليها تخرب أحنا على رأي الأستاذ وأشار إلى الشخص الجالس بجواري من الناحية اليمنى راحين نشجع البشير دا الراجل اللي اسمه" برابريز" مشرف– يقصد برويز مشرف وربما تكون مهنته كسائق تاكسي تسببت في الخلط ما بين البرابريز الخاص بالسيارة واسم الرئيس البكستاني المستقيل- بتاع باكستان استقال واحنا الحكومة عندنا قاعدة على قلبنا ومش ناوية تخلع.

وعند احراز السودان للهدف الثالث بدأ عدد كبير من رواد المقهى في الإنصراف، وأبدى أحد المستمرين في المتابعة وكان يجلس في الصف الأول أمام التليفزيون مباشرة نظزاً لضعف نظره كما أخبرنا فيما بعد قائلاً: إحنا ها نشجع مصر ليه، واستدار تماماً وأعطى ظهره للتليفزيون مشوحاً بيده اليسرى الممسكة" بلاي" الشيشة، وأكمل حديثه بسؤال موجهة إلينا هو إنتو ما شوفتوش الكتاب اللي اسمه" مصر مش أمي دي مرات أبويا" فقلت له أيوا اللي كتبه" أسامة غريب"، فقال آه  هو يا عيني حاسس بالغربه حتى باين من إسمه، ومخنوق زي حلالتنا، وبصراحة الناس اللي ما شجعتش مصر عندها حق، ورسم تكشيرة شديدة على وجهة متعجباً" هو في حد ممكن يشجع مرات أبوه".

وبعد احراز السودان الهدف الرابع وانتهاء المباراة دفعت ثمن المشروبات وودعت الصحبة" المخنوقة" سواء من نتيجة المباراة أو من حال البلد الذي لا يطاق وغادرت المقهى وأثناء عودتي قمت بشراء العشاء حتى لأسمع موشح من زوجتي التي تكرة كرة القدم ومباراياتها تماماً.

وواصلت رحلة العودة إلى المنزل مرتجلاً وكان التيار الكهربائي لا زال مقطوعاً، وتذكرت مقال مجدي الجلاد في المصري اليوم الذي أثار من خلاله قضية الدفاع عن مصر في حالة نشوب حرب، وتأكيد معظم الردود على أنَّ مصر لم تعد بلدهم وأنَّها بلد سكان مارينا وبيفرلي هليز المصرية ودريم وغيرها من المناطق الراقية وكل المنتفعون بخيراتها وعلى هؤلاء فقط  الدفاع عنها، وتحسرت على مصر التي كانت إلى وقت قريب أمي ونيلها هو دمي وأصبحت من وجهة نظر البعض" مرات أبوهم" لم تعد بهيه أم طرحة وجلابية كما غنى لها الشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم، أصبحت من حق سكان الجونة ولم يعد لأهل الجون- أحد المناطق الشعبية بالفيوم- وأمثالهم في بقية مدن مصر مكان فيها، واسألوا مراكب الهجرة غير الشرعية وضحايا العبارات والقطارات، وحاولوا كما يحلم سمير زاهر جمع تبرعات لبناء مجلس الشورى اللي اتحرق، واستمعوا وأرصدوا ردود الناس على هذا الطلب بالتحديد وماذا سيقول الناس عن التبرع لبناء حكومة.

وعند وصولي إلى المنزل طرقت الباب ففتحت لي زوجتي متسائلة وهي تأخذ من يدي ما أحمله لوجبة العشاء اتأخرت ليه، هو إنت رحت تتفرج على قهوة فقلت لها ضاحكا أيوا وهناك قابلت مرات أبويا.
شكة:
مصر هاتفضل غالية عليا...... علشان مش معايا فلوس.




























الاسم :
البريد الالكترونى: (إختيارى)
نص التعليق:

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع الأقباط متحدون


لوحة المفاتيح